تحليل: بدايات العدالة الانتقالية في سوريا

• محاولة التحقيق في جرائم الحرب في خضم الصراع
• تدريب نشطاء سوريين على القيام بأعمال الطب الشرعي الخطرة
• محاولة تجنب عدالة المنتصر
• الحاجة إلى حوار شامل بشأن سبل المضي قدماً

عندما شارك محمد* لأول مرة في أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا، كانت فكرته عن توثيق الجرائم هي زيارة مسرح الجريمة واستخدام الهاتف النقال لتصوير فيديو مهتز وتحميله على موقع يوتيوب. لكنه قبل بضعة أشهر، وجد نفسه في أحد الفنادق الراقية في اسطنبول، يتعلم المبادئ الأساسية للقانون الدولي من الخبراء المشهورين في هذا المجال الذين شرحوا كيفية تحديد الإحداثيات بنظام تحديد المواقع (GPS) وكيفية إجراء مقابلات مع الشهود.

ويعتبر هذا الحدث جزءاً من حملة تهدف إلى جمع الأدلة الجنائية بطريقة منهجية لإثبات جرائم الحرب المحتملة في سوريا، ومحاكمة مجرمي الحرب المزعومين في نهاية المطاف. وتقول الجهات التي تقف وراء هذا الجهد أنه أول محاولة كبيرة لعمل ذلك في خضم صراع دائر.

وبينما يحاول المحققون إرساء أسس المساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا في ظل ظروف صعبة للغاية، يحذر الخبراء بالفعل من أن على هذه العملية تجنب العثرات التي شوهدت في العراق ورواندا وغيرها من سيناريوهات ما بعد الصراع.

وتحاول مبادرات عديدة - من لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والتي تحقق في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، إلى مركز توثيق الانتهاكات في سوريا - توثيق التطورات في سوريا لاحتمال استخدامها في محاكمات في المستقبل، لكنها تواجه تحديات لم يسبق لها مثيل.

وقالت كارين كونينغ أبو زيد، المفوضة في لجنة التحقيق لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) "إن عمل ذلك في خضم الصراع أمر صعب للغاية. إنها المرة الأولى بالنسبة لنا جميعاً".

ومن التحديات التي تواجه اللجنة هو الوصول، فعلى سبيل المثال، لم تمنح الحكومة السورية اللجنة إذناً لدخول سوريا. لذا، فإن تقاريرها تعتمد في أغلب الأحوال على مقابلات مع اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، لكنها تعتمد أيضاً على المعلومات المستقاة من مصادر متنوعة على الأرض، من بينها منظمة جديدة تطلق على نفسها اسم الهيئة السورية للعدالة والمساءلة (SCJA).

والهيئة السورية للعدالة والمساءلة هي منظمة لا تهدف إلى الربح مسجلة في لاهاي لكنها تعمل في اسطنبول في أغلب الأحيان، وقد بدأت مؤخراً في تدريب نشطاء سوريين بغرض تحويل تحقيقات الهواة التي يجرونها إلى تحقيقات مهنية محترفة. وتحصل المنظمة على تمويلها الأساسي من الحكومة البريطانية، لكنها تسعى لإيجاد مصادر أكثر تنوعاً واستدامة.

ويتولى قيادة الهيئة السورية للعدالة والمساءلة محقق كندي عمل مع المحكمة الجنائية الدولية وتخصص في آليات العدالة الانتقالية في يوغوسلافيا والعراق ورواندا. ساعدت الهيئة في تهريب محمد وغيره من الناشطين من سوريا للحصول على دورات تدريبية لمدة خمسة أو عشرة أيام حول ما يعتبره القانون مسؤولية جنائية فردية وكيفية تحديد المسافة التي تُطلق منها الصواريخ، استناداً إلى حجم الحفرة التي تحدثها، من بين أمور أخرى. ثم ترسلهم مرة أخرى إلى سوريا مع مجموعة لوازم التحقيق لجمع الأدلة.

كما يحاولون أيضاً الحصول على وثائق تظهر سلاسل القيادة العسكرية وإجراء مقابلات مع جنود النظام الذين يأسرهم الجيش السوري الحر وتهريب تلك المعلومات إلى خارج سوريا.

"نحن نضع حجر الأساس، وهو جمع الأدلة، حتى تتجمع لدينا الملفات اللازمة لمقاضاة الأشخاص في وقت لاحق،" كما قال حسن الأسود، الذي كان يعمل كمحام مستقل في سوريا ويرأس الآن مكتب الهيئة في اسطنبول.

وأضاف رئيس الهيئة الكندي، الذي طلب عدم ذكر اسمه حفاظاً على سلامته عندما يدخل سوريا، أن "المحاكمات الجنائية طويلة ومعقدة، وفي نهاية المطاف، يفقد السكان اهتمامهم بها. يجب أن نكون مستعدين للعمل بسرعة واقتدار بمجرد ضمان إجراء محاكمات عادلة في سوريا". وغالباً ما يكون هذا العمل محفوفاً بالمخاطر.

