تحويل صحارى مصر إلى حقول

أضر التوتر السياسي الذي ساد مصر في أعقاب الثورة التي بدأت قبل نحو عامين بالسياحة، وأدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتسبب في التباطؤ الاقتصادي مما أثار مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي.

وكانت مصر أكبر مستورد للقمح في العالم في عام 2012، إذ بلغت وارداتها 11.5 مليون طن، وهو ما سلط الضوء على الفجوة بين أهداف الاستدامة الغذائية الرسمية والواقع.

وقال ناجي سعيد، رئيس جمعية منتجي القمح في مصر، أن "هناك حاجة ملحة لزيادة إنتاجية القمح"، ليس فقط للحفاظ على العملة الأجنبية ولكن أيضاً لتلبية احتياجات سكان مصر الذين تضاعف عددهم تقريباً خلال الثلاثين عاماً الماضية ووصل إلى 83 مليون نسمة.

ويواجه أمن مصر الغذائي عدداً من التحديات على المدى الطويل، خاصة وأن ما يقرب من 99 بالمائة من السكان يعيشون على حوالي 4 بالمائة من الأرض (المنطقة المتاخمة لنهر النيل حيث توجد معظم الأراضي الخصبة).

وتغطي الأراضي الصالحة للزراعة حوالي 3 بالمائة فقط من مساحة البلاد، وهي تواجه تهديدات بسبب التصحر والتوسع الحضري والتملح، خصوصاً شمال السد العالي في أسوان، مما يؤدي إلى فقدان حوالي 11,736 هكتاراً من الأراضي الزراعية كل عام.

وقد كان الحلم الكبير دائماً هو تحويل المناطق الصحراوية قليلة الاستخدام والتوسع خارج حدود وادي النيل المكتظ بالسكان.

ماذا حدث لمشروع توشكى الذي دشنه مبارك؟

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، دشن الزعيم السابق حسني مبارك مشروع توشكى لزراعة 202,347 هكتاراً من الأراضي الزراعية في الصحراء الغربية وريها بمياه بحيرة ناصر القريبة، وهي بحيرة واسعة من صنع الإنسان نتجت عن بناء السد العالي في أسوان على نهر النيل في جنوب البلاد.

وقد أعاقت مشاكل التمويل وسوء الإدارة وتذبذب الدعم السياسي تنفيذ المشروع على نطاق واسع، إلا أنه ما يزال يشغل حيزاً كبيراً من المناقشات حول الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

ولكن نظراً لعدم الاستقرار السياسي الحالي، يبدو حلم تنفيذ مشروع واحد يحول مساحات شاسعة من الصحراء إلى مزارع للحبوب كمشروع مفضل لدى زعيم مستبد أكثر منه كأكثر الأولويات إلحاحاً بالنسبة للحكومة المنتخبة حديثاً.

وتعارض جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها الرئيس محمد مرسي، هذه الخطة، ولكن الفكرة الأوسع التي تدعو إلى تبني سياسة تحسين الأمن الغذائي لعدد السكان المتزايد لا تزال جزءاً من سياسة الدولة.

كيف يمكن تحسين المزارع الحالية وتوسيعها؟

"وهناك إصرار على الصعيد الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح،" كما أكدت إيمان صادق، إحدى كبار الباحثين في مركز البحوث الزراعية (التابع لوزارة الزراعة)، ورئيسة الحملة القومية للقمح (مشروع يهدف إلى تقليل الفجوة بين إنتاج القمح واستهلاكه في مصر)، في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وأضافت أن استخدام الأراضي الصحراوية يبدو جزءاً رئيسياً من الحل. "ولكن علينا أن نضع في الاعتبار أن أنواع القمح التي يمكن زراعتها في الصحراء قد تكون مختلفة عن تلك التي تنمو في وادي النيل أو الدلتا".

وبعيداً عن المشاريع العملاقة، تم إحراز بعض التقدم، ولو ببطء. فوفقاً لوزارة الزراعة، أنتجت مصر 8.7 مليون طن من القمح في عام 2012، أي بزيادة قدرها 4 بالمائة عن العام السابق، الذي كان في حد ذاته عاماً جيداً.

وقال سعيد، رئيس جمعية منتجي القمح: "يمكن تحسين الإنتاجية عن طريق زيادة الأراضي المزروعة بالقمح وتطبيق تقنيات جديدة لرفع إنتاجية الحقول الحالية".

وقد زاد إجمالي مساحة الأراضي المزروعة بالقمح إلى 1.2 مليون هكتار في عام 2012، بعد أن كان 1.1 مليون هكتار في عام 2011، وفقاً لوزير الزراعة صلاح عبد المؤمن.

