ليبيا: مصاعب جمة تنتظر أقلية تاورغاء في ليبيا

هبة علي
مدير تحرير إيرين

 يتمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه ليبيا بعد انتهاء الحرب الأهلية التي مزقت البلاد على مدى تسعة أشهر في إدماج الآلاف من أهل تاورغاء المتهمين بقتل واغتصاب سكان مصراتة بناء على تعليمات الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي.

ويشكل هذا الاختبار الأصعب أمام عملية المصالحة الوطنية بالنسبة لحكومة يتعين عليها القيام بدمج عدد من أنصار القذافي، بما فيهم الموجودين في مدينتي سرت وبني وليد، إذا أرادت إنجاح الثورة. وهو ما علق عليه ايمانويل جيغناك، رئيس مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، بقوله أن "هذا المبدأ مهم للغاية...فلن يتمكن هذا البلد من الوقوف في ظل وجود مجتمعات مهمشة بداخله".

كانت أقلية تاورغاء ذات البشرة الداكنة، المنحدرة من العبيد الذين تم جلبهم إلى ليبيا في القرنين 18 و 19 ، تقيم حتى وقت قريب في بلدة ساحلية تحمل نفس الإسم تقع على بعد 250 كيلومتراً شرق العاصمة طرابلس.

ومع صعود الثوار إلى السلطة، اتخذ أهل تاورغاء موقفاً دفاعياً، وأصبحت بلدتهم خاوية، أبوابها مترعة ومنازلها محروقة. وتم تغيير إسم البلدة على اللافتة الموجودة بالطريق المؤدي إليها إلى ‘مصراتة الجديدة’. وقد أصبح سكانها يعزفون عن العودة إليها.

ويحذر عمال الإغاثة من أن احتمال أن يتسبب استمرار المضايقات والهجمات الإنتقامية ضد هذه الأقلية في إعادة إشعال الصراع من جديد.

ويقضي أكثر من 1,500 نازح من تاورغاء أيامهم في مجمع مهجور تابع لشركة تركية على طريق المطار في طرابلس يحاربون الذباب ويتفرجون على أطفالهم يلعبون بأسلحة بلاستيكية وسط أكوام من القمامة. وقد احتشد بعض النساء والأطفال هنا حول فراش رث غير مغطى يستعملونه أيضا للنوم، يتحدثون عن وضعهم وقد غمرت الدموع أعين العديد منهم. وكانوا قد وصلوا من تاورغاء في أوائل شهر نوفمبر بعد رحلة مجهدة من الناحيتين الجسدية والنفسية، تعرضوا خلالها للتشريد من قبل مسلحين كلما حاولوا الاستقرار في مكان معين.


ويتبادل الجمع حكايات يرويها كل منهم عن فقدانه لابن أو أب أو أخ إما لقي حتفه أو جُزّ به في أحد السجون. ومن هؤلاء سيدة تلقت نبئاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن وفاة ابنها، علي بكارة عمار، في المعتقل بعد اتهامه بارتكاب جريمة خطف نساء من مصراتة، على الرغم من تأكيدها على أنه "لا يستطيع قيادة سيارة"، فكيف يمكنه اختطاف الناس؟ كما تحدثت عن مشاهدتها لرجل مربوط من كاحليه ومعلق في السقف.

بدورها، اشتكت إحدى نساء الجمع من تعرض أولادها الثلاثة للاعتقال بالرغم من أنهم لم يقاتلوا في الحرب، ولكنهم أرسلوا إلى السجن في مصراتة، وهي تظن أنها لن تراهم مرة أخرى. وفي زاوية من الغرفة المظلمة نفسها التي يوجد فيها الجمع، أجهشت فتاة صغيرة بالبكاء على والدها المتوفي، الذي تعرض للاعتداء أمام عينيها.

وفي السياق نفسه، روت امرأة شابة قصصاً عن المعتقلين من أهل تاورغاء الذين تم تعذيبهم بالصدمات الكهربائية، وسكب الماء البارد عليهم وحرقهم بالسجائر من قبل ثوار من مصراتة كانوا يحتجزونهم، وعلقت على الموضوع بقولها:"هذا سجن أبو غريب، وليس ليبيا!... إننا لم نرتكب إثماً. وإذا استمروا في ضربنا والاعتداء علينا من دون سبب، فسوف ندخل في حلقة من العنف".