زار محمد أحد مباني المخابرات العسكرية في سوريا ذات مرة في محاولة لتجميع التسلسل الهرمي للجيش. كان ينوي الدخول والخروج بسرعة عن طريق استخدام هوية مزورة والتظاهر بأن وكالة أمنية حكومية أخرى قد أرسلته. لكن الجيش السوري الحر هاجم المبنى بينما كان في الداخل، وظل يحاول إخفاء هويته لمدة ثلاثة أيام مريرة.

"هذا العمل صعب وخطير، لكن من مصلحة الشعب السوري أن يتم ذلك قبل سقوط النظام، وليس بعده،" كما أوضح في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

في المقابل، يشكك آخرون في حكمة هذا التوقيت، قائلين أن الخوف من الملاحقة القضائية قد يمنع الرئيس السوري بشار الأسد أو غيره من توقيع أي اتفاق سلام على الإطلاق.

وقال أحد العاملين في مجال حقوق الإنسان في سوريا: "نحن لا نريد أن نصيب العملية السياسية بالشلل".
لكن طموحات الهيئة أكبر من مجرد إجراء محاكمات قليلة بل تهدف في نهاية المطاف إلى جعل سوريا قادرة على التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحيث يمكن للحكومة بعد إعادة تشكيلها أن تدرجها في وحدة متخصصة في التحقيق في جرائم الحرب.

وقال المرشد الكندي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "في نهاية المطاف، سيقوم السوريون أنفسهم باتخاذ القرارات، وفي المستقبل، سوف تتخذها السلطات السورية المناسبة. سنقوم بإعداد الملف، لكن الأمر متروك لشخص آخر لكي يقرر ما إذا كان سيتسخدمه في أي وقت أم لا".

وأكد الأسود أنه لا يريد أن يترك هذه المهمة للأمم المتحدة أو أي هيئة دولية أخرى، مضيفاً في تصريحه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نريد محاكمات محلية في نهاية المطاف. لا نريد عفواً، ولا نريد تسيس قاعدة بياناتنا. نريد الاحتفاظ بقاعدة البيانات الخاصة بنا".

ويقول مراقبون أنه قد ينشب نزاع حول تحديد من سيدفع هذه العملية قدماً. وقد أقام المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) حواراً مع جماعات مختلفة في سوريا، وحثهم على إجراء حوارات تشاورية وشاملة قدر الإمكان في الفترة التي تسبق تنفيذ أي تدابير لتحقيق العدالة الانتقالية.

عملية معيبة؟

وقد بدأت تظهر على المبادرة بالفعل بعض مؤشرات الوقوع في الفخاخ نفسها التي عانت منها محاولات أخرى لتحقيق العدالة الانتقالية.

وتقدم الهيئة السورية للعدالة والمساءلة نفسها على أنها جهة غير سياسية وغير منحازة إلى أي عقيدة دينية أو مجموعة عرقية، ومدفوعة فقط باحترام سيادة القانونين السوري والدولي.

لكنها تعترف بأنها تعتبر الجيش السوري الحر "شريكاً" مهماً في التحقيق في جرائم الحرب المحتملة التي قد تكون القوات الحكومية قد ارتكبتها. ويعمل محققو الهيئة في الغالب في المناطق التي تخضع لسيطرة الجيش السوري الحر، ويعتمدون على الثوار المقاتلين لحماية أمنهم الجسدي وتوفير الدعم اللوجستي والوصول إلى السجناء والوثائق التي تم الاستيلاء عليها. وقال المرشد الدولي أن معظم التحقيقات في الجرائم التي يحتمل أن يكون الجيش السوري الحر قد ارتكبها تتم عن طريق تحليل مقاطع فيديو على موقع يوتيوب.
 

لكن ذلك مدعاة للقلق بالنسبة للبعض، حيث قال كلاوديو كوردون، مدير برنامج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية: "لا يمكنك إقامة أسس دولة مبنية على سيادة القانون عندما تعفي أحد الجانبين من المساءلة". وكان كوردون قد ساعد عدة بلدان في المنطقة على الانتقال من مرحلة الصراع، وأكد أنه يمكن لسوريا الاستفادة من تجارب جيرانها.

لكنه قال أنه في ليبيا، على سبيل المثال، من الصعب جداً انتقاد الثوار السابقين الذين أطاحوا بمعمر القذافي والذين أصبحوا منذ ذلك الحين متهمين بارتكاب جرائم خطيرة للغاية. وأضاف أن حملة اجتثاث البعث في العراق، بعد الإطاحة بالرئيس صدام حسين، "أدت إلى أضرار أكثر بكثير من الفوائد التي كان مفترضاً تحقيقها".

وأفاد المحقق محمد أن هدفه هو "الحفاظ على إمكانية مساءلة أولئك الذين ارتكبوا جرائم وضمان حصول الجميع على حقوقهم"، ويعتقد أن هذا هو هدف الجيش السوري الحر أيضاً.

