الأرض الفلسطينية المحتلة: على خط النار

اتخذ عثمان عبدالعال ما بدا وكأنه قرار حكيم عندما بدأت الغارات الجوية على قطاع غزة يوم 14 نوفمبر. فقد كان سلاح الجو الإسرائيلي يستهدف المكاتب الحكومية التابعة لحركة المقاومة الاسلامية حماس، من بين أماكن أخرى، وعبدالعال وعائلته يسكنون بالقرب من مركز للشرطة، ولذلك كان واضحاً بالنسبة لهم أنهم لن يكونوا آمنين هناك.

وزع عبدالعال أفراد أسرته الاثني عشر بشكل مؤقت على منازل الأقارب ظناً منه أنها ستكون عملية عسكرية قصيرة. ولكن عندما طال أمد العملية ، عادت زوجته وثلاثة من أطفاله إلى منزلهم صباح يوم 17 نوفمبر لحزم بعض الأساسيات، كالملابس والمواد الغذائية ومستلزمات الأطفال.

في الوقت نفسه، بدأ تساقط القنابل على المنطقة، فضربت ثلاثة منها مركز الشرطة، وفي غضون دقائق توفيت زوجته ودفنت تحت أنقاض منزلهم المهدم. وروى ابنهما حسين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) هذه القصة من مستشفى الشفاء في غزة، حيث كان والده راقداً يصرخ من الألم، ورأسه المضرج بالدماء ملفوف بالضمادات، وساقه مكسورة. وقال حسين: "غادرنا منزلنا بحثاً عن الأمان والحياة، لكن الموت كان يلاحقنا. ما حدث لعائلتي كان جريمة كبدتنا ثمناً فادحاً".

وقد أدى أحدث اندلاع للعنف بين حماس والجيش الإسرائيلي إلى مقتل 51 فلسطينياً وثلاثة إسرائيليين منذ 14 نوفمبر، وأصيب مئات غيرهم. ونتيجة لذلك، يغادر عدد متزايد من سكان غزة منازلهم إلى ما يظنون أنها أماكن أكثر أمناً. لكن لا توجد أرقام دقيقة حتى الآن، لأن انعدام الأمن في غزة جعل من الصعب على جماعات حقوق الإنسان وعمال الإغاثة التحرك بحرية لإجراء التقييمات.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في نشرته الصادرة في 17 نوفمبر، أنه في حين لا يزال النزوح محدوداً إلى الآن، تم الإبلاغ عن فرار ما لا يقل عن 22 أسرة من منازلها في الأحياء الشرقية من مدينة غزة خوفاً من إقدام إسرائيل على غزو بري للقطاع.

وذكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان روايات مماثلة عن نزوح أشخاص من المناطق التي يخشون تعرضها لضربات جوية.

إرث الرصاص المصبوب

ولا يزال أكثر من 15,000 شخص من سكان قطاع غزة نازحين جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، بما في ذلك عملية الرصاص المصبوب في 2008/2009، وإنشاء ما يسمى منطقة عازلة بطول الحدود على مدى العقد الماضي. ووفقاً لمجموعة من وكالات الاغاثة في غزة تعرف باسم قطاع المأوى، نزح أكثر من 4,000 من النازحين الحاليين ثلاث مرات أو أكثر منذ عام 2009 بسبب استمرار الصراع وعدم قدرتهم على إعادة بناء منازلهم. كما فرضت إسرائيل ومصر حصاراً على قطاع غزة منذ عام 2007، لتقييد دخول البضائع، التي تشمل الصلب والأسمنت.

حصلت ملك عبد ربه على مفاتيح منزلها الجديد في شمال شرق غزة قبل ثلاثة أشهر فقط. وكان الحي الذي يحمل اسم عائلتها، عزبة عبد ربه، ويبعد عن الحدود الإسرائيلية أقل من كيلومتر واحد، قد تعرض لأضرار جسيمة خلال عملية الرصاص المصبوب. واستغرقت إعادة بناء منزلها - بفضل مشروع إغاثة ممول من قبل دول الخليج - أكثر من ثلاث سنوات.

وكانت عبد ربه قد بدأت لتوها في المضي قدماً في حياتها الطبيعية والاستقرار في منزلها الجديد ومحاولة نسيان ذكريات كل ما فقده مجتمعها المحلي في عامي 2008 و2009، بما في ذلك المئات من أشجار البرتقال والزيتون، ومعظم منازلهم و10 من أفراد الأسرة.


لكن في الأيام الأخيرة، بعد أن أطلقت الدبابات الإسرائيلية قذائف تحذيرية على المناطق الزراعية القريبة، أغلقت عبد ربه منزلها مرة أخرى وتوجهت جنوباً إلى بلدة جباليا. لكنها تذهب كل يوم إلى الحدود للاطمئنان على منزلها، وتقوم بمغادرته قبل غروب الشمس.

وقالت عبد ربه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إننا عالقون على خط النار. لا نريد أن يكون أبناؤنا ضحايا مرة أخرى، ولا نريد أن تصبح عائلاتنا ضحايا الاحتلال الإسرائيلي مرة أخرى".

وفي حين تؤكد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إمكانية فتح مدارسها للناس إذا لزم الأمر، إلا أن الأسر النازحة لم تطلب حتى الآن ملاذاً آمناً في المباني العامة، كما أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقال أحد النشطاء في مجال حقوق الإنسان أن"الناس حتى الآن قادرون على مواجهة الموقف من خلال البقاء مع أسرهم، ولكن إذا حدث توغل بري، فإن الوضع كله سيتغير".

ويقول البعض الآخر أنه من الصعب العثور على مأوى حقيقي في غزة، ففي إشارة إلى الضربات الجوية،
قال حمدي شقورة، نائب مدير شؤون البرامج في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: "لا يوجد مكان آمن في غزة على الاطلاق".

ad/ha/oa-ais/dvh