المظاهرات

مبادرات المصالحة الوطنية

 وزعت الوكالة الليبية للإغاثة الإنسانية (LibAid) منشورات تصور أهل تاورغاء المسالمين يقرأون القرآن، مع عبارة: "لا تلومونا على ما فعل المجرمون منا". 

 تقوم الوكالة الليبية للإغاثة الإنسانية، بالتنسيق مع وكالات المعونة الدولية، بتأليف أغنية تشجع على المصالحة الوطنية، وسيغنيها أطفال من مختلف أنحاء البلاد، وسيتم تسجيلها وإعادة بثها على نطاق واسع.

 كما تدرس الوكالة الليبية للإغاثة الإنسانية استقدام علماء دين مرموقين على المستوى الدولي مثل الشيخ يوسف القرضاوي في محاولة لايجاد حل.

 عقد المجلس الوطني الانتقالي أول مؤتمر للمصالحة الوطنية في 10 ديسمبر، وقال خلاله أنه لن يعفو عن الذين حاربوا ضد الثوار.

دخل الثوار المسلحون بأسلحة ثقيلة مواقع للنازحين التاورغاء في طرابلس ومدينة بنغازي بشرق ليبيا عدة مرات في شهر نوفمبر الماضي لاعتقال المقيمين المشتبه في ارتكابهم جرائم خلال الحرب.

وفي محاولة "لترهيب" الناس، كما وصفها أحد عمال الإغاثة، كسروا الأبواب وأطلقوا أعيرة نارية في الهواء، وجمعوا الرجال في جانب واحد، متحدثين بكلمات "نابية" لا يمكن ترديدهاقبل اعتقال وإبعاد العديد من الرجال، وفقاً لأحد زعماء أهل تاورغاء.

ولم يتمكن عمال الإغاثة من وقف هذه الهجمات نظراً لتفتت هيكل القيادة العسكرية في ظل وجود عدد كبير من الألوية التي تعمل تحته بشكل مستقل.

ويبدو أن الأحوال قد شهدت بعض التحسن في الأيام الأخيرة، حيث لم يتم الإبلاغ عن حدوث أية هجمات عدوانية، كما تم الإفراج عن بعض السجناء من أهل تاورغاء في ظل ورود تقارير حول توصل المجلس العسكري في طرابلس إلى اتفاق مع ثوار مصراتة على ألا يدخلوا المخيمات بعد الآن.

ومع ذلك، فقد نظم أهل تاورغاء مظاهرات احتجاجاً على المعاملة التي يلقونها، وهو ما يشعر عمال الإغاثة بالقلق، حيث أفاد صموئيل تشونغ، مسؤول الحماية بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أن "المجتمعات المهمشة مثل تاورغاء، إذا ما دفعت إلى حافة الهاوية، قد تلجأ إلى استخدام القوة لحماية أنفسها".

الرفض


الصورة: هبة علي/إيرين
تشكو نساء وأطفال نازحون من تاورغاء من أن استمرار سوء معاملة أقليتهم العرقية يمكن أن يخلق حلقة مفرغة من العنف

إن ما يثير القلق أكثر هو الاعتقاد السائد بين كثير من الليبيين أن مدينة تاورغاء وسكانها البالغ عددهم 35,000 نسمة "تحصل على ما تستحقه"، حيث يقول الكثيرون في مصراتة أنهم قد يغفروا عمليات القتل المزعومة ولكنهم لن يتسامحوا أبداً إزاء عمليات الاغتصاب المزعومة، كما أن الكثيرين لا يفرقون بين المقاتلين والمدنيين. وهو ما علق عليه علي موسى، زعيم كتيبة أرض الرجال في مصراتة، بقوله أن "أولئك الذين فروا [من تاورغاء] قاموا فعلاً بشيء خاطئ. إن النساء والأطفال الذين فروا فعلوا ذلك لأن أزواجهن أو آبائهم ارتكبوا إثماً".

ويشكل الرفض الموقف العام تجاه أهل تاورغاء - حتى بين الليبيين الأكثر تعليماً والأقوى تأييداً للثورة القائمة على الحقوق. حيث قال أحد عمال الإغاثة الليبيين: "لدينا جميعاً وجهة نظر سلبية تجاه أهل تاورغاء، ونحن نعتقد أنهم لم يعودوا مقبولين هنا". وهو ما أكده عبد الله معيتيق، وهو مقاتل من مصراتة، بقوله أنه "من الأسهل والأفضل لهم أن يرحلوا".

