الكوارث بطيئة الظهور تتسبب في خسائر فادحة

تهدد كميات كبيرة من مياه الفيضانات الراكدة في جنوب غرب بنجلاديش في الأونة الأخيرة والتي لم تنحسر بعد الزراعة والصحة العامة لسنوات قادمة. فهذه أزمة لم تكتمل بعد، وتسلط الضوء على المخاطر التي تواجهها الدول الفقيرة جراء الكوارث الطبيعية بطيئة الظهور، ومدى استجابة المسؤولين غير المتأهبين - على الرغم من تلقي إنذار مبكر قبل فترة كافية.

للوهلة الأولى، يمكن للمرء أن يتوقع أنه كلما كان ظهور الكارثة أبطأ، ينبغي أن نكون أفضل تأهباً للتخفيف من آثارها،" كما أفادت مارغريتا والستروم، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). وأضافت أن "ما نجده في كثير من الأحيان، بدلاً من ذلك، هو أننا نتأخر كثيراً في الاستجابة".

ففي العام الماضي، تلقى سكان في تايلاند تحذيرات قبل عدة أشهر من حدوث فيضانات، ابتداءً من يوليو 2011، عندما بدأت الفيضانات في شمال البلاد من جراء عاصفة استوائية تحركت ببطء نحو الجنوب. واستمرت الفيضانات في بعض المناطق حتى منتصف يناير 2012. ولكن حتى بعد تلقي هذا الإنذار المبكر، أودت الفيضانات بحياة ما لا يقل عن 628 شخصاً وألحقت أضراراً بأكثر من 13 مليون شخص آخرين ودمرت 20,000 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية.

التحذيرات لا تجد آذاناً صاغية

وقال خورشيد علم، الرئيس السابق لقسم سبل العيش والحد من الكوارث في مكتب منظمة أكشن إيد في بنجلاديش، أن الكوارث بطيئة الظهور تحظى باهتمام أقل من وسائل الإعلام وتبدو أقل مأساوية من الطوفان المفاجئ أو الأعاصير وأضاف أن "استمرار ركود مياه الفيضانات في منطقة ساتخيرا في جنوب غرب البلاد هو أهم الكوارث بطيئة الظهور التي تعاني منها البلاد في الوقت الحالي".

وعلى عكس الطوفان المفاجئ، الذي قد تكون آثاره قاتلة على الفور، يمكن أن تمر سنوات من التحذيرات قبل أن تتحول الكوارث بطيئة الظهور - مثل الجفاف، والتآكل النهري، وابيضاض المرجان وزيادة ملوحة التربة والمياه - إلى حدث قاتل.

وأكدت والستروم أن المشكلة تكمن في عدم الالتفات للتحذيرات أحياناً، مضيفة أنه "بالنظر إلى الخبرة الجماعية في الاستجابة لحالات الجفاف الطارئة على مدى السنوات الـ 50 الماضية، من المستغرب أن العالم قد تهاون مرة أخرى العام الماضي في الاستجابة للمجاعة الناجمة عن الجفاف في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل الغربي، رغم توقعها في وقت مبكر جداً. كانت حياة الملايين وسبل معيشتهم على المحك، ولكن لم تلق التحذيرات آذاناً صاغية".

ووفقاً لنصيحة والستروم، ينبغي على الحكومات والجهات المانحة ومنظمات الاغاثة المؤهلة للاستجابة للكوارث سريعة الظهور أن تصبح أكثر مرونة في الاستجابة للتحذيرات المبكرة. وهذا ينطبق بشكل خاص على قارة آسيا، التي تعد واحدة من المناطق الطبيعية الأكثر عرضة للكوارث في العالم، والتي حدثت بها وفيات ناجمة عن كوارث طبيعية بين عامي 1975 و2011 أكثر من أي مكان آخر في العالم.

المخاطر الحضرية

وتحتاج المناطق الحضرية إلى اهتمام خاص. وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث إلى أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في شرق آسيا في السهول المعرضة للفيضانات في المناطق الحضرية قد يصل إلى 67 مليون نسمة بحلول عام 2060.

ويعيش أكثر من ثلثي سكان العالم الآن في المناطق الحضرية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، كما يقيم ما يقرب من مليار شخص - معظمهم في آسيا - في أحياء فقيرة.

