معاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا

 سجلت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في كل من الأردن ولبنان ما يقرب من 5,000 لاجئ فلسطيني بسبب الصراع المستمر منذ 17 شهراً في سوريا. وبما أن البلدين يعتبران موطناً بالفعل لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين، فإن الوافدين الجدد من اللاجئين أصبحوا مشكلة سياسية، وبات الفلسطينيون يشعرون بأنهم يعامَلون بشكل غير عادل.

وقال سمير وهو فلسطيني موجود في منشأة تشبه مساكن الطلاب، يطلق عليها إسم سايبر سيتي وهي تبعد 90 كيلومتراً عن شمال العاصمة الأردنية عمان: "كان من السيء للغاية العيش مثل السجين خاصة حين ترى الآخرين يأتون ويذهبون فيما أنت تظل محتجزا". وحين وصل سمير إلى الأردن منذ خمسة أشهر، كان يمكن للاجئين السوريين التحرك والعمل بحرية داخل الأردن بتوقيع من كفيل أردني، ولكن الفلسطينيين– الذين لدى الكثير منهم عائلات في الأردن– لا يسمح لهم بمغادرة المخيم لزيارة الأقارب أو البقاء معهم. وقد أوقفت الحكومة الأردنية خلال هذا الشهر الحالي نظام الكفالة للاجئين السوريين. أما هناء، زوجة سمير، فكان يمكنها أن تغادر المخيم لأنها سورية. وقد تساءلت هناء في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (ايرين): "هل تتخيل هذا التمييز؟ فأنا لن أتركهم".

وقال الفلسطينيون إنه لم يُسمح لهم بالتنقل أبعد من 30 متراً عن المبنى، علماً أن المخيم يبعد نحو 12 كيلومتراً عن وسط مدينة الرمثا ولا تتوفر خدمات النقل العام له. وقالت الأونروا لشبكة الأنباء الإنسانية (ايرين) أن 185 فلسطينياً فقط كانوا بدون تأشيرة صالحة – وهم الذين تم تهريبهم عبر الحدود، أو من اضطروا إلى ترك أوراقهم خلفهم– فتم إرسالهم إلى سايبر سيتي، بينما يعيش 770 غيرهم خارج المخيم. وقال اللاجئون الذين أجرت معهم شبكة الأنباء الإنسانية مقابلات في المخيم، أنه قد تم إرسال الفلسطينيين الذين لا يحملون الجنسية الأردنية أو السورية إلى المخيم.

وقد قال الفلسطينيون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في سايبر سيتي أنه تمّ إرجاع أفراد الأسر الذين حاولوا الفرار من سوريا إلى الحدود الأردنية وهي ظاهرة أشارت إليها أيضاً منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش).

ورداً على تلك الادعاءات، قال سميح المعايطة، وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "كل دولة لديها الحق في حماية سيادتها. وفي مرحلة ما، لم نسمح لبعض السوريين بدخول الأردن عبر الجو- على سبيل المثال- لأن لدينا الحق في التحقق من القادمين. فلا يجب التناقش مع الأردن بشأن حقوقها السيادية. فتركيا مثلاً قالت مؤخراً أنها تحتاج إلى تنظيم عدد السوريين الذين يدخلون عبر حدودها، ولم يعطِ أحد أي سبب لذلك أو يشككك في دوافعها".

وغالبية من في المخيم هم من الأردنيين الفلسطينيين الذين تم سحب جنسيتهم منذ سنوات في محاولة أردنية للحد من عمليات الترحيل الإسرائيلية للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن. وقال سمير الذي أظهر شهادة ميلاده الأردنية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد ولدت في الأردن، ولكنني انتقلت إلى سوريا مع عائلتي. وفي عام 1995، قاموا بسحب الجنسية مني ومن أخي. وعلى الرغم من أنها بلدي، لا يمكنني التحرك بحرية داخلها مثل الأشخاص الآخرين". وأضاف المعايطة: "سواء كانوا فلسطينيين أم لا، سيتم منح الذين جاؤوا بدون جنسية أردنية أو سورية الحقوق الأساسية ولكن لن تكون الأردن مسؤولة عن تقديم أي ميزات إضافية لهم. لقد أتى هؤلاء الناس إلى الأردن بحثاً عن الأمن وقام الأردن بتوفير ذلك لهم".

