بنجلاديش: النزاع على المياه قد يقضي على الزراعة

يحذر الخبراء من أن الجدل المستمر حول الممرات المائية الحيوية التي تمر عبر الصين والهند، أكثر بلدان العالم سكاناً، قد يؤدي إلى تدهور الزراعة في بنجلاديش.

وبالرغم من أن أنهار الغانج وبراهمابوترا وميجنا، التي تشكل مجتمعة أكبر التدفقات المائية العذبة في العالم، تعبر بنجلاديش في طريقها إلى المحيط، إلا أن السدود المقامة على هذه الأنهار تقع خارج البلاد مما يترك هذه الدولة الفقيرة في اعتماد مضطرد على الدول المجاورة للسماح للمياه بعبور أراضيها.

وفي ظل معاناة الدول المجاورة من ضغوط النمو السكاني والاقتصادي وحاجتها لمواردها الخاصة من المياه للاستجابة لاحتياجاتها من الطاقة المائية، تبقى مشكلة بنجلاديش قائمة.

وحسب ستيف لوبي، من المركز الدولي لبحوث أمراض الإسهال في بنجلاديش، فمن المرجح أن تقوم الصين والهند بتنفيذ المزيد من مشاريع السدود في ظل تغير المناخ وتسببه في ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا وزيادة منسوب المياه في الأنهار الموجودة على سفوحها.

وأوضح لوبي أن "فقدان الكتلة الجليدية في جبال الهيمالايا يعني مواصلة الصين والهند لخططهما لبناء السدود وبالتالي خفض إمدادات المياه إلى بنجلاديش... وهذا يضع بلداً يعاني في الأصل من أوضاع صعبة في موقف سيء للغاية". وأضاف أن "الزراعة في بنجلاديش تستهلك أكثر من 80 بالمائة من المياه في البلاد".

وقد شعرت بنجلاديش بأثر توقف تدفق المياه من نهر الغانج لأول مرة عام 1975 عندما قامت الهند ببناء سد فاراكَّا متسببة في انخفاض تدفق المياه خلال موسم الجفاف بحوالي 50 بالمائة تقريباً.

وتخطط الهند، التي يبلغ عدد سكانها 1.1 مليار نسمة ومن المتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 1.5 مليار دولار خلال العقود الأربعة المقبلة، لبناء سد كبير آخر من شأنه أن يتسبب في عرقلة تدفق جزء كبير من المياه من مصب نهر ميجنا.

بالإضافة إلى ذلك، تخطط الصين لتحويل المياه لاستخدامها الخاص من نهر براهمابوترا الذي يمثل 71 بالمائة من مياه دلتا نهر الغانج، حسب إحسان الدين أحمد، المدير التنفيذي لمركز التغير العالمي في هيئة تخطيط الموارد المائية بوزارة المياه. وأوضح هذا الأخير أنه "إذا قامت جهة ما بتحويل التدفق الرئيسي للمياه لصالحها الخاص، فإن كارثة بيئية كبيرة ستحدث في هذه الدلتا. وسوف يكون لذلك آثار سلبية هائلة على بنجلاديش".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة، من المتوقع أن يرتفع عدد سكان الصين البالغ حالياً 1.3 مليار بنحو 70 مليون نسمة بحلول عام 2050. وعلى الرغم من أن معدل النمو السكاني المتوقع بها لا يرقى إلى نظيره في الهند إلا أن ناتجها المحلي الإجمالي شهد ارتفاعاً كبيراً بنسبة 10 بالمائة أو أكثر سنوياً على مدى جزء كبير من العقدين الماضيين.

المأزق في أعلى النهر

وقد أصبحت العديد من طبقات المياه الجوفية في بنجلاديش ملوثة بالزرنيخ، مما يجعلها خطرة للاستهلاك البشري. كما أصبحت المياه السطحية ملوثة بشكل كبير في الوقت الذي تشهد فيه معدلات التغذية لطبقات المياه الجوفية العميقة بطئاً شديداً لدرجة لا تؤهلها لأن تكون بديلاً مجدياً.

وأوضح أحمد أن توفر كميات قليلة من المياه يسبب انخفاضاً في الإنتاج الزراعي، مما يتسبب بدوