جنوب السودان – إسرائيل: العائدون يشتكون من المعاملة القاسية

 عادت الدفعة الأولى المؤلفة من 700 سوداني جنوبي إلى جوبا قادمةً من إسرائيل، كجزء من سياسة ترحيل الأفارقة وحماية الهوية اليهودية للدولة. وقد ادعت إسرائيل وحليفتها العسكرية، دولة جنوب السودان، التي نالت استقلالها في يوليو 2011 بعد عقود من الحرب الأهلية، أن هذه العملية كانت "عودة طوعية". ورغم أن بعض أفراد ركاب الطائرة الأولى البالغ عددهم 124 راكباً لم يعبّروا صراحةً عن مشاعرهم بشأن العودة إلى بلادهم الجديدة التي ما زالت فقيرة للغاية، فقد ذكر العديد من الناس أن السودانيين الجنوبيين قد أُجبروا على الخروج من إسرائيل.

وقال بول ريوت وان في موقع العبور خارج جوبا حيث تم تسجيل العائدين مؤخراً: "كان لدينا مشكلة مع وزير الداخلية الذي قال أنه على السودانيين الجنوبيين أن يعودوا إلى بلادهم". وكان ريوت قد عمل في الفنادق في إسرائيل لمدة خمسة أعوام قبل أن يخبروه أن عليه العودة إلى وطنه الجديد. ولكن بمجرد أن نزل العائدون من الطائرة في مطار جوبا الدولي، كرر جوزيف لوال أشويل، وزير الشؤون الإنسانية بجنوب السودان قوله أن هذه العملية هي عودة طوعية. وقال أشويل أنه "لا يتم ترحيل الناس. فقد اتفقنا مع الحكومة الإسرائيلية على أن يتم إعادة مواطنينا إلى بلادهم بصورة طوعية وسلمية".

ويتم تقديم عروض مالية بقيمة 1000 دولار للمهاجر الذي يغادر بصورة طوعية، كما يُطلب من أصحاب العمل الإسرائيليين دفع جميع الأجور المستحقة للمهاجرين قبل مغادرتهم. والجدير بالذكر أنه ثمة حوالى 60,000 مهاجر إفريقي في إسرائيل، معظمهم من إريتريا والسودان وجنوب السودان. وقد شهدت التوترات المتزايدة في الأشهر الأخيرة احتجاجات ضد الأفارقة وهجمات على الشركات التي يملكها أفارقة.

عمل بول ديوب (25 عاماً) في الفنادق لمدة 5 سنوات قبل أن يجد نفسه على هامش المجتمع. وقال ديوب: "لقد كان الوقت الذي أمضيناه هناك ممتعاً للغاية لكنهم في النهاية طردونا وقالوا أنه علينا أن نعود إلى الوطن وأنهم ليسوا بحاجة إلينا بعد الآن". وأضاف ديوب أن وزارة الداخلية خططت لتخليص إسرائيل من السود عن طريق الدفع لهم أو إصدار أوامر إلى الشرطة لفرض خيار السجن أو التسجيل للعودة إلى الوطن، مضيفاً: "إنهم يقولون أننا وباء ونحن السرطان الذي تعاني منه إسرائيل". كذلك، أفاد مايول جواك الذي عمل كنادل في الفنادق في مدينة إيلات الساحلية وفي تل أبيب: "كانوا يقولون لنا أننا كالإيدز وأننا مرض وينعتوننا بصفات مسيئة للغاية".

مالك أو حياتك

ويشير ديوب إلى أنه "ثمة الكثير من الناس في السجن الآن وهم الذين لم يسجّلوا للعودة. فقد تم القبض عليهم ووضعهم في السجن قبل أن يتمكنوا من القيام بفرز عائدات الضرائب، وسحب الحسابات المصرفية والحصول على المال من الحكومة للمغادرة. وكانوا يقولون إذا سجلت سوف نأخذك ويمكنك أن تجهز نفسك في السجن... لهذا السبب قبلنا أن نأتي في الوقت الحالي". هذا وحزن البعض بشأن عودتهم إلى بلادهم أقل من حزنهم على الطريقة التي تم التعامل بها في تنفيذ العملية. فقد قال كويث مايوال، وهو واقفاً بجنب زوجته بوك، وتحيط بهما أكوام من الأمتعة، أنهما أمضيا خمس سنوات في العمل كعمال نظافة أو نوادل في الفنادق بالقدس. كما ذكرا أنهما سعيدان بالعودة إلى وطنهما وأن لديهما بعض النقود لكنهما لم يُمنحا الوقت الكافي لتصفية حسابهما المصرفي الذي يحتوي على 3000 شيكل أو ما يعادل 780 دولار بعد أن ألغيت تأشيراتهما. كما أضاف جواك "أن السودانيين الجنوبيين لم يحصلوا على ما يفترض أن يحصلوا عليه من عائدات الضرائب والمكافآت الحكومية، مضيفاً أن "العديد من الناس ظلوا في إسرائيل لأنهم يحتاجون إلى أموالهم".

