ليبيا: حقوق الأقليات عند مفترق طرق

 منذ سقوط معمر القذافي قبل سبعة أشهر، بدأت الأقليات غير العربية في ليبيا، بما في ذلك حوالى 250,000 من الطوارق، تصر على استرجاع حقوقها بحماس أكبر. وقال الحافظ محمد شيخ، أحد الناشطين الطوارق أن "السياسة التي اتبعها القذافي كانت 'أبقِ كلبك جائعاً حتى يتبعك'، وينطوي هذا على إبقاء الناس فقراء. وهو قال للطوارق مرات عدة أننا سنحصل على حقوقنا، لكنه لم يفِ بوعوده. حتى أنه قال في بعض الأحيان أنه سيعطي أفضلية لبعض الأفراد، ولكن ليس للمجتمع بأسره".

وترفرف فوق المنازل الآيلة للسقوط في مستعمرة الطيوري في مدينة سبها، جنوب غرب ليبيا، أعلام من ثلاثة ألوان، هي الأزرق والأخضر والأصفر، تمثل الأمازيغ (أقليات غير عربية). وقد عانى الأمازيغ، بما في ذلك الطوارق، من التهميش الثقافي والسياسي خلال عهد القذافي، بينما تبنى النظام أيديولوجية عربية شاملة، ورفض الاعتراف بهم كمجموعة عرقية مميزة من السكان الأصليين للبلاد والمنطقة.

والجدير بالذكر أنه منذ سقوط القذافي، ظهرت 9 جمعيات محلية جديدة في الطيوري للترويج لحقوق الطوارق. ووفقاً لمجموعة الأزمات الدولية، فإن عملية تعريب مجتمعات الأمازيغ "تطورت بشكل أسرع وأشمل في ليبيا عنها في أي بلد مغاربي آخر". فيحظر القانون رقم 24 مثلاً على الأمازيغ، بما في ذلك الطوارق، إعطاء أبنائهم أسماء غير عربية، كما ألقي القبض على الذين حضروا احتفالات ثقافية في الدول المجاورة لدى عودتهم إلى ليبيا. وبينما قام القذافي باستيعاب عدد كبير من الطوارق في جيشه، ويقال أنه استخدم عدداً منهم كمرتزقة خلال الانتفاضة، فقد عانى الكثيرون منهم من التهميش التاريخي نفسه الذي تعرضت له الأقليات الأخرى. هذا ويعيش تسعة أعشار الليبيين على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويرى كثيرون أن الجنوبيين من غير العرب ينتمون إلى "إفريقيا" أكثر منه إلى ليبيا. ويعيش الطوارق، وهي مجموعة من الرعاة الرحل، أيضاً في الجزائر والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.

ظروف "غير مقبولة"

يبدو بعض الطوارق متفائلين بشأن المستقبل، ولكن بالرغم من شعورهم المتجدد بالحرية، فإن أولئك الذين يعيشون في الطيوري يقولون أن ظروفهم المعيشية "غير مقبولة". وبالمقارنة مع أحياء أخرى في سبها، تم ترتيب المنازل في الطيوري بشكل عشوائي، وتقول المجتمعات المحلية هنا أنهم لا يتلقون مساعدات تذكر من الدولة، وليس لديهم نظام جيد للصرف الصحي أو للتخلص من النفايات. فقد أفاد محمد أحمد عثمان، بينما كان يمشي بحذر شديد حول الكابلات الكهربائية المنتشرة على الأرض بين المنازل، "لا توجد بنية تحتية هنا على الإطلاق، ولم يتم تنظيم الكهرباء هنا وفقاً للقوانين، فيموت الأطفال الذين يركضون في هذه المنطقة أحياناً صعقاً بالصدمات الكهربائية".