ولكن هذه النظرة التبسيطية الداعية إلى "التخلص منهم" بإرسالهم إلى قرية في الجنوب، كما وصفها أحد عمال الإغاثة، يقابلها إصرار أهل تاورغاء على أن العودة إلى أراضيهم واعتبارهم لذلك الخيار الوحيد المتاح. حيث قال محسن محمد * المشرف على موقع للنازحين من تاورغاء في طرابلس: "إن خيمة صغيرة في تاورغاء أفضل عندي من أعلى مبنى في العالم... وأفضل من قصر في مدينة الزاوية...أقسم بالله أننا لن تتحرك".

العدالة

خفف قادة مصراتة من حدة موقفهم الأصلي الرافض رفضاً مطلقاً لعودة أهل تاورغاء، حيث قال رمضان علي زرموح، رئيس المجلس العسكري في مصراتة، أنهم سيتمتعون بحرية العودة فور محاكمة أولئك الذين يُزعم أنهم ارتكبوا جرائم. كما حذر من أنهم "إذا عادوا دون أن تأخذ العدالة مجراها، سيتعرضون لعدالة القصاص الفردي".

ولكن لا يوجد حتى الآن أي نظام عدالة لمحاكمة المعتقلين، وفقاً لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول ليبيا الذي أرسله إلى مجلس الأمن. إذ يوجد 7,000 سجين من أهل تاورغاء وغيرهم محتجزون حالياً في السجون ومراكز الاعتقال المؤقتة "دون أية إجراءات قانونية".

كما يشكك بعض المراقبين في إمكانية عودتهم إلى ديارهم، حيث ذكر أحد الباحثين الأجانب الذي قضى شهوراً في مصراتة: "مدينة تاورغاء الحالية لن تقوم لها قائمة مرة أخرى".

المصالحة الوطنية؟


الصورة: هبة علي/إيرين
استخدم الزعيم المخلوع معمر القذافي تاورغاء كقاعدة للهجوم على مصراتة، التي تضررت بشدة من جراء القتال خلال الحرب

ولكن بعض المسؤولين الأقل تشاؤماً يرون أن العواطف والمشاعر المتأججة سوف تهدأ بمرور الوقت. حي أفاد جورج شاربنتييه، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في ليبيا، أن "الموضوع لا تتعلق بإمكانية حل [هذه المشكلة] أو عدم حلها، لأنها في نهاية المطاف ستُحَل"، مشيراً إلى أنه يرى أسباباً عديدة للتحلي بالأمل.

وأضاف شاربنتييه في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الناس كانوا ينزعجون من مجرد النطق بكلمة "تاورغاء"، أما الآن فإن هذا التحريم قد بدأ يخبو وأصبح الناس أكثر استعداداً لمناقشة هذه المسألة. وأشار إلى أن الحكومة كانت تعتمد على المجتمع الدولي لمعالجة احتياجات النازحين من تاورغاء، أما الآن فهي تتولى هذه المسؤولية على نحو متزايد.

ولكن عند سؤال النساء في المخيم عما إذا كان من الممكن تحقيق المصالحة الوطنية بعد أعمال القتل والضرب والتعذيب التي تحملها أهل تاورغاء، نظرن إلى بعضهن البعض وأطرقن في صمت، غير قادرات على الإجابة.

ويبدو أن العديد من سكان مصراتة لديهم تعريف ضيق للمصالحة الوطنية، فهم يرون أنها عملية تساعد أولئك الذين دعموا القذافي، في المعاقل التي كانت موالية له مثل سرت وبني وليد، على فهم حقيقة القذافي، والانضمام إلى مصاف الثوار.

أما معيتيق، المقاتل في مصراتة، فيقول: "المصالحة الوطنية؟ نحن نؤيدها بالتأكيد بشكل عام، ولكن تاورغاء موضوع مختلف تماماً". ويرى شاربنتييه أن الأمر قد يستغرق عدة سنوات قبل تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

ما حقيقة ما حدث في مصراتة؟

إجراء الحسابات

مواقع النازحين من تاورغاء تتزايد يوماً بعد يوم، وأهل تاورغاء يخرجون من كل حدب وصوب. وتقول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن هناك حوالي 20,000 من سكان تاورغاء مسجلين في المواقع التي تديرها الوكالة الليبية للإغاثة الإنسانية في طرابلس وبنغازي، وترهونة ومدن بلدات أخرى أصغر حجماً في مختلف أنحاء البلاد.

