* نظام المساعدات العربي-الإسلامي والغرب: "فيلين من خزف"

 كانت منظمة اتحاد الأطباء العرب ومؤسسة محمد بن راشد الإماراتية ومؤسسة دينيز فينيري التركية من بين منظمات الإغاثة التي تدفقت على الصومال بعد إعلان المجاعة في شهر يوليو الماضي. وقد جاءت كل من هذه المنظمات التي هرعت لنجدة الصومال بأسلوبها الخاص في مجال الإغاثة.

حيث أرسلت الحملة الوطنية السعودية لإغاثة الشعب الصومالي، التي دعا إليها الملك عبد الله، طائرات محملة بالمواد الغذائية بما فيها المربى والجبن. وأرسلت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية 600 طن من التمور، بينما غامرت مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية التركية (IHH) بمد يد العون إلى المتضررين في مناطق خارج مقديشو مغامرة بذلك داخل أراضي تُعدُّ محظورة على معظم منظمات الإغاثة الدولية لعدم خضوعها لسيطرة الحكومة.

كما جاءت هذه المنظمات أيضا بالمال الوفير. فخلال جلسة طارئة عقدت في شهر أغسطس الماضي، تعهدت منظمة التعاون الإسلامي بدفع 350 مليون دولار للصومال، وهو رقم وصفه أحد عمال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة في مقديشو بـ"الحلم".ولكن ليس من الواضح ما هي نسبة التمويل الجديد من هذا المبلغ.

وتقول تركيا أنها جمعت أكثر من 280 مليون دولار لجهود إغاثة الصومال، في حين بلغت مساهمة المملكة العربية السعودية وحدها في جهود وكالات الأمم المتحدة 60 مليون دولار، كما ساهمت الكويت، وهي بلد لا يتجاوز عدد سكانه 3.5 مليون نسمة، بمبلغ 10 مليون دولار. وتلقى مكتب تنسيق المساعدات الخارجية في الإمارات العربية المتحدة تأكيداً بتبرعات تبلغ 62 مليون درهم (16,9 مليون دولار) من أجل مواجهة الوضع الطارئ في القرن الأفريقي.

وقد تمكنت دول الخليج من جمع التمويل بسرعة وسهولة ملحوظتين، ففي غضون ثلاث ساعات، تمكنت الحملة التلفزيونية لجمع التبرعات في قطر من جمع ما يقرب من 25 مليون ريال (6.8 مليون دولار). وخلال بضعة أسابيع، جمعت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية (IICO) في الكويت 80,000 دينار (290,000 دولار) نقداً عن طريق طلب التبرعات في مراكز التسوق، في حين ذكرت تقارير أن الحملات التلفزيونية لجمع التبرعات في دولة الإمارات العربية المتحدة تمكنت من جمع 50 مليون دولار إضافية لمنطقة القرن الأفريقي.

وفي ظل خفض العديد من الجهات المانحة الغربية لميزانياتها وسط مخاوف من ركود اقتصادي آخر، اكتسبت
هذه المنطقة نفوذاً ملحوظاً في مجال المساعدات الإنسانية، لا سيما في البلدان المسلمة ذات الكثافة السكانية الكبيرة. لقد وضعت الجهود المبذولة في الصومال الجهات المانحة والمنظمات العربية والإسلامية في مركز الصدارة، سواء من حيث الأموال أو العمل على الأرض.

ولكن علاقاتها مع النظام الإنساني الأوسع نطاقاً ظلت محدودة في أفضل الأوقات، ومحفوفة بالصعاب في أسوأ الأحوال. فعلى سبيل المثال، لا تقوم منظمة التعاون الإسلامي بتقديم تبرعاتها للصومال عبر الآليات متعددة الأطراف المعروفة دولياً، مثل عملية النداء الموحد التي تديرها الأمم المتحدة.

وهو ما تفسره الجهات الفاعلة في المنطقة بكونها اعتادت على العمل بمفردها نتيجة لتاريخ طويل من عدم الثقة المتبادلة، ونقص الوعي من كلا الجانبين، وتصور بعض المسلمين والعرب أنهم في وضع يمكنهم من المساعدة بشكل أفضل في ظل ظروف معينة.

وتحاول الأمم المتحدة الآن العمل قدر الإمكان لتحسين هذه العلاقة بالرغم من كون طريق التعاون والتنسيق لا يخلو من العديد من التحديات.