وتهدف الحكومة المصرية الجديدة إلى إنتاج 75 بالمائة من احتياجاتها من القمح محلياً في غضون السنوات الثلاث المقبلة. وقد أظهرت المشاريع التجريبية التي تم تنفيذها في عامي 2011 و 2012 من قبل مركز البحوث الزراعية وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا أنه من الممكن تحسين الإنتاجية بنسبة 30 بالمائة.

والجدير بالذكر أن زيادة الغلة تعزى إلى استخدام أصناف جديدة طورها مركز البحوث الزراعية وأساليب الزراعة الجديدة (الزراعة على أسرة مرتفعة).

ماذا يعيق زيادة إنتاج الغذاء؟

وتحتاج الزراعة إلى الأراضي الخصبة والمياه، ومصر تعاني نقصاً في كليهما، ولكن المفارقة هي أنه عندما يتعلق الأمر بالأراضي الخصبة القديمة، يعتبر الماء أكبر التهديدات.

وتوفر دلتا النيل ثلث الإنتاج الزراعي الوطني، ولكن تسرب المياه المالحة أصبح مشكلة كبيرة بعد ارتفاع منسوب البحر الأبيض المتوسط بمقدار 20 سنتيمتراً في القرن الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن مصر معرضة بشكل خاص لمخاطر تغير المناخ.


كما تعاني مصر من عجز سنوي في المياه يبلغ 7 مليار متر مكعب، لأن النيل هو المصدر الوحيد الدائم للمياه العذبة، وهو مهدد بسبب تزايد استخدام المياه في دول المنبع.

وسوف تتحمل الزراعة وطأة أي انخفاض في وفرة المياه، إذ أنها تستهلك 85 بالمائة من إمدادات المياه، وفقاً لتقرير حالة البيئة في مصر، الذي ينتقد "استمرار استخدام الأساليب الزراعية غير المستدامة في إدارة الزراعة والري".

ونظراً لحصول مصر على 55 مليار متر مكعب من المياه سنوياً فقط، فإنها لا تملك ما يكفي لارواء ظمأ سكانها الذين يتزايد عددهم وري أراضيها الزراعية (نحو 3.3 مليون هكتار إجمالاً).

ماذا تفعل الحكومة؟

وتستورد الحكومة الحالية الحبوب من الأسواق العالمية، مما يعرض الفقراء في البلاد بشدة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية، واستيراد المياه عملياً في صورة غذاء.

ودفع انعدام الأمن في السوق المفتوحة - كما تبين عندما حظرت روسيا صادرات القمح في عام 2010 - الحكومة إلى دراسة زراعة الحبوب في بلدان أخرى، من بينها السودان.

ويستعد وفد من وزارة الزراعة لزيارة السودان في وقت لاحق من هذا العام لدراسة إمكانية زراعة القمح على ما يصل إلى 470,000 هكتار من الأراضي السودانية.

وفي حين يبدو أن الاستخدام الأفضل لإمدادات المياه الحالية هو أفضل حل عملي لتحسين الأمن الغذائي الوطني، يرى البعض الآخر أن هناك حلاً أوسع نطاقاً قاب قوسين أو أدنى.

كما يقول العلماء أن الصحراء الغربية تحتوي على خزان مياه جوفية ضخم يمكن أن يساعد مصر على استصلاح حوالي 1.5 مليون هكتار من الأراضي في المستقبل.

استخدم خالد عبد القادر، وهو أستاذ فخري لعلوم طبقات الأرض في جامعة أسيوط، صور الأقمار الصناعية لبحر الرمال العظيم، وهي منطقة في الصحراء الغربية تحتوي على كثبان رملية ضخمة يصل ارتفاعها إلى 100 متر، للبحث عن المياه الجوفية.

وتوصلت نتائج رحلة ميدانية إلى المنطقة إلى احتمال وجود واحة مائية ضخمة تحت الأرض تغطي أجزاءً من تشاد ومصر وليبيا والسودان.

وأشارت دراسة سابقة أجراها خبير المياه مغاورى دياب إلى وجود كميات هائلة من المياه الجوفية في الصحراء الغربية تكفي لاستصلاح 261,000 هكتار من الأراضي، ونوهت إلى أن مصر يمكنها أن تستغني عن نهر النيل لأغراض استصلاح الأراضي، إذا نجحت في استغلال هذا المصدر.
وتقوم الحكومة، وفقاً لصادق، كبيرة الباحثين في مركز البحوث الزراعية، بحفر آبار تجريبية في الصحراء لمحاولة التوصل إلى هذه المياه، ولكن في الوقت نفسه يركز الباحثون في الأكاديمية على تطوير أصناف جديدة من القمح مقاومة للجفاف والملوحة.

ae/jj/cb-ais/dvh