كما تم اكتشاف حوالي 7,000 آخرين مؤخراً في الجنوب بالقرب من مدينة سبها. ولكن عدد سكان تاورغاء كان يبلغ حوالي 35,000 نسمة. ولا يزال الباقون في عداد المفقودين، وهم إما يقيمون مع أقارب أو أصدقاء دون أن يكتشفهم أحد، أو يختبئون في الصحراء ويخافون الخروج من مخابئهم.

جزء من المشكلة يتمثل في عدم تأكد أحد من حقيقة ما حدث في مصراتة. وتتراوح تقديرات عدد الأشخاص المشتبه في تورطهم في جرائم بين 1,500 و 9,000 شخص. ولأسباب تتعلق بالثقافة المحلية وغيرها، يعارض بعض الناس بشدة إجراء أي نوع من التحقيقات. وهو ما أكده معيتيق بقوله: "من المستحيل السماح للمحكمة الجنائية الدولية بالقدوم إلى هنا وتحقيق الأطباء في حالات الاغتصاب".

ويقول آخرون أن الاعتراف بارتكاب الجرائم سيقطع شوطاً طويلاً في نزع فتيل غضب أهل مصراتة. ولكن مثل هذه الحقيقة وعملية المصالحة تتطلب "رسالة قوية ورؤية من قبل المجلس الوطني الانتقالي (NTC) والحكومة،" حسب أحمد صفر، وزير الدولة في الحكومة الجديدة. ولكن حتى الآن هناك غياب للرؤية.

وكان المجلس الوطني الانتقالي قد عقد أول مؤتمر للمصالحة الوطنية في 10 ديسمبر، وقال رئيس الوزراء المؤقت عبد الرحيم الكيب خلال هذا المؤتمر أن المستقبل "لا يمكن أن يُبنى على أساس الانتقام،" حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وتتمثل إحدى الأولويات الملحة للحكومة المؤقتة في استرداد ملايين الدولارات من الأموال المجمدة لإعادة إعمار البلاد، والإعداد للانتخابات، وجمع الأسلحة التي انتشرت في جميع أنحاء البلاد، وتوفير بدائل للشبان الذين قاتلوا خلال الحرب.

وفي هذا السياق، أكد أحد عمال الإغاثة أن "المجلس الوطني الانتقالي لا يملك خطة للتعامل مع أهل تاورغاء. فهذه المسألة حساسة إلى درجة أنه لا يمكن لأي زعيم في المجلس الوطني الانتقالي أن يتعامل معها من دون التعرض لنقد سياسي كبير في دائرته الانتخابية"، مضيفاً أن مبادرات المصالحة الوطنية كانت حتى الآن مجزأة، وتفتقر إلى "الجهود المتفانية".

في هذه الأثناء

وفي هذه الأثناء، يؤيد مسؤولون رفيعو المستوى في مجال الإغاثة اللجوء إلى حل مؤقت من شأنه تحسين الظروف المعيشية لأهل تاورغاء. وهو ما علق عليه خالد بن علي، رئيس وكالة الإغاثة والمساعدات الإنسانية الليبية (LibAid)، بقوله أن "العودة غير ممكنة في الوقت الراهن، ولذا يجب علينا إعداد خطة بديلة. فإذا كان الانتظار سيطول، لا يمكن أن يعيش هؤلاء الناس في مبان عامة أو خيام أو بطريقة غير انسانية".

وأوضح أن المجلس الوطني الانتقالي طلب منه دراسة جدوى بناء "مدينة بأكملها لأهل تاورغاء" حتى يصبح تحقيق المصالحة الوطنية ممكناً. وقال أنه يدرس مواقع بالقرب من واحة جالو الجنوبية، أو سرت مسقط رأس القذافي. ولكن هذه الخطة، أيضاً، سوف تواجه مقاومة. وهو ما أكده محمد، المشرف على موقع أهل تاورغاء في طرابلس، بقوله:
"إننا لن نترك طرابلس إلا إذا عدنا إلى تاورغاء...سوف يحاول بعض الناس تفريقنا مثل اليهود... ينبغي علينا البقاء معاً... إذا ذهبنا إلى مكان آخر، سوف يقتلوننا ببطء".

وأضاف أنه يأمل أن تحل الحكومة الجديدة هذه المشكلة، التي يصفها بأنها قضية وطنية وليست قضية خاصة بمصراتة وتاورغاء، وتتخذ الترتيبات اللازمة لعودة أهل تاورغاء إلى ديارهم في نهاية المطاف. "ولكن إذا رفضت الحكومة الجديدة ذلك، سوف نحمل السلاح ونستعيدها بالقوة".

* ليس إسمه الحقيقي


aa/am/cb-ais/amz