كيف وصلنا إلى هنا؟

يقول المحللون أن هناك تاريخ طويل من عدم الثقة المتبادل بين نظام المساعدات الذي يتسيده الغرب ونظيره في العالم العربي والإسلامي. وهو ما علق عليه عبد الرحمن غندور، العامل بمجال التنمية والإغاثة الإنسانية، ومؤلف كتاب الجهاد الإنساني: التحقيق في عمل المنظمات غير الحكومية الإسلامية، بقوله: "هذان فيلان من خزف ينظران إلى بعضهما البعض ...يرى كل منهما الآخر ويعرف أنه موجود ولكنه يعجز عن التحرك نحوه".

وفي حين يرى بعض عمال الإغاثة المسلمون أن نظام الأمم المتحدة يتسم بقدر من الغطرسة، يتحدث آخرون عن مؤشرات استعمار جديد في طريقة تسليم المساعدات والعلاقة بين مجتمع الإغاثة المسلم ونظيره الذي يسيطر عليه الغرب.

وقد علق أحد عمال الإغاثة على الموضوع بقوله: "إنهم يشركوننا فقط عندما يناسبهم ذلك"، مشيراً إلى أن الكثير من المنظمات العربية-الإسلامية لا تتلقى الدعوة لحضور الاجتماعات والمؤتمرات إلا كنوع من "الاستدراك" في كثير من الأحيان. وأضاف قائلاً: "إننا نشعر أننا نُستخدم لتجميل الصورة فقط، فجميع الأمور تُحاك وتطبخ في الغرب، ثم يجلبونها للاستهلاك هنا".

وتخشى بعض المنظمات غير الحكومية في العالمين العربي والإسلامي من أن "تبتلعها" منظومة الأمم المتحدة، وهي غير واثقة في قدرتها على العمل مع الأمم المتحدة على قدم المساواة. وهو ما علق عليه عامل إغاثة آخر بقوله: "إن الأمر لا يتعلق بالخبرة. فعلى الرغم من أن الأمم المتحدة تمتلك الخبرة واليد العليا عندما يتعلق الأمر بأي شيء بدءاً من أنظمة المعلومات والاتصالات إلى العمل على الأرض، إلا أننا نحتاج أن نكون على يقين من أننا سنكون راضين عما ستؤول إليه تبرعاتنا قبل أن نقدم المال ونسمح بتنفيذ الأنشطة".

ودعا إلى إيجاد نوع من مدونة لقواعد السلوك أو إطار تفاهم يحدد ما يعنيه كلا الجانبين ببعض المبادئ الأساسية، ويحدد الخطوط العريضة للعمل. فعلى سبيل المثال، يرى أنه من الضروري توحيد تعريف بعض المصطلحات مثل تمكين المرأة مثلاً، موضحاً أن "طريقة فهمنا لذلك تختلف عن طريقة فهم الأمم المتحدة له". وهذا يعني أن العديد من المنظمات في هذا الجزء من العالم ستخشى الدخول في شراكات مع الأمم المتحدة إذا أوحي لها أن تمكين المرأة يعني "خلع الحجاب، وتدمير مؤسسة الأسرة ونبذ الدين".

كما يشكك بعض عمال الإغاثة والجهات المانحة في العالم العربي والإسلامي في الدوافع الحقيقية وراء رغبة النظام الغربي للدخول في شراكات معهم. وهو ما علق عليه عامل إغاثة مسلم بقوله: "الكل يعلم أنهم لا ينحازون إلينا إلا للحصول على المال وليس من أجل الاتحاد ... فلطالما شكلت المنظمات غير الحكومية الإسلامية صندوقاً أسود لا يريد أحد لمسه...إلى أن أدركت (الأمم المتحدة) أنها تضيع فرصة ثمينة".

ولا يفرق آخرون بسهولة بين مجلس الأمن الدولي، الذي منح تفويضات بتدخلات غربية في بلدان مسلمة ويعتبره العديد من العرب والمسلمين غير راغب في معالجة القضية الفلسطينية، ووكالات المعونة الإنسانية مثل برنامج الأغذية العالمي، أو منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). فالكل بالنسبة لهم في نهاية المطاف منظومة واحدة.