ويعترف محمد بأن المتمردين ارتكبوا جرائم أيضاً، ويقول أنه على استعداد للتحقيق فيها، لكنه يصر على أن "جرائم الجيش السوري الحر طفيفة مقارنة بجرائم النظام". (اتهمت منظمات حقوق الإنسان الدولية قوات الحكومة والمعارضة على حد سواء بارتكاب انتهاكات، لكنها تقول أن الحكومة تتحمل مسؤولية أكبر نظراً لامتلاكها أسلحة أقوى وسيطرتها على المزيد من الأراضي).

ويدرك مرشد الهيئة السورية للعدالة والمساءلة جيداً مخاطر عدالة المنتصر، بعد أن شهد عمليات العدالة الانتقالية الأخرى تفقد شرعيتها لهذا السبب فقط. ويشير إلى أن المحكمة الجنائية الدولية لرواندا فقدت مصداقيتها بسبب ملاحقة الهوتو فقط، وفشلت أيضاً في مساعدة المجتمع الرواندي على المضي قدماً. (رغم أن أعضاء من جماعة الهوتو العرقية كانوا بالفعل مسؤولين عن الجزء الأكبر من الإبادة الجماعية في رواندا، فإن المتطرفين من قبائل التوتسي شاركوا أيضاً في القتل). ويصر على أن الهيئة السورية للعدالة والمساءلة هي "وسيلة لتحقيق العدالة الانتقالية"، وليس للانتقام والثأر.

وأضاف أن "محققينا يفهمون النظرية بسهولة كبيرة، لكنهم يحتاجون في بعض الأحيان، من الناحية العملية، إلى التذكير بأنهم لا ينتمون إلى هذا الطرف أو ذاك".

لكن هنا أيضاً، تتعرض سلامتهم الجسدية للخطر. ويقول محمد العبد الله، وهو شاب سوري يعيش في المنفى وناشط في مجال حقوق الإنسان سُجن مرتين في سوريا قبل اندلاع النزاع الحالي، أن "الوضع يشبه المشي في حقل ألغام. إذا انتقدت الثوار ... قد يتم اغتيالك. سوف يهاجمونك ويتهمونك بالعمل مع الحكومة. ولكنك إذا تجاهلت [جرائمهم]، تقع تحت ضغط أخلاقي. إنها مهمة صعبة للغاية".

كميات كبيرة من الأدلة

ويرأس العبد الله حالياً مبادرة جديدة تمولها الولايات المتحدة تسمى المركز السوري للعدالة والمساءلة (SJAC)، الذي يراد له أن يصبح مركزاً لتبادل جميع المعلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب المحتملة - وهذه خطوة مهمة لمحاولة الحفاظ على عدد كبير من المعلومات التي أصبحت متاحة وتصنيفها.

وبينما يظهر العديد من مقاطع الفيديو الغنية بالأدلة على موقع يوتيوب، فإن كوردون من المركز الدولي للعدالة الانتقالية يقول أن الكثير منها لم ينجح في توفير معلومات أساسية حاسمة، مثل زمن ومكان تصوير المقطع، وهوية المصور.

وبالمثل، فإن الجيش السوري الحر يدمر الكثير من الأدلة المحتملة دون قصد في كثير من الأحيان، حسبما ذكر مرشد الهيئة السورية للعدالة والمساءلة، عن طريق حرق مراكز الشرطة التي يتم الاستيلاء عليها دون التحفظ على أية وثائق حكومية ذات صلة أولاً. (تحاول الهيئة السورية للعدالة والمساءلة رفع مستوى الوعي حول هذا الأمر داخل الجيش السوري الحر).

وتهدف الهيئة السورية للعدالة والمساءلة إلى إنشاء قاعدة بيانات تضم المعلومات التي تم جمعها من مجموعات مختلفة في مكان واحد.

وقال العبد الله لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المعلومات منتشرة في كل مكان على الانترنت، ولكن لا يوجد أي تنسيق. سوف نلعب نحن هذا الدور".

كما يقوم المركز بجمع قوائم القتلى، لكي يتم استخدامها كأساس لمنح تعويضات جماعية أو فردية.

وأكد في حواره مع شبكة الأنباء الإنسانية أن (إيرين) أحد الأهداف الرئيسية هو "إبقاء ما حدث في ذاكرة الأمة لمنع تكراره"، ورفع مستوى الوعي العام حول مفهوم العدالة الانتقالية.

وقال العبد الله: "عندما تقول المصالحة، يصبح الناس في سوريا دفاعيين للغاية. إنهم يفهمون المصالحة على أنها عفو ويقولون أن شيئاً لن يحدث، وسيحصلون هم على العفو، بينما نمضي نحن قدماً. إن تثقيف الشعب في مرحلة مبكرة، قبل انهيار النظام، أمر مهم للغاية".

* ليس اسمه الحقيقي

ha/cb-ais/dvh