كيفية قياس الفقر في المناطق الحضرية

 في عالم يعيش أكثر من نصف سكانه في المدن، أصبح الفقر ظاهرة حضرية على نحو متزايد. وبينما يكافح الباحثون ووكالات الإغاثة للتمييز بين الفقر المزمن والضعف الحاد، استعرضت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) الجهود المبذولة لقياس فقر سكان المدن والضعف في السيناريوهات التي تهدد الحياة.

ووفقاً للبنك الدولي، يعيش أكثر من ثلثي سكان المناطق الحضرية في العالم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث يقيم ما يقرب من مليار نسمة في الأحياء الفقيرة، ومعظمهم في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا. وبينما يهاجر المزيد من الناس إلى المدن غير المجهزة في كثير من الأحيان للتعامل مع هذا التدفق، يحاول الخبراء إيجاد سبل لتعريف الفقر وقياسه في المناطق الحضرية. والجدير بالذكر هنا أن النتائج التي توصلوا إليها تؤثر على السياسات والبرامج الإنسانية، فضلاً عن الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والمياه والصرف الصحي والتعليم.

وقالت غيثا مايادوني، واحدة من كبار الباحثين في مركز تحليل الفقر (CEPA) في كولومبو، عاصمة سريلانكا: "يمكن أن يتم تجديد التصور والتعريف حسب السياق إلى حد كبير". ويقوم المركز الدولي لمكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة والكائن في البرازيل بتعريف الفقر على أنه "مجموعة معقدة من حالات الحرمان في كثير من الأبعاد التي لا يمكن تحديدها على أساس انخفاض مستوى الدخل".

من جهة أخرى، أفاد روبرت تشامبرز، باحث في معهد الدراسات الإنمائية في ساسكس بالمملكة المتحدة أن "تصور معنى [الفقر] يعتمد على من يسأل السؤال، وكيف يُفهم السؤال، ومن يرد عليه." فتاريخياً، ركزت القياسات على دخل الشخص (فقر "الاستهلاك")، أو ما يمكن للشخص الحصول عليه مقابل المال والأصول؛ وتلبية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والصحة والماء والصرف الصحي والتعليم والمسكن؛ والقدرات - وهو مفهوم وضعه الخبير الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل، أمارتيا سن، في تسعينيات القرن الماضي يقيس تلبية الاحتياجات الأساسية وكذلك ما يستطيع الأفراد تحقيقه، والمؤشر "المتعدد الأبعاد" الذي يعتبر جهداً حديثاً لجعل قياس الفقر أكثر شمولية.

قياسات الدخل

حدد البنك الدولي قياس الفقر، معتمداً إلى حد كبير على خط الفقر الدولي المحدد وفقاً للأسعار الدولية المسجلة في عام 2005، أو ما يقرب من 1.25 دولار أمريكي في اليوم في البلدان ذات الدخل المنخفض، ودولارين في البلدان المتوسطة الدخل. وتم تطبيق معيار الفقر الدولي على نتائج المسح الأسري لتحديد من يقع تحت هذين المستويين.

وفي حالة قياس الفقر العالمي على أساس 1.25 دولار يومياً، كان هناك ما بين 336 و 472 مليون شخص يعانون من فقر مزمن في عام 2005. ومع ذلك، لم يتم تحديث معيار الفقر منذ ذلك الحين، رغم زيادة تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ. ويحذر الخبراء من أن استخدام هذا المؤشر يخفّض بشكل صارخ العدد الحالي من الأشخاص الواقعين في براثن الفقر المزمن. فالفقر المزمن متعدد السنوات، وغالباً ما يكون متعدد الأجيال، خلافاً للصدمة أو الخسارة المؤقتة، التي تحدث في كثير من الأحيان في مرحلة ما بعد الكوارث، ويمكن أن تؤدي إلى الفقر "الشديد" أو "الحاد". وبغض النظر عن نوع الفقر، يقول الخبراء أن الدخل هو مقياس غير مكتمل.

في الإطار نفسه، أوضح خوسيه مانويل روش، الباحث في مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية (OPHI) أنه "من الصعب المقارنة بين الفقر في المناطق الحضرية والريفية باستخدام مقياس الدخل." وأضاف أنه "في حالة قياسات الدخل، يبدو معدل الفقر في الريف مرتفعاً جداً بالمقارنة مع الفقر في المناطق الحضرية ... هناك جوانب من الرفاه، مثل العمالة أو العنف، التي لا تؤخذ في الاعتبار وغير المدرجة في المسوح الأسرية". هذا وتقلل قياسات الدخل في كثير من الأحيان من أهمية الفقر الحضري لأنها لا تأخذ في الاعتبار عامل ارتفاع كلفة المسكن والغذاء في المدن، والذي يجب أن ينقل إلى مسافات أبعد.