من السجن إلى جوبا

وقال جواك أنه بعد خمس سنوات من العمل في إسرائيل، تم توقيفه عدة مرات في الأشهر الأخيرة وتم حتى وضعه في السجن لمدة يوم كامل قبل أن تتحقق الشرطة من أنه مسجل. وقال أنه لم يكن لديه خيار سوى المغادرة بعدما ذهب لتمديد تأشيرته منذ ثلاثة أشهر، فما كان من السلطات المعنية سوى مصادرة التأشيرة، وهو ما جعله غير قادر على مواصلة العمل ودفع إيجار سكنه. وأضاف جواك "لقد أخذوا مني تأشيرة السفر وقالوا لي: لديك أسبوع واحد فقط لمغادرة البلاد، فإذا لم تغادر بلادنا سنضعك في السجن أو ستكون غير آمن بلا تأشيرة وبلا سكن. فأنت لست يهودياً وهذا المكان هو فقط لليهود. أنت أسود وهذا المكان هو فقط لليهود وللناس البيض. أي شخص ليس يهودياً وليس أبيضاً لا مكان له للبقاء في إسرائيل".

هذا وقد رفض المتحدث باسم حكومة جنوب السودان، برنابا ماريال بنيامين، ادعاءات المسؤولين الإسرائيليين بأنه قد جرى القبض على 300 سوداني جنوبي. وقال بنيامين أنه "لم يتم القبض على أي سوداني جنوبي. يدعي العديد من الناس أنهم من جنوب السودان بينما هم ليسوا كذلك". وذكر بنيامين أن سكان دارفور التي مزقتها الحرب في غرب السودان يقدمون أنفسهم على أنهم جنوبيون، مضيفاً أن "هذا هو السبب في ذهاب وفد من الحكومة إلى هناك للتعرف على مواطنينا. إن مواطني جنوب السودان ليسوا مستهدفين".


العودة الصعبة إلى الوطن

من جهته، قال أنجلو ويلو، منسق في موقع العبور خارج جوبا تابع لوزارة الشؤون الإنسانية أن رحلة الطيران المقبلة كانت متوقعة في خلال أسبوع، مضيفاً أن "هذا المكان يحتوي بالفعل على ما يزيد عن 3000 عائد، معظمهم عائدون من السودان وليس من إسرائيل. وقد وصل اليوم ونحن نقوم بتسجيلهم وسنرسلهم إلى منازلهم أو حتى يمكنهم الذهاب إذا كان لديهم أقارب هنا، وكما ترون فإن العديد منهم لديه أقارب هنا".

وهناك تباين صارخ بين العائدين من إسرائيل والعائدين من السودان حيث يرتدي العائدون من إسرائيل أحدث صيحات الموضة ويحملون حقائب أجهزة الكمبيوتر المحمول وعربات الأطفال بماركات العالمية ويرتدون سماعات الأذن الكبيرة ويحملون حقائب سفر كبيرة، بينما يسير أطفال العائدين من السودان حفاة الأقدام ويرتدون ملابس بسيطة ممزقة. وهذه الفئة الأخيرة هم من بين 14,000 شخص قضوا شهوراً في مخيمات مؤقتة في محطة على الطريق في كوستي.

وقد عاد حوالى 400,000 سوداني جنوبي إلى بلادهم منذ أكتوبر 2010. ويعتقد أن هناك حوالى نصف مليون سوداني جنوبي في الشمال ينتظرون أن يروا ما إذا كان التوصل إلى اتفاق حول المواطنة سيوفّر عليهم عذاب الترحيل والاضطرار إلى التوجه نحو الجنوب. وتقول عائلة مايوال أنهم سيعودون إلى مالاكال، وهي مدينة صغيرة في ولاية أعالي النيل ما زالت في فقر مدقع وتفتقر إلى الطرق وخدمات الكهرباء والتعليم والصحة الملائمة على الرغم من الثروة النفطية الهائلة الموجودة هناك. وقالت بوك مايوال "لم أذهب إلى جنوب السودان منذ 10 سنوات ولذلك لا أعرف ما الذي حدث هنا. ولكن هذه هي بلادي".

وقال جواك أن "الحياة في إسرائيل كانت جيدة، ولكن بعدما نالت بلادنا استقلالها تغير الإسرائيليون وضغطوا علينا لكي نغادر بلادهم"، مضيفاً أن عودة الناس الكفوئين يمكن أن تساعد في بناء بلاده من أنقاض الحرب. وأضاف جواك: "أرى بالطبع أن البلاد تحتاج إلى الكثير من العمل، ولست ألاحظ أي تقدم، ولكن علينا أن نحقق هذا التقدم. لقد حصلنا على الاستقلال لكي نبقى في بلادنا وليس لكي نهرب منها".

hm/kr/cb-hk/bb