ولهذه الأسباب، تحاول العديد من جمعيات الهلال الأحمر في المنطقة أحياناً تجنب العمل مع الأمم المتحدة، وفقاً لعامل إغاثة رفيع المستوى. وجاء في قول هذا الأخير: "نحن نحاول التنسيق مع - وليس الخضوع لتنسيق من قبل - الأمم المتحدة بسبب قضايا الحياد...فالأمم المتحدة لا تعتبر منظمة محايدة، لا سيما في مناخ الصراع".

المعايير التقنية

تمارس بعض المنظمات الإسلامية أعمال الإغاثة الطارئة منذ عدة عقود، ولكن منظمات عديدة أخرى كانت حتى وقت قريب أكثر تركيزاً على العمل التنموي، كبناء المدارس والمساجد أو مساعدة اليتامى.

ولقد قامت العديد من هذه المنظمات بمضاعفة أنشطتها. فالهلال الأحمر القطري، على سبيل المثال، شهد ارتفاعاً كبيراً في ميزانيته السنوية الدولية من أقل من 250,000 دولار إلى أكثر من 45 مليون دولار في السنوات العشر الماضية، وفقاً لخالد دياب، مستشار المنظمة لشؤون التعاون الدولي. أما مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية (IHH)، وهي منظمة غير حكومية تركية كانت تدير مشروعات تتراوح قيمتها بين 600,000 و700,000 دولار سنوياً في القرن الأفريقي، فقد رفعت ميزانيتها إلى ما يزيد عن 20 مليون دولار، في واحدة من أكبر حملاتها على الإطلاق، وفقاً لنائب رئيسها حسين أوروج.

ولكن لدى الأمم المتحدة والنظام الإنساني الأوسع أيضاً تحفظاتهما الخاصة في الموضوع، فمع تدفق البرامج الإنسانية تأتي بعض الصدامات الإيديولوجية أيضاً. وهو ما علق عليه عامل إغاثة غربي رفيع المستوى، في وصفه للمنظمات غير الحكومية العاملة بالمنطقة، بقوله: "إن وعيهم والتزامهم بالمفهوم الشائع عن أفضل الممارسات ليس له وجود بالضرورة"، في إشارة منه إلى إهمال الأثر البيئي أو التوازن التغذوي مثلاً. فتوزيع الحليب المجفف، على سبيل المثال، لا يشكل ممارسة جيدة في منطقة لا يوجد فيها مياه نظيفة، والتمور ليست مثالية في حالات سوء التغذية لأنها تحتوي على نسبة عالية من السكر، ولكن قيمتها الغذائية منخفضة ويصعب هضمها.

ويقول مسؤولون إنسانيون آخرون أن عمال الإغاثة في المنطقة لا يتبعون الإجراءات الأمنية العادية، حيث أخبر عامل إغاثة موجود في مقديشو شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن لدى العديد منهم "وجهة نظر ساذجة" تدعي أن "المسلم لن يؤذي أخاه المسلم...أنا أشعر بقلق بالغ من أننا قد نرى أحد عمال الإغاثة المسلمين مصاباً بطلق ناري. إن هذا الاحتمال يشكل مصدر قلق كبير بالنسبة لنا جميعاً".

غياب التنسيق؟

وهناك أيضا شكاوى حول غياب التنسيق. حيث أفاد أحد عمال الإغاثة بأن جمعيات الهلال الأحمر ترسل أكواماً من البضائع دون تنسيق مع المجتمع الإنساني أو التحقق من الاحتياجات المحددة في عملية النداءات الموحدة. فهناك طائرات محملة بالمواد الغذائية تصل من الخليج، حيث تأتي الكثير من المساعدات من تلك المنطقة في صورة معونات غذائية، ولكن "ليس لدينا أدنى فكرة عن المكان الذي تذهب إليه"، مضيفاً أن المستفيدين يبيعون الكثير منها في السوق المفتوحة لأن قيمة بعض المواد الغذائية، مثل المربى والجبن، مرتفعة للغاية.

كما يبدو أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد أثرت على هذه العلاقة. حيث أكد عبد الرحمن غندور أن "العديد من المؤسسات الخيرية الغربية لا تزال خائفة من أن يقترن اسمها بجمعيات خيرية إسلامية بسبب وصمة العار التي تخيم فوق رؤوسها منذ أحداث 11 سبتمبر".