وفي السياق نفسه، ذكر رئيس بعثة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، إيمانويل جينياك أن مستويات الفقر في الطيوري والأحياء الأخرى التابعة للطوارق تتجاوز مثيلاتها في مناطق أخرى من ليبيا. وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم "بنوا المنازل بأنفسهم، وقد يكون سوء التغذية ربما أكثر انتشاراً هنا. كما أن هناك مشكلة في التعليم لأن الكثيرين لا يستطيعون تسجيل أولادهم في المدارس. فهذه ليست بأزمة إنسانية، ولكنها مشكلة هيكلية في المقام الأول".

ودون الحصول على الخدمات والفرص نفسها التي يتمتع بها الليبيون الآخرون، سيكون المستقبل صعباً بالنسبة لشباب الطوارق. فيتم في كثير من الأحيان حرمان أولئك الذين يتمكنون من الاستمرار في الدراسة حتى مستوى الجامعة من الحصول على وظائف جيدة. وأوضح شيخ أنه "في نهاية المطاف، يصبح الأفراد الذين يعرفون القراءة والكتابة في نفس الموقف الذي يواجهه الأمّيون، ولذا كثيراً ما يشعرون بالإحباط، ولا يجدون أي حافز للدراسة أو للقيام بأي شيء، فهم يواجهون العقبات في كل مكان".

المواطنة وانعدام الجنسية

إن الآلاف من غير العرب مثل الطوارق ليست لديهم وثائق رسمية تثبت جنسيتهم. والدليل الرئيسي على المواطنة في ليبيا هو كتيب العائلة، الذي تُدرج فيه أسماء جميع أفراد الأسرة، والذي يتم تقديمه عند التقدم للوظائف والدراسات الجامعية والمنح الدراسية، أو عند أخذ قرض من البنك. وقد تمكن الطوارق الذين يعيشون في ليبيا منذ مائة سنة من الحصول على هذه الوثائق، ولكن تم حرمان أولئك الذين استقروا في البلاد منذ 40 أو 50 سنةً من الحصول على كتيب العائلة، وهم لا يحملون الجنسية الليبية أو أي جنسية أخرى. وأكد عيسى عزواي، وهو عضو في جمعية توماست في الطيوري، أن "هذا المخيم ناتج عن مشكلة سياسية وليس اقتصادية. فعددٌ قليل جداً منا لديه جنسية أو جواز سفر. كل ما نملكه هو بطاقات هوية. ولا يمكننا السفر للدراسة أو العلاج خارج ليبيا، ولا يستطيع أي منا أن يصبح ضابطاً رفيع المستوى في الجيش أو وزيراً، أو حتى أن يشتري ممتلكات خاصة به".

كذلك، في أوباري، وهي منطقة يشكل الطوارق معظم سكانها وتبعد 120 كيلومتراً عن سبها، أخبر عبدالصمد محمد البالغ من العمر 60 عاماً أنه من سكان ليبيا الأصليين، ولكن لا يمكنه التقدم بطلب للحصول على جواز سفر أو كتيب العائلة. فهو لا يملك سوى وثيقتين رسميتين، إحداهما قطعة من الورق تحتوي على قائمة بأفراد عائلته، والأخرى بطاقة الهوية الوطنية التي يقول أنه حصل عليها بعد عودته من زيارة إلى الجزائر. أما في خانة "الجنسية" فكتبت كلمة "عائد". "ماذا يعني هذا؟ إذا سُئلت عن البلد الذي أنتمي إليه، هل أقول عائد؟"
وفي السياق نفسه، قال جينياك، رئيس بعثة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا بأنه لا جنسية للطوارق أساساً، وأنه "في زمن النظام السابق، لم تكن هناك أي عملية تتيح الحصول على الجنسية. والآن أصبحت القضية قانونية وإدارية أيضاً، ولكنك سوف تحتاج إلى نظام في المستقبل لتطبيق القانون".

