سوريا: عشرة أيام في دمشق

هبة علي
مدير تحرير إيرين

ملاحظة من الكاتب

سلسلة من المقالات عن الخسائر الإنسانية الناجمة عن ما يقرب من عامين من الصراع

قيل لي أن الطريق من مطار دمشق الدولي ليست آمنة (في الأيام التي تلت وصولي، هاجم الثوار المطار عدة مرات). وكبديل عنها، دخلت سوريا عن طريق لبنان، عبر جبال متعرجة يكسوها الضباب، حيث كنت وأحد الزملاء وسائق نشق طريقنا عبر بلدات صغيرة ومدرجات زراعية إلى الحدود السورية.

عند بوابة الجمارك، تصطف سلسلة طويلة من السيارات انتظاراً لدخول لبنان، وتكتظ كل منها بالأمتعة الصغيرة التي تمكنت العائلات من أخذها معها. أما جانب الطريق الذي كنا نسير عليه، فكان أكثر هدوءاً.

دخلنا، حاملين تأشيرات الخروج في أيدينا، إلى منطقة صخرية تكسوها الرمال الحمراء وغير مأهولة طولها حوالي 5 كيلومترات بين الحدود اللبنانية والسورية وتحيط بها جبال مكسوة بالشجيرات وعليها صورة للرئيس السوري بشار الأسد كُتب عليها: "أنا أؤمن بسوريا".

كانت محطتنا الأخيرة قبل دخول سوريا متجر السوق الحرة، الذي يعرض كل شيء من الشوكولاتة السويسرية إلى الحيوانات المحنطة وشاشات التلفاز المسطحة. ولم يكن مطعم دانكن دونتس المجاور يبيع كعك الدونت.

وبمجرد عبورنا للحدود، سافرنا لمدة 45 دقيقة على الطريق من بيروت إلى دمشق للوصول الى المدينة. كانت دمشق آمنة نسبياً وخلابة جغرافياً، وقبل صلاة الجمعة بقليل، كانت مهجورة إلى حد كبير. مررنا براعي غنم وقطيعه الكبير، فضلاً عن عدة نقاط تفتيش يخيم عليها الهدوء، حيث أشار لنا جنود يرتدون سترات تحميهم من الأمطار الخفيفة أن نستمر في طريقنا دون أن نواجه الكثير من المتاعب.

وأثناء مرورنا بحي المزة في دمشق، الذي شهد أول مظاهرات في المدينة منذ عدة أشهر، سمعنا أصوات القصف الآتية من مسافة بعيدة. وقال السائق: "أصبحنا قادرين على تحديد هذه الأصوات. فنحن نعلم الآن إن كانت أصوات قذائف هاون أومدفعية أو دبابة".

وصلنا إلى الدوار الذي يتوسط ساحة الأمويين، حيث يقع مبنى وزارة الدفاع المحطم الذي تفصله الحواجز عن الطريق وتغطي الأقمشة واجهته الخارجية لإخفاء الأضرار التي لحقت به في أكتوبر الماضي عندما فجر الثوار عبوتين ناسفتين، الأولى خارجه والثانية داخله، قبل احتلاله والدخول في معركة بالرصاص مع قوات الأمن الحكومية لمدة خمس ساعات، ثم طردهم من المبنى في نهاية المطاف.

أسعار الغرف في الفندق الذي أقيم به على الجانب الآخر من الدوار لا تقبل المنافسة: 1,100 دولار للفرد الواحد لمدة شهر كامل، شاملة وجبة الإفطار والإنترنت. أفرغت حقيبتي في غرفتي الباردة وتحققت من البريد الإلكتروني الخاص بي:

"أسماء بشار، سيدة سوريا الأولى" تتقدم إلي باقتراح وتطلب مني الاتصال بها على بريدها الإلكتروني الشخصي للحصول على المزيد من التفاصيل. حتى في زمن الحرب، تصلني مثل هذه الرسائل الإلكترونية المزيفة والمزعجة.

كانت ليلة الجمعة والشوارع هادئة. لقد أصبحت أكثر هدوءاً منذ أن حاول الثوار السيطرة على العاصمة في يوليو الماضي. لا يزال هناك زبائن في بعض المطاعم ومقاهي الشيشة، لكن العديد من المحلات التجارية مغلقة ونقاط التفتيش المرتجلة تظهر في مناطق كانت دون حراسة فيما مضى.