ولكن مخاوف الأردن قد تزداد عمقاً. فرغم التقديرات التي تشير إلى أن الفلسطينيين يشكلون أكثر من نصف عدد سكان الأردن، تعتمد الأسرة الهاشمية الحاكمة في سلطتها على قاعدة الدعم القبلي غير الفلسطيني. ومنذ "أيلول الأسود" في عام 1970، عندما نشبت معركة بين القوات الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية للسيطرة على المملكة، أصبحت مسألة كم عدد الفلسطينيين المقيمين في البلاد من المحظورات. وأثناء حرب الخليج الثانية، عندما قام العشرات من العمال الفلسطينيين المغتربين بالفرار إلى الأردن، وجدت البلاد نفسها في موقف مشابه لموقف اليوم.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، في شهر مارس الماضي، قال أحد موظفي الحكومة الذي فضل عدم ذكر اسمه أن "الأردن واجه استقبال 500,000 فلسطيني قادمين من الكويت في عام 1992. وقد غير ذلك طريقة عمل مجتمعنا. ففي بلد يبلغ عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة، يعد 500,000 لاجئ عدداً كبيراً. ونحن كأردنيين يساورنا القلق على مصالح بلادنا".

لبنان

هناك ديناميكيات مماثلة تؤثر في لبنان الذي استضاف 455,000 فلسطينياً قبل الأزمة السورية. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال مسؤول إغاثة رفيع المستوى لم يكشف عن هويته أن "اللبنانيين أوضحوا أنهم لا يرغبون في رؤية أكثر من عدد معين يأتي إلى لبنان".

ومن جهته، قال روجر ديفيز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في لبنان بأن حوالى 4,000 فلسطيني قد قاموا بالتسجيل مع الأونروا في لبنان والعديد منهم خلال الشهر الأخير. وهناك عدد أكبر من الفلسطينيين لم يقوموا بالتسجيل بسبب وضعهم "الضعيف" هنا. وطبقاً لما ذكرته الصحفية السورية الفلسطينية، نضال بيطاري، فإن المشكلة في استقبال الفلسطينيين تعود جذورها إلى الحرب الأهلية اللبنانية والتوترات الطويلة الأمد بين الحكومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. ومعظم الفلسطينيين الفارين من سوريا إلى لبنان ذهبوا إلى أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الاثني عشر ولكن المخيمات الموجودة في بيروت تضم أحياء فقيرة مزدحمة بالسكان. وبسبب الفرص المحدودة للفلسطينيين في الحصول على وظائف والمغادرة أصبح العديد من تلك المخيمات أرضاً خصبة للتطرف. ويعتقد بيطاري أن الخوف من احتمال تجنيد اللاجئين الجدد من قبل الفصائل الفلسطينية المسلحة مثل فتح الإسلام يؤثر على قرارات الحكومة اللبنانية بشأن استقبال اللاجئين.

الإجبار على الدفع

من الناحية الرسمية يقوم كل من الأردن ولبنان بإبقاء حدودهما مفتوحة لجميع اللاجئين من سوريا. ولكن بخلاف السوريين الذين يمكنهم دخول لبنان بحرية لمدة تصل إلى ستة أشهر، يحصل الفلسطينيون على إذن إقامة لمدة أسبوع واحد فقط. وبمجرد أن تنتهي صلاحية هذه الإقامة يجب عليهم دفع 50,000 ليرة لبناني (33 دولار أمريكي) كل شهر لتجديد تلك الإقامة.

وقال ديفيز أن "هناك تمييز واضح بين الفلسطينيين القادمين من سوريا والسوريين القادمين من سوريا". ومن الصعب على بعض الفلسطينيين تحمل نفقات رسوم تجديد الإقامة. فتقول أم الخير وهي سيدة مريضة في العقد السادس من العمر من دمشق: "وصل ابني في 18 يوليو وهو لا يزال هنا بدون تصريح إقامة. من أين لنا أن نأتي بالمال؟ لماذا لا يعطوننا ستة أشهر مثل السوريين؟"

ويعد الفساد أيضاً مشكلة. فتقول داريم من دمشق: "رأيت سيدة فلسطينية على الحدود ولم تكن تعرف أي أحد في لبنان وقد اضطرت إلى دفع 300 دولار كرشوة و40 دولاراً عن كل طفل من أطفالها". وما زال الفلسطينيون الذين يريدون مغادرة سوريا بحاجة إلى إذن من الحكومة السورية. وبالرغم من أن الأونروا قد ذكرت أنه قد جرى تخفيف تلك الإجراءات، أخبرت روان ناصر التي تعمل في إحدى المنظمات غير الحكومية أنه قد طلب من الناس إيداع مبالغ مالية كبيرة للحصول على إذن المغادرة من الحكومة السورية، أو أنهم أجبروا على تقديم خدمات جنسية لمسؤولي الحدود للمغادرة.