ومن المرجح أن يواجه سكان الأحياء الفقيرة في العالم - الذين تتزايد أعدادهم بنحو 25 مليون نسمة سنوياً، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية- كوارث مزمنة أكثر من سكان المناطق الحضرية الأخرى.

وأوضح غيرسون برانداو، مستشار الشؤون الإنسانية في مكتب منسق الأمم المتحدة المقيم في بنجلاديش أن "عدم القدرة على التنبؤ بهذه الأحداث - على سبيل المثال، مياه الفيضانات الراكدة في المناطق المعرضة للفيضانات - يجعل من الصعب وضع محفزات للاستجابة".

وتتسبب مياه الفيضانات الراكدة في زيادة الملوحة في الأراضي الزراعية، وتؤثر ليس فقط على المزارع الريفية، ولكن على المناطق شبه الحضرية والحضرية كذلك التي تُمارس فيها الزراعة بشكل متزايد. كما تزيد من خطر الإصابة بالأمراض التي تنقلها المياه. "فمياه الفيضانات الراكدة ليست مجرد سيول غير مفيدة لكنها خطر مستمر،" كما حذر برانداو.

وتجدر الإشارة إلى أن تقلص مساحة الأراضي الرطبة، التي كانت تساعد تقليدياً في تصريف مياه الفيضانات، أدى إلى تفاقم مشكلة مياه الفيضانات الراكدة خلال السنوات الأخيرة.

وقد حذرت دراسة أُعدت عام 2011 بتكليف من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حول الكوارث بطيئة الظهور، من أنه "إذا لم تتم استعادة أو تعزيز سبل كسب العيش أثناء الفترات التي تتخلل الأحداث المناخية [يسبب خطر مزمن[ ... فإن الأخطار الأقل حدة يمكن أن تدفع الأسر إلى حافة الهاوية، مما سيؤدي إلى الدخول في حلقة مفرغة".

عدم انتظام الطقس

وأشار علم إلى أن موجة الجفاف السنوية في بنجلاديش، ونقص الغذاء الناجم عنها، والمعروف محلياً باسم "مونغا"، هي كارثة أخرى بطيئة الظهور، حيث يتضرر حوالي 2.3 مليون هكتار من موجات الجفاف السنوية في البلاد من أصل 8.4 مليون هكتار صالحة للزراعة، مما يؤثر بشدة على المزارعين، خاصة في شمال غرب البلاد، وفقاً للتقارير الحكومية التي تلقي باللوم في الأضرار التي تلحق بدورات المحاصيل على عدم انتظام الطقس على نحو متزايد.

وفي عام 2010، كانت كمية الأمطار التي هطلت على بنجلاديش 47,447 مليمتراً، ولكن هذه الكمية زادت بنسبة 40 بالمائة في عام 2011. ولم تنحسر مياه الفيضان كالعادة في جنوب غرب بنجلاديش العام الماضي، مما ألحق أضراراً بالمأوى والرعاية الطبية وفرص الحصول على الغذاء والدخل لأكثر من مليون شخص.

وقال شهادات حسين محمود، أخصائي الحد من المخاطر الريفية في وزارة إدارة الكوارث والإغاثة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هذه المنطقة تعاني بالفعل من خطر التعرض للفيضانات، حتى من دون زيادة في هطول الأمطار، لأنها مكان التقاء ثلاثة أنهار رئيسية.

وأضاف أن "هذه الأنهار تجلب كمية كبيرة من الطمي ... وبالتالي فإن الفيضانات تغمر ضفاف الأنهار حتى لو هطلت أمطار قليلة".

من جهته، قال عبد اللطيف خان، المسؤول في وزارة إدارة الكوارث أن مشروع إدارة فيضان الأنهار يهدف إلى تحويل المياه إلى البحيرات الضحلة، وإصلاح عدد من السدود والحواجز الأرضية، وتجريف قيعان الأنهار.

وتعمل الحكومة أيضاً مع المزارعين في المناطق الساحلية لمساعدتهم على بناء منازل على ركائز خشبية متينة، واختبار تقنيات زراعية جديدة واستكشاف مزارع الأسماك وسرطان البحر لتعويض الدخل المفقود بسبب اختفاء الأراضي الزراعية.

وأفاد حسين أن التكيف هو أفضل أمل تتعلق به بنجلاديش، كدولة معرضة بشدة للكوارث الطبيعية وآثار تغير المناخ.

ao/fm/pt/rz-ais/dvh
"