وفي هذا السياق، زادت القوانين الأمريكية المتعلقة بتمويل "الإرهاب" من تعقيد العلاقة بين المؤسسات الخيرية الإسلامية والغرب لأن المنظمات غير الحكومية العاملة في البلدان التي توصف بأنها "إرهابية" مثل إيران وبورما، أو المناطق التي تسيطر عليها منظمات مثل حركة الشباب، التي تعتبر حركة "إرهابية "من وجهة نظر الولايات المتحدة، تخشى من اتهامها بالتواطؤ، وبالتالي تحجم عن التحدث عن أنشطتها.

كما يصعب إجراء معاملات مالية من خلال النظام المصرفي التقليدي لتمويل العمل في هذه المناطق، وقد يؤدي تحويل مبالغ نقدية كبيرة إلى حدوث بعض المشاكل مع حكومات معينة. وهو ما علق عليه هارون عطا الله، مدير الشؤون المالية والخدمات في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، بقوله: "إنهم لا يستطيعون أن يتسموا بالشفافية...وكيف لهم أن يقوموا بذلك إذا كانت قد تعود عليهم بالأذى؟"

في المقابل، ترى بعض المنظمات غير الحكومية الإسلامية والعربية أن التعامل الوثيق مع الأمم المتحدة قد يهدد وصولها إلى المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب مثلاً، ولذا فهي تحاول أن تبقى بعيدة عن الأمم المتحدة.

فهم الآخر


الصورة: هبة علي/إيرين
عدد من كبار الشخصيات الخليجية خلال افتتاح اجتماع نظمه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالتعاون مع منظمة العون المباشر وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في الكويت

يرى بعض المراقبين أن انعدام الثقة المتبادل ينبع من عدم التبصر في كلا الجانبين، إذ "لا يزال هناك نقص في المعرفة المتعمقة وفهم ثقافة الجهات المانحة الناشئة تجاه العطاء"، وفقاً للمعهد العالمي للسياسة العامة (GPPi)  الذي يجري حالياً أبحاثاً عالمية حول العطاء الإنساني،.

وينبع جزء من تردد المنظمات الإسلامية في إعلان أعمالها من الثقافة التي تعتبر الأعمال الخيرية شيئاً خاصاً ومتواضعاً لا ينبغي الحديث عنه أو عرضه أمام الغير. وهو ما علقت عليه نعيمة حسن القصير، وهي مواطنة بحرينية تشغل منصب المدير الإقليمي المساعد لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط، بقولها: "نحن نقدم أشياء دون أن نعلن عنها. إن هذا جزء من الثقافة الإسلامية".

وفي السياق نفسه، فإن منظمات غير حكومية كثيرة في العالم الإسلامي لا تفهم الأمم المتحدة. حيث تبقى المختصرات الدالة على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي غير مألوفة لدى العديد، وهو ما علق عليه أحد عمال الإغاثة المسلمين بقوله أن الأمم المتحدة تعاني من "مشكلة في اختيار العلامات التجارية". ويبدو أن العديد من عمال الإغاثة في المنطقة لم يسمعوا قط عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، المكلف بتنسيق جميع المساعدات في حالات الطوارئ، مثلاً ولا يملكون أية فكرة عن نظام مجموعات العمل القطاعية. وهو ما تحدث عنه غندور بقوله: "لقد أصبحنا، كنظام، نستخدم تعبيرات خاصة بنا ولا ننظر إلا إلى أنفسنا من حيث كيفية عمل نظامنا، إلى درجة أنه لا يكاد يوجد شخص آخر يفهمه".

من جهتها، ترى الباحثة المشاركة في المعهد العالمي للسياسة العامة، كلوديا ماير، أن "المناقشات حول المساعدات الإنسانية لا تزال تجرى في النوادي الحصرية". وهو ما أكده عندور بقوله: "واذا كنت تريد أن تصبح عضوا فيها، فعليك اللعب وفقاً للقواعد نفسها والتحدث باللغة نفسها...ولكن لا يملك كل شخص الرغبة أو القدرة على القيام بذلك".