ووفقاً لناشطين في الطيوري، توجّه أفراد المجتمع المحلي إلى رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي، مصطفى عبد الجليل لطلب منح الجنسية لأولئك الذين لديهم أصول ليبية، ولكن قيل لهم أن ذلك لن يحدث إلا بعد انتخابات 19 يونيو. ونتيجةً لذلك، ما زال تحديد من له أصول ليبية يشكل تحدياً، خصوصاً بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون أية وثائق. وفي مكان مثل سبها، حيث أدت سهولة اختراق الحدود الجنوبية إلى تفاقم المخاوف المعادية للأجانب من اختراق الأجانب للبلاد، وهناك تحامل قائم بالفعل ضد مجتمعات محلية مثل الطوارق، قد يصبح التساؤل حول من هو ليبي حقاً قضية شديدة الانفجار في المستقبل. وقال خامينا، أحد قادة الطوارق في الطيوري: "إن عبارة 'أصول ليبية' غير واضحة. فإذا عدتم إلى التاريخ، ستجدون أن الأمازيغ هم سكان ليبيا الأصليين، ولكن بالنسبة للحكومة، الليبي الأصلي هو الذي يتحدث باللغة العربية. وهذا نوع من العنصرية."

التمثيل السياسي

ويهدّد غياب الكتيّبات العائلية لدى أعداد كبيرة من الأقليات في الجنوب باستبعادهم من التسجيل للتصويت في الانتخابات المقرر إجراءها في شهر يونيو المقبل. وللالتفاف على هذه المشكلة، سمحت الحكومة لمن يحملون وثيقة عائلية بديلة، وكذلك رخصة قيادة أو بطاقة هوية وطنية بالتسجيل. ولكن التصويت في الانتخابات لا يشكل سوى جانباً واحداً من توسيع قاعدة المشاركة السياسية. فيخاف البعض من أنه لدى حصولهم على وثائق في نهاية المطاف، لن تكون هي نفسها التي يحملها المواطنون الليبيون الآخرون، وبالتالي تستمر حلقة التمييز المفرغة. كذلك، لا يمكن لمن لا يحمل وثائق أن يرشح نفسه لمنصب سياسي، وهو سبب آخر يدعو للقلق.

وفي مرزق، وهي منطقة يقال أن أقلية التبو تسيطر عليها حالياً، لا تملك نسبة كبيرة من السكان أي وثائق. فأشار يوسف صوغي، منسق التوعية في المجلس المحلي في مرزق إلى أن "الانتخابات هنا تستند إلى الانتماءات القبلية. في بعض البلدان يكون للأقليات نوع من التمثيل، ولكننا نخشى ألاّ يكون لدينا أي تمثيل برلماني على الإطلاق."

وكان المجلس الوطني الانتقالي يضم عضواً واحداً من الطوارق المقيمين في أوباري، وهو موسى الكوني، ولكنه استقال بسبب الإحباط الذي شعر به حول الطريقة التي عاملت بها الحكومة المركزية مجتمعات الطوارق في غدامس. وقد أعلم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه ليس متفائلاً بشأن المستقبل، ولكنه قال أنه على كل من يأخذ مكانه في أعقاب الانتخابات أن يبذل جهداً كبيراً جداً. "فهناك أناس يعتقدون أنه ينبغي سحب جميع وثائق الطوارق وإبعادهم عن ليبيا، وهذه المشكلة تبدو بسيطة الآن، ولكنها قد تتصاعد وتصبح أكثر خطورةً، كما هو الحال في مالي، حيث أنشأ الطوارق دولة خاصة بهم أسموها أزاواد".

وقرّر أولئك الذين يعيشون في أوباري أن ليبيا ستدفع الثمن إذا لم يتم إعطاء الأقليات حقوقهم كاملة مثل المواطنين الليبيين الآخرين. وقال محمد أبسلوليك الأنصاري، رئيس جالية الطوارق الأنصار، وهي إحدى القبائل الفرعية: "إنها مشكلة استراتيجية وأمنية بالنسبة لليبيا. فإذا تم إعطاء الطوارق حقوقهم الكاملة، سيستطيعون تحقيق الاستقرار ومكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية لأنهم يعرفون هذه المنطقة، ولكن الحكومة لا تدرك هذا. وإن لم يعطوا حقوقهم، قد تشكل معاناتهم في كل بلد تهديداً رئيسياً للاستقرار في المنطقة بأسرها".

zm/eo/cb-ais/bb