تغير المناخ: إنقاذ البشر والشجر

يطالب العلماء بإجراء تغييرات في آلية الأمم المتحدة التي تهدف إلى الحد من الغازات المسببة للاحتباس الحراري عن طريق وضع حد لخسارة الغابات. ويقول دعاة حماية البيئة منذ فترة طويلة أن هذه الآلية يجب أيضاً أن تحمي التنوع البيولوجي والمجتمعات التي تعتمد على الغابات. والآن، وقبل بدء محادثات المناخ في الدوحة، أصبح لهذا التفكير جمهور أكبر من ذي قبل.

ظهرت آلية خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها (REDD) وخليفتها، المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها (التي تهدف أيضاً إلى عكس خسارة الغابات)، بعد سنوات من مفاوضات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ. والآلية مصممة في الوقت الحالي لتوفير حوافز مالية مقابل الحفاظ على الغابات، وإعطاء قيمة نقدية للكربون الذي تمتصه الغابات، ولكن تنفيذها متوقف منذ فترة طويلة بسبب التساؤلات حول أحكامها وتمويلها.

وقد يساعد التقييم الجديد من قبل الاتحاد الدولي لمنظمات البحوث الحرجية، وهو أكبر شبكة من علماء الغابات في العالم، واضعي السياسات على إعادة تشكيل المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها من أجل تحقيق نتائج أفضل. ويبين التقييم أن الجهود الرامية إلى الحفاظ على الغابات بغرض الحد من الانبعاثات لا يمكن أن ينجح دون حماية التنوع البيولوجي ورفاه سكان الغابات.

كما تعزز هذه النتائج الحجج التي تسوقها جماعات الضغط الداعية للحفاظ على البيئة وغيرها منذ سنوات، مما سيساعد على إقناع صناع القرار في نهاية المطاف.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ستيفن لينارد، رئيس برنامج عدالة المناخ، وهي منظمة غير حكومية قانونية، في رسالة عبر البريد الالكتروني: "أعتقد أن الحوار قد تحول بشكل كبير للغاية، وخاصة من حيث الاعتراف بأن النهج متعدد الفوائد - أي فوائد للكربون والمجتمع والتنوع البيولوجي - مهم لتحقيق نتيجة على المدى الطويل. إن الأمر يتعلق بكيفية تحقيق وتحفيز ذلك".

اصطياد الكربون

وتقوم الغابات بإزالة كمية هائلة من الكربون من الجو؛ إذ تمتص النظم البيئية والمحيط 57 بالمائة من الكربون المنبعث من البشر.

من ناحية أخرى، تساهم إزالة الغابات بما بين 12 و20 بالمائة من انبعاثات الغازات الدفيئة السنوية في العالم - وهي النسبة ذاتها التي يساهم بها قطاع النقل تقريباً، وفقاً للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ - مما يجعلها ثاني أكبر مصدر للانبعاثات الناجمة عن البشر.

ويقول دعاة حماية البيئة أن النظام البيئي المتنوع هو الأكثر فعالية في إزالة الكربون من الجو وتنظيم المناخ.

يمكن للتنوع البيولوجي أن يساعد أيضاً في معالجة الاحتياجات التنموية لسكان الغابات المهمشين، وتوفير مصادر الرزق مثل زراعة أشجار الفاكهة، وجمع النباتات الطبية، أو حتى الحصاد المستدام للحوم الحيوانات البرية. وتضطر العديد من هذه المجتمعات حالياً لقطع الأشجار من أجل البقاء، فإزالة الغابات الناجمة بصورة أساسية عن استمرار تحويل الغابات إلى أراض زراعية هي السبب الرئيسي في فقدان التنوع البيولوجي على الأرض.

البداية

وقد لقي اقتراح آلية خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها القبول أثناء اجتماع حول اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 2007 في بالي بإندونيسيا. وعلى الرغم من إجراء مناقشات حول التنوع البيولوجي وسكان الغابات، ركزت الآلية في نهاية المطاف على المكافآت النقدية مقابل الحفاظ على الغابات.

الجدير بالذكر أن المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها، التي صممت في البداية لصالح البلدان ذات الغابات المطيرة، تغطي الآن جميع البلدان النامية. ووفقاً للمبادرة يمكن تعويض الدول عن الحفاظ على الغابات عن طريق أحد الصناديق أو في صورة أرصدة يتم تداولها في أسواق الكربون الدولية.

وقد واصل النشطاء محاولاتهم لتلبية حقوق مجتمعات الغابات الأصلية والتنوع البيولوجي في اجتماعات الاتفاقية الإطارية اللاحقة. وأثناء انعقاد اجتماع عام 2010 لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في كانكون بالمكسيك، تم أخيراً الاعتراف بكون هذه القضايا بمثابة "ضمانات" أو شروط ينبغي على البلدان تلبيتها من أجل التأهل للحصول على تمويل من المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها.

وقد طُلب من الهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية التابعة للاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ إعداد توجيهات بشأن كيفية تنفيذ ذلك، كما أشار تقرير لمنظمة السلام الأخضر. لكن العملية "توقفت إلى حد ما" خلال اجتماع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في ديربان في جنوب أفريقيا في عام 2011، كما ذكر التقرير، "ورأى كثيرون أن بعض الحكومات كانت تتراجع عن التزاماتها بشأن الضمانات".

ولم يتم بعد وضع سياسات لتنفيذ الضمانات الخاصة بالمبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها.