وفي السياق نفسه، يعترف مسؤولون في الأمم المتحدة، على سبيل المثال، أن عدداً قليلاً من موظفي الأمم المتحدة رفيعي المستوى يتحدثون اللغة العربية. كما أن التنسيق يمثل تحدياً لوجستياً أيضاً. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، "من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن أية قرارات، لأن القرارات عادة ما تؤخذ على مستويات عالية جداً، غالباً في الديوان الملكي" حسب ماير، استناداً إلى دراسة حالة أجراها المعهد العالمي للسياسة العامة عن المملكة العربية السعودية.

وعلى الصعيد الميداني، يكون العديد من عمال الإغاثة المسلمين على استعداد للتنسيق، ولكنهم ببساطة لا يعرفون كيفية القيام بذلك.

مثال مقديشو

تشكل مقديشو مثالاً على تعقيد العلاقة بين الطرفين. فقد فتحت منظمة التعاون الإسلامي مكتب تنسيق هناك وقامت بتكوين تحالف من 27 منظمة تعمل في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها حركة الشباب.

وتعقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعات تنسيقية بين عدد من منظمات الإغاثة كما أقامت نظاماً مصغراً لمجموعات العمل القطاعية، حيث يقود اتحاد الأطباء العرب العمل في القطاع الصحي ويقود الهلال الأحمر القطري جهود توزيع الغذاء.

وبينما أعرب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن ارتياحه لهذه الخطوة، قال بعض مسؤولي الأمم المتحدة، خاصة في المقر الرئيسي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم يشعرون بالقلق من كون منظمة التعاون الإسلامي تسعى إلى خلق بنية تنسيق موازية. وهو ما نفته منظمة التعاون الإسلامي بإعلانها أنها ليست في منافسة مع الأمم المتحدة. حيث قال عطاء المنان بخيت، الأمين العام المساعد للمنظمة: "لا أحد يقول أننا سوف نعمل بشكل أفضل من الأمم المتحدة في المجال الإنساني. فلديها الدراية والوسائل وفرص الوصول وتاريخ طويل في المجال الإنساني. ستظل الأمم المتحدة دائماً [اللاعب] الرئيسي في [الميدان] الإنساني".

من جهته، أفاد أحمد آدم رئيس مكتب منظمة التعاون الإسلامي في مقديشو، أن أحد أهداف منظمة التعاون الإسلامي تتمثل في ملء الفجوات الناتجة عن عدم قدرة الأمم المتحدة على توصيل المساعدات إلى بعض المناطق في الصومال التي لا يسمح لموظفي الأمم المتحدة الدوليين بالدخول إليها.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "جهود التنسيق التي تبذلها الأمم المتحدة تواجه صعوبات في تغطية معظم المناطق المتضررة نظراً للتحديات الأمنية...وهذا ما يجعلنا نحاول أن نلعب دوراً مكملاً لتحسين الأنشطة الإنسانية. إننا نتقاسم المعلومات والتحديات مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية خلال اجتماعاتنا العادية. كما يغطي التعاون بين وكالات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي المشاكل التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني، لا سيما في هذه الفترة الطارئة".

النمو السريع

لقد أصبحت معالجة مشكلة التنسيق تشكل أولوية متزايدة نظراً لتزايد

''إننا بحاجة إلى التعلم من خبرات الأمم المتحدة... ونحتاج إلى مساعدتها. لا نستطيع نكران ذلك''

مشاركة دول المنطقة في تقديم المعونة في الآونة الأخيرة. حيث أفاد روبرت سميث، رئيس قسم النداءات الموحدة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية: "إننا نشهد انخراطاً تدريجياً ولكن بزيادة مطردة من قبل دول الشرق الأوسط في مجال العمل الإنساني الدولي، سواء كجهات مانحة أو كداعمين لسياسة المعونة".

وعلى الساحة الإنسانية المتغيرة التي تشهد مشاركة متزايدة من قبل الدول غير الغربية مثل البرازيل والهند، تقدم مجموعة من المانحين العرب (السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وسلطنة عمان) ما يقرب من ثلاثة أرباع المساهمات التي تقدمها البلدان غير المدرجة في لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إذ قامت تلك الدول بتقديم مساعدات تزيد قيمتها عن 3,2 مليار دولار خلال العقد الماضي، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة مبادرات التنمية، وهي منظمة متخصصة في مجال الأبحاث والدعوة.