قياسات متعددة الأبعاد

إن تنوع أسباب فقر الناس يماثل تنوع الفقراء أنفسهم، كما أشار مركز بحوث الفقر المزمن (CPRC) الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقراً له. فيقع الناس في براثن الفقر بسبب مزيج من انعدام الأمن وقلة فرص العمل والموقع وحقوق المواطنة المحدودة والتمييز. في بنجلاديش، انخفض عدد السكان الذين يعيشون على أقل من 1.25 دولار في اليوم في المدن من 20 بالمائة في عام 2000 إلى 15 بالمائة في عام 2005. ومع ذلك، فقد اعتبر تقييم أجري مؤخراً أن العاصمة داكا هي أسوأ مدينة يمكن العيش فيها من بين 140 مدينة غطاها مسح أجرته وحدة التحريات المالية ومقرها المملكة المتحدة، على أساس 30 عاملاً، بما فيها الاستقرار والرعاية الصحية والثقافة والبيئة والتعليم والبنية التحتية.

وخلصت دراسة أجريت عام 2011 حول خط الفقر الوطني في سريلانكا إلى أن هذا المقياس لم يغطِ الفقر المتعدد الأبعاد، بمعنى أن "غير الفقراء" في المدن لديهم احتياجات أساسية غير ملباة. فيعيش نصف سكان العاصمة كولومبو في مستوطنات غير رسمية، وفقاً للمنظمة الدولية للمشردين وهي منظمة غير حكومية بريطانية.

وفي عام 2010، حاولت مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية إجراء تقييم أكثر شمولية للفقر باستخدام مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد (MPI) الخاص بها، وذلك من أجل إدراج حالات الحرمان المتزامنة في مجالات الصحة والتعليم ومستويات المعيشة. ويقدر مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد شدة الفقر ويحل محل مؤشر الفقر البشري (HPI)، الذي كان مستخدماً حتى ذلك الحين في تقارير الأمم المتحدة السنوية عنالتنمية البشرية.


ويستخدم مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد ثلاثة قياسات خاصة بمؤشر الفقر البشري، وهي مستوى المعيشة والصحة والتعليم، فضلاً عن 10 مؤشرات إضافية تعكس بعض الأهداف الإنمائية للألفية. وفي حين أن مؤشر الفقر البشري يستخدم متوسطات البلدان ليعكس الحرمان الشامل، فهو لم يحدد الفئات أو المجتمعات المحلية أو الأسر أو الأفراد الضعفاء، وهي الفئات التي صُمم مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد لتحديدها.

إن تحديد الفقير يعتبر ممارسة تخضع للتحليل والتنقيح المستمر. فقد أفادت مايادوني من مركز تحليل الفقر أن "الأسرة التي لا تعاني من الفقر من حيث الاستهلاك الغذائي، يمكن أن تعاني منه في بعد آخر،" مضيفةً أنه "ينبغي استكشاف تلك التقديرات المختلفة الناشئة عن تعاريف مختلفة في المستقبل".

حالات الطوارئ في المناطق الحضرية

يواجه الفقراء في المناطق الحضرية عدداً من حالات الحرمان المشترك: محدودية فرص الحصول على الدخل وفرص العمل، وظروف العيش غير الكافية وغير الآمنة، وضعف البنية التحتية. كان سكان الأحياء الفقيرة من بين الأكثر تضرراً من الفيضانات التي اجتاحت المناطق الحضرية في الآونة الأخيرة، في حين أن السكان الذين لا يحملون وثائق - سواء كانوا لاجئين أو مهاجرين أو أسر فارة من العنف - حُرموا من خدمات الدولة على مدار السنة.

وإحصاء الفقراء شيء، وتحديد من يحتاج إلى المساعدة شيء آخر، كما تكتشف وكالات الإغاثة على نحو متزايد عند الاستجابة للكوارث الطبيعية وتلك التي هي من صنع الإنسان في المدن. فبعد الاستشهاد بالتهديدات المتزايدة التي تواجهها المدن، تعهد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مؤخراً بمضاعفة دعمه الشامل للحد من الكوارث على مدى السنوات الخمس المقبلة، في حين تم مؤخراً تخصيص اجتماع شبكة التعلم الإيجابي للمساءلة والأداء في مجال العمل الإنساني (ALNAP) لبحث "تكييف الجهود الإنسانية لتناسب العالم الحضري".

وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات (IASC)، والتي تتألف من جماعات الإغاثة الإنسانية، شكلت فريق عمل في عام 2009 لمواجهة التحديات الإنسانية في المناطق الحضرية، وجمعت الفرقة عشرات الأدوات لتحديد سكان المدن الذين هم بحاجة إلى مساعدة عاجلة.

وقال فرانسوا غرونفالد، المدير التنفيذي لمنظمة الطوارئ وإعادة التأهيل والتنمية، وهي مجموعة فرنسية مختصة بالأبحاث والتدريب والتقييم، أن الأشخاص الذين هم في أشد الحاجة إلى المساعدة، غالباً ما يلجأون إلى المناطق الحضرية لإخفاء هويتهم، وبالتالي يعيقون الجهود الرامية إلى إحصائهم وتحديدهم ومساعدتهم. وأضاف أن "الناس يأتون إلى المدن لكي يختفوا، وبالتالي لا يمكنك قص ولصق الأدوات المستخدمة في أماكن أخرى [لاستهدافهم]. يجب أن تكون هناك طريقة مختلفة للقيام بهذه الأمور في المدن".

fm/pt/he-ais/bb