يحرس تلك النقاط مسلحون يرتدون الجينز والسترات المموهة. في إحدى المناطق، كان الرجل الواقف عند التقاطع يرتدي بدلة وربطة عنق، وبندقية كلاشينكوف متدلية من كتفه. سرت بجوار حديقة في حي أبو رمانة الراقي، حيث سقطت قذيفة هاون في وقت سابق من الأسبوع، مما أدى إلى تحطيم نوافذ سيارتين متواقفتين وإصابة سيارة فان مجاورة بشظايا. وقد تُركت أثار الدمار للناظرين كهدية تذكارية.

داخل المطاعم الفاخرة في المدينة، تبدو الحرب بعيدة، لكن هناك تذكير صغير: ملصقات مكتوبة بخط اليد لتعديل الأسعار في قائمة الطعام. لقد أصبح كل شيء الآن أكثر تكلفة، خاصة المواد الغذائية.

الاستثناء هو المحلات التجارية ومراكز التسوق المصممة على النمط الغربي، حيث تشير اللافتات المرفوعة على معظم واجهات المتاجر إلى تخفيضات بنسبة 70 بالمائة. فهناك عدد قليل من الزبائن يشترون المجوهرات والأحذية الفاخرة هذه الأيام.

كما أن المواقع السياحية في المدينة التاريخية مغلقة، ونقاط التفتيش المحاطة بأكياس الرمل آخذة في الانتشار. ووسط شوارع السوق المرصوفة بالحصى، جلس رجل مسن على كرسي خارج متجر يبيع الشيشة أسسه جده منذ عدة عقود. كان ذاك المتجر الوحيد المفتوح في هذا الجزء من السوق؛ فمعظم المحال التجارية تغلق أبوابها يوم الجمعة - خاصة في ظل تزايد انعدام الأمن في يوم الاحتجاج الأكثر شعبية، لكن هذا الرجل بحاجة ماسة إلى الزبائن. كان متجره يكسب 100,000 ليرة سورية يومياً أما الآن، فيكون محظوظاً إذا حصّل 6,000 ليرة.

كما ارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير وأُغلقت المصانع في الوقت الذي تكافح فيه الشركات من أجل البقاء، وذلك بسبب النزاع وخروج السياح بشكل جماعي، والعقوبات الدولية. بالإضافة إلى ذلك، تعاني الصيدليات من نقص في الأدوية وأسعار المواد الغذائية تضاعفت لتصل إلى ثلاثة أضعاف في بعض الحالات. ويمكن الآن لزيارة واحدة إلى البقالة أن تكلف راتب موظفة مدنية لمدة شهر كامل. وأحياناً يكون من الصعب العثور على بعض السلع في محلات السوبر ماركت، بما في ذلك الدقيق. ومع دخول فصل الشتاء البارد، يوجد نقص في المازوت المستخدم لأغراض التدفئة، وهو غير متوفر في السوق منذ أكثر من أسبوع. كما تصطف طوابير طويلة أمام العديد من محطات الوقود.

تبذل وكالات الاغاثة والجمعيات الخيرية المحلية جهوداً مضنية لمواكبة الاحتياجات المتزايدة بشكل سريع، لكنها حتماً تفشل في الوصول إلى بعض الناس. وفي فرع دمشق من الهلال الأحمر العربي السوري، الذي يركز الآن على مساعدة النازحين جراء العنف، تتسول امرأتان مسنتان للحصول على المساعدة لأسرتيهما. لم تتضرر المسنتان بشكل مباشر جراء النزاع، لكن أبناءهما عاطلون عن العمل منذ ثمانية أشهر وتقولان أن أسرتيهما لم تتناولا أي طعام غير البرغل (القمح المشقوق) منذ عدة أيام.

وقال أحد الدمشقيين أن "الجمعيات الخيرية كانت تساعد الفقراء فقط، ولكن الجميع فقراء الآن".

تمتلئ دمشق بصورة متزايدة بالسوريين الذين فروا من أعمال العنف في أجزاء أخرى من البلاد. وفي المكاتب الخاصة بجمعية خيرية صغيرة الحجم، كان أشخاص كانوا ينتمون إلى الطبقة الوسطى ينتظرون بصبر للحصول على أكياس بلاستيكية تحتوي على مواد غذائية. وكان بعض النازحين ينامون في الحدائق العامة بالمدينة عندما كان الطقس أكثر دفئاً. أما الآن، فإنهم مضطرون للبحث عن ملاذ في المدارس والمباني العامة التي تمتلئ بسرعة.

مع ذلك، تبقى الظروف المعيشية لسكان دمشق أفضل بكثير من تلك التي يعيشها سكان المناطق المتضررة بشكل مباشر من القتال، حيث "لا توجد خدمات أساسية، أو وقود أو كهرباء أو ماء. ولا يوجد شيء على الإطلاق،" حسبما ذكر مسؤول تابع للأمم المتحدة زار المناطق التي يسيطر عليها الثوار في الآونة الأخيرة.