من جهتها، أكدت فاليري آموس، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق عمليات الإغاثة الطارئة، أثناء اجتماع حول تبادل المعلومات في الكويت في شهر سبتمبر أن "دول الخليج تتولى قيادة مرحلة جديدة وهامة من الشؤون الإنسانية"، مشيرة إلى أن المجتمع الإنساني يواجه "تحديات غير مسبوقة، تحدث العديد منها في العالم الإسلامي".

لقد أثرت أزمات عديدة على الشعوب المسلمة في السنوات الأخيرة، من بينها زلزال بام في إيران عام 2003، وتسونامي جنوب شرق آسيا عام 2004، وزلزال باكستان عام 2005، والهجوم على غزة في أواخر عام 2008، وفيضانات باكستان عام 2010. وقدم المانحون المسلمون والعرب تبرعات كبيرة في جميع هذه الأزمات. وهو ما علقت عليه ماير بقولها أن "هذه الدول ترغب في تقديم نفسها إقليمياً وعلى الساحة الدولية كطرف مساهم فعال في الجهود الإنسانية، وتسعى إلى الاعتراف بها كقوى ناشئة، وإن لم تكن على قدم المساواة مع غيرها، على الساحة العالمية".

وكانت منظمة التعاون الإسلامي قد أنشأت في عام 2008 إدارة للشؤون الإنسانية، وقامت دولة الإمارات العربية المتحدة في العام نفسه بإنشاء مكتب لتنسيق المساعدات الخارجية. كما عينت قطر وزير دولة لشؤون التعاون الدولي.

وفي السنوات الأخيرة، بدا أن جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إشراك هذا الجزء من العالم تؤتي ثمارها. فوفقاً لسميث، ساهمت الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بمبلغ 594 مليون دولار في نداءات المساعدات الإنسانية للبلدان الإسلامية خلال العقد الماضي.

وفي مؤشر على تزايد الاستعداد لتوجيه الأموال عبر القنوات متعددة الأطراف، منحت المملكة العربية السعودية برنامج الأغذية العالمي نصف مليار دولار عام 2008 خلال أزمة الغذاء العالمية. كما أنها كانت في عام 2010 أكبر مساهم منفرد على المستوى العالمي في صندوق الاستجابة لحالة الطوارئ في هايتي، بمبلغ 50 مليون دولار. وفي عام 2011، منحت دولة الكويت تبرعاً قياسياً للصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ بلغ 675,000 دولار، وانضمت مع قطر إلى الفريق الاستشاري الخاص بهذا الصندوق.

الصومال تغير ديناميكيات الإغاثة؟

يبدو أن المجاعة في أجزاء من الصومال قد غيرت ديناميكية العمل، فعندما يتم احتساب المساعدات كنسبة مائوية من الناتج المحلي الإجمالي، فإن عدة دول شرق أوسطية ستعتبر أكثر سخاءً مما يعرف بالجهات المانحة التقليدية، ولكن مساهماتها عبر النظام متعدد الأطراف ظلت محدودة.

وترى القصير أن مبلغ الـ 60 مليون دولار الذي تبرعت به المملكة العربية السعودية لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية لمواجهة الأزمة الصومالية هو مجرد "بداية"، ولكنه لم يشكل المشاركة متعددة الأطراف التي كانت وكالات الأمم المتحدة تأمل بالحصول عليها.

وفي السياق نفسه، لم يتم تسجيل سوى 10,000 دولار فقط، من مجموع 62 مليون دولار الذي أبلغ به المانحون الإماراتيون مكتب تنسيق المعونة الخارجية كتبرعات لحالة الطوارئ في منطقة القرن الأفريقي، على أنها موجهة إلى النظام الإنساني متعدد الأطراف من خلال الاتحاد الدولي للصليب الأحمر.

ويرى بعض المراقبين أن القوى المتنافسة مثل قطر وتركيا تعتبر المشاركة الإنسانية فرصة لتحقيق مصالح السياسة الخارجية واستعراض عضلاتها. فقد تباهى رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في مقال تم نشره مؤخراً على موقع ForeignPolicy.com بتقديم تبرعات إلى الصومال تفوق قيمتها 280 مليون دولار تم جمعها في تركيا خلال الشهر الماضي.

وفي خضم الجهود على أرض الواقع، لا يبدو أن التنسيق يعتبر من بين الأولويات. وهو ما علق عليه أوروج، من مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية التركية، بقوله أن "جميع الموجودين على الأرض مشغولون جداً، ولا يستطيعون إيجاد الوقت الكافي لحضور اجتماعات مجموعات العمل القطاعية".