وطبقاً لمصادر فلسطينية مقربة من فتح، من المتوقع أن يقوم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس بزيارة لبنان قريباً لمناقشة تحسين أوضاع الفلسطينيين مع الحكومة اللبنانية.

مخيمات مكتظة ومكلفة

يتضرر الفلسطينيون من الظروف المتردية في المخيمات في لبنان. ولكن حتى في تلك المخيمات يظل إيجار السكن مرتفعاً. ويشتكي اللاجئون من أنه حتى عندما يدفعون 200 دولار، يحصلون على غرف بحالة مزرية. فقال أبو أحمد، وهو رجل كبير في السن وتبدو على جسده آثار وحشية أجهزة المخابرات السورية حيث لديه أسنان مكسورة وإصابات بأعيرة نارية في ذراعه أن "في مخيم صبرا هناك عائلة مؤلفة من 12 فرداً، ينامون جميعهم في غرفة واحدة بدون أي فراش". ويأوي مخيم سايبر سيتي في الأردن- الذي قامت شبكة الأنباء الإنسانية بزيارته- حوالى 400 لاجئ من الفلسطينيين والسوريين. ويتم إعطاء العائلات غرف منفصلة بينما يضطر العازبون إلى مشاركة الغرف مع آخرين. وقالت هناء أن "الغرفة صغيرة جداً بالنسبة للعائلة. وأشعر بالحرج من الذهاب إلى الحمام في وجود العديد من الرجال الغرباء حولي. فنحن حوالى 40 شخصاً في هذا الطابق".

كذلك، يشتكي اللاجئون المضطرون إلى مشاركة الحمامات والمطابخ مع 30 إلى 40 شخصاً من الظروف غير الصحية في المخيم. وأضافت هناء أن "هناك رائحة كريهة جداً هنا. وتحتوي بعض المراتب على حشرات ويصاب الناس هنا بأمراض جلدية وقمل الرأس".

خيانة؟

يشعر العديد من الفلسطينيين بالخيانة وهم يلقون باللائمة على الحكومة ومنظمات الإغاثة. ففي حين يحصل اللاجئون السوريون على المساعدة من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، يندرج الفلسطينيون تحت وصاية الأونروا التي تحظى ميزانية إغاثة أقل. وقال أحد اللاجئين في الأردن دون أن يكشف عن اسمه أن "منظمات الأمم المتحدة قد أدارت ظهورها لنا". واللاجئون في لبنان يخبرون قصصاً مشابهة. وقالت أم أحمد وداريم أن "سيدة في الشهر السابع من حملها وصلت منذ أسبوعين مع أطفالها الأربعة ولم تحصل حتى الآن على أي شيء من الأونروا".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت منظمة الأونروا في الأردن أنه بالرغم من أن الأموال محدودة "فإننا نعترف بجميع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين مع الوكالة. وهؤلاء الأشخاص الذين يعيشون في مناطق عمل الوكالة الخمس مؤهلين للحصول على خدماتها". وتقوم الأونروا بتقديم الرعاية الصحية الأساسية مجاناً ولكنها لا تملك سوى أموال إضافية محدودة للاجئين الجدد. وهناك قلق خاص من العبء الإضافي الذي قد يضعه أطفال اللاجئين على النظام التعليمي الذي توفره الأونروا. وكانت الأونروا قد ناشدت الجهات المانحة لتقديم 27,4 مليون دولار إضافية لخطتها الإقليمية الموحدة، ولكنها لم تحصل حتى الآن سوى على 4,71 مليون دولار. وقال أحد اللاجئين: "لا نعرف مستقبلنا. يأتي الناس إلينا ويتحدثون معنا ويلتقطون لنا الصور ولكنهم يغادرون جميعاً في النهاية".

aa/ag/kb/ha/cb-hk/bb