يجب أن تكون الضمانات مركزية

وأكد باسكار فيرا، وهو محاضر بارز في جامعة كامبريدج وأحد الخبراء الذين أجروا تقييم الاتحاد الدولي لمنظمات البحوث الحرجية، أن التنوع البيولوجي وسكان الغابات "لا يمكن أن يكونوا مجرد شروط، بل [يجب أن يكونوا] الأهداف الرئيسية للمبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها. ويرى التقرير أن السعي لتحقيق الأهداف الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها، سيزيد من احتمال تحقيق الأهداف المتعلقة بالكربون والتنوع البيولوجي".

وقد بدأ هذا التفكير يكتسب تأييداً، فقد أعرب لينارد من برنامج عدالة المناخ عن اعتقاده بأن "هناك بعض التحول في النظرة إلى الضمانات ... ويراها عدد أقل كشروط، وعدد أكبر كعوامل مساعدة".

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال رومان جبينياك، المستشار السياسي البارز بشأن تغير المناخ والغابات في منظمة السلام الأخضر: "نحن نتفق على أن حماية حقوق مجتمعات الغابات والتنوع البيولوجي يجب أن تكون الهدف الرئيسي للمبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها ... وأي برنامج لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها يركز فقط على الكربون يخاطر بفقدان الغابات من أجل الحفاظ على الأشجار".

وكان هذا الرأي المختلف عن المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها واضحاً خلال اجتماع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، الذي عُقد هذا العام في بانكوك، عاصمة تايلاند. وأشارت ورقة توفر معلومات عن الاجتماع أعدها الفريق المعني بضمانات المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها إلى أن "التمويل المقدم من المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها ينبغي أن يتجاوز فوائد الكربون ... من أجل تحقيق فوائد متعددة ... ومن المرجح أن يسفر عن نتائج طويلة الأمد".

ويتفق الكثير من العلماء مع وجهة النظر هذه. "فهناك أدلة واضحة على أن ضم الأهداف المتعلقة بتحسين سبل عيش الأشخاص والمجتمعات المحلية المعتمدين على الغابات سوف يعزز المشاركة والقبول المحلي، وبالتالي يدعم أهداف المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها،" كما أوضح كريستوف وايلدبرغر، منسق مبادرة المجالس العالمية لخبراء الغابات التابعة للاتحاد الدولي لمنظمات البحوث الحرجية.

وأضاف قائلاً: "لذلك، ينبغي أخذ الآثار الاجتماعية والاقتصادية بعين الاعتبار في المراحل المبكرة من تخطيط وتنفيذ المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها. كما يجب التأكيد على أهمية الحيازة وحقوق الملكية، بما في ذلك حقوق الوصول والاستخدام، والملكية على وجه الخصوص، نظراً لأنها حاسمة لضمان النجاح المستدام لأنشطة المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها".

وقد بدأت عدة دول بالفعل في تطوير معايير الضمانات الوطنية الخاصة بها. وقال نيلز هيرمان رانوم، رئيس شعبة السياسات والحملات في المؤسسة النرويجية للغابات المطيرة Regnskogfondet: "من غير المرجح أن يؤدي التركيز الضيق على الكربون إلى النتائج التي كنا نأمل بتحقيقها من خلال المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها - وهي حماية التنوع البيولوجي وتعزيز حقوق وسبل عيش الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية – ولذلك فإنني أعتقد أن علينا إعادة النظر في كيفية تعريفنا لنتائج المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها".

نقص الإرادة السياسية

لكن حتى وإن كانت المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها تبدو وكأنها آخذة في التطور، يشعر الكثيرون أن العملية برمتها في وضع حرج بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية.

وفي مؤتمر ديربان الذي عقد عام 2011، تمكنت الدول من الاتفاق على تمديد بروتوكول كيوتو، الذي يهدف إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، حتى عام 2017، ولكن على الرغم من المحادثات الشاقة التي استغرقت جلستين امتدتا على مدار الليل، فشل المتفاوضون في التوصل إلى اتفاق بشأن الأهداف المنقحة للحد من الانبعاثات.

وبعد سنوات من المحادثات، فشلت البلدان مراراً وتكراراً في الاتفاق على خطة تغطي فترة ما بعد انتهاء معاهدة كيوتو.

وأشارت الورقة التي أعدها الفريق المعني بضمانات المبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها إلى وجود "اعتراف متزايد بأن أي نموذج ضيق يستند فقط إلى السوق للحصول على رصيد مقابل خفض الانبعاثات ... لن يكون مجدياً على المدى القصير نظراً لمحدودية الإرادة السياسية لوضع أهداف صارمة وطموحة للتخفيف من آثار الانبعاثات".

ويعتقد جبينياك أنه حتى الرؤية المتغيرة للمبادرة المعززة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها قد لا تسفر عن نتائج ملموسة، وأضاف قائلاً: "أنا لم أر تقدما إيجابياً يذكر ... ليس هذا العام، ولا حتى منذ انعقاد مؤتمر كانكون ... ولا أتوقع تحقيق تقدم إيجابي ملموس في الدوحة ... نظراً لحالة الجمود السائدة حول العديد من القضايا والافتقار العام للإرادة السياسية لتنفيذ برامج تخفيض الانبعاثات القائمة على العلم، فضلاً عن نقص التمويل المطلوب لتحقيقها".

jk/rz-ais/dvh
"