واعترف آخرون بأن ثقافة العمل مع الآخر ثقافة لا وجود لها بكل بساطة. فهي، حسب القصير، تشكل "فكراً جديداً، على الأقل في منطقة الخليج". كما أشارت القصير أيضاً إلى مشكلة أخرى: فعلى الرغم من أن العطاء الخيري يشكل مطلباً إسلامياً، إلا أن الناس غالباً ما يرغبون في إعطاء الزكاة أو الصدقة مقابل رؤيتها تتحول إلى شيء ملموس...إن كل من نتحدث إليه يريد بناء مستشفيات، وذلك لأن المستشفيات شيئ مادي ومرئي. وتوزيع الدواء هو شيء يحبه الجميع". ولكن في خضم اندفاعها، لا تفكر العديد من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية في ما إذا كان هناك ما يكفي من الموظفين لتشغيل هذه المستشفيات أو في ما إذا كانت مساحتها كافية لتخزين ما تحتاج إليه أو أنها تتوفر على الإمدادات الكهربائية اللازمة. كما أنها قد لا تعير اهتماماً لكيفية توزيع مواد الإغاثة وهوية المستفيدين.

وأشارت إلى أن هذا قد أدى إلى بناء مستشفيات متجاورة في الصومال وليبيا وانتهاء صلاحية الأدوية ووجود فائض من الخدمات في إحدى المناطق بينما يتم تجاهل مناطق آخرى تماماً.

وقالت للمشاركين العرب في المؤتمر الذي عقد في الكويت: "إذا لم نتخذ خطوة جادة، فإن النتيجة ستكون خطيرة للغاية".

المضي قدماً

على الرغم من التحديات، يتم الآن بذل جهود متجددة لإعادة فتح الحوار بين الجانبين. وقد اعترفت المنظمات غير الحكومية في المنطقة بأنها كانت تفتقر إلى الكفاءة المهنية في الماضي، معتبرة أن خلفيتها الثقافية والدينية تعطيها قدرة فريدة على المساعدة. وناشدت الأمم المتحدة المساعدة في بناء قدراتها.

وهو ما علق عليه هاني البنا، رئيس المنتدى الإنساني، وهي منظمة تهدف إلى تحسين الحوار بين المنظمات الإسلامية ونظرائها في النظام متعدد الأطراف، بقوله أن "المنظمات العربية والإسلامية تملك القدرة على الوصول إلى مناطق لا يصل إليها الآخرون وثقافة لا يملكها غيرها. ما نحتاج إليه هو إعدادها لتصبح من اللاعبين الدوليين الدائمين".

وهو أيضا ما أكده بخيت، الأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي، بقوله: "إننا بحاجة إلى أن نتعلم من خبرات الأمم المتحدة ونحتاج مساعدة الأمم المتحدة. لا يمكننا نكران ذلك".

وفي السياق نفسه، كتب المعهد العالمي للسياسة العامة أن "زيادة الشمولية من شأنها أن تجعل النظام الإنساني أكثر شرعية، ومن شأنها أيضاً أن تمد النظام الإنساني بنسبة كبيرة من المعرفة الثقافية، وبالتالي تدعم التفاعل الفعال مع الحكومات والسكان المتضررين".

وفي أعقاب الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية التي اجتاحت العالم العربي، تعتبر هذه المشاركة أكثر أهمية من ذي قبل. حيث أكد عبد الحق أميري، رئيس المكتب الإقليمي لتنسيق الشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مقال تم نشره في عدد يوليو من مجلة هيومانتارين إكستشنج (التبادل الإنساني)، أن "انتفاضة العالم العربي تتطلب طرقاً جديدة في التفكير والعمل، وزيادة التعاون مع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بالمنطقة ودعماً من المنظمات الاقليمية مثل منظمة التعاون الإسلامي و[جامعة الدول العربية]...علينا بذل الجهد للالتقاء بهذه المنظمات وفقاً لشروطها، والاستماع بانتباه إلى تفسيرها للشؤون الإنسانية، والأهم من ذلك كله أن نتحدث بلغتها".


ha/eo/cb-ais/amz

* تم تحديث هذا المقال يوم 26 أكتوبر