مرت مروحية عسكرية فوقي بينما كنت أتناول الغداء في حديقة المكتب، وسمعت أصداء صوت إمام آتية عبر مكبر صوت قريب، يتخللها صوت القصف المتقطع. أصبح صوت القصف جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكنه في بعض الأحيان يبدو وكأنه ينطلق من شرفة منزلك. وعندما يكون مرتفعاً بشكل غير اعتيادي أو يبدو قريباً، ينظر الناس إلى بعضهم البعض ويرتعدون. وفي مقهى مقام في الهواء الطلق، ترسم نادلة إشارة الصليب على صدرها، بينما يتساءل الزبائن عما إذا كان عليهم الانتقال إلى الداخل.

ويقول أحد عمال الإغاثة: "في كل مرة أسمع فيها هذا الصوت، أتساءل عن عدد الأطفال الذين لقوا مصرعهم هذه المرة؟"

أفادت أنباء المساء أن قتالاً عنيفاً يدور في العاصمة ومحيطها، وأن 21 شخصاً قد لقوا حتفهم. ما كنت لتعرف ذلك بالضرورة إذا لم تشاهد التلفزيون. حتى عندما يندلع القتال بالقرب منك، تبدو دمشق وكأنها فقاعة.

يعيد التلفزيون السوري يومياً عرض شريط فيديو عسكري يظهر جنوداً يتدربون، وطائرات هليكوبتر عسكرية تقلع، وسفن تقوم بإطلاق الصواريخ. وعندما ينتهي التقرير يقوم ببث فقرة عن التاريخ الثقافي للمدينة القديمة.

ولا يزال الناس يأخذون أطفالهم إلى الحدائق في محاولة للحفاظ على بعض ملامح الحياة الطبيعية، لكن عدم الارتياح واضح على وجوههم.

تحيط الحواجز الأسمنتية أو قضبان من الحديد الصلب على هيئة نجمة بالمنشآت الحكومية الهامة. وبينما لا تزال الحركة في مختلف أنحاء دمشق سهلة إلى حد ما، إلا أن هناك عدداً متزايداً من نقاط التفتيش التي يمكن أن تبطئ حركة المرور خاصة في المساء.

وفي ظل كل ذلك، أعد أحد الناشطين السلميين المعارض للحكومة أولاده لإمكانية أن يصبحوا أيتاماً؛ فادخر بعض المال، وقام بتحميل كل وثائقه الهامة على الإنترنت، وحصل على تأشيرات سفر لأسرته، وأعطى تعليمات لزوجته بشأن ما ينبغي عمله إذا تعرض للقتل أو الاعتقال.

لكن في خضم كل ذلك، يبقى السوريون شعباً قوياً ومضيافاً. ففي مطعم خاو في البلدة القديمة، أصر نادل يرتدي زياً أنيقاً على تقديم شراب مجاني إلى أي زائر أجنبي، على الرغم من صعوبة الحالة الاقتصادية في البلاد، والتي تعتبر الأصعب منذ عدة عقود.

وعندما تعترض الزبونة، يذكرها بمثل عربي يقول أن "بيت الضيق يتسع لألف صديق".

مع ذلك، يرى كثيرون أن المستقبل قاتم، ويعبرون عن ثقتهم بأن الله سيحسن الأحوال. وقال نازح فر من منزله في منطقة استراتيجية في إحدى ضواحي دمشق عندما سيطر عليها الجيش: "أحياناً أتمنى لو لم أكن متزوجاً. إذا كنت أعزباً، لأمكنني أن أساعد الآخرين، لكنني الآن، لا أستطيع حتى أن أساعد نفسي وأطفالي".

وبينما توشك زيارتي إلى دمشق على الانتهاء، أتساءل عما إذا كنت سأجد زملائي السورييين آمنين، إذا عدت أو عندما أعود. وخلال رحلة عودتي، كان المعبر الحدودي اللبناني يعج بالفوضى. الأطفال يصرخون وأمهاتهم يتنافسن للوصول إلى شباك الموظف وللحصول على حياة أفضل في الخارج. مررنا بصعوبة بجوار سيارات الأجرة والسيارات الخاصة التي تحمل حقائب السفر على أسطحها، ومثل اللاجئين، تركنا خلفنا بلداً لا يمكن التنبؤ بمستقبله وشعباً تزداد احتياجاته يوماً بعد يوم.

ha/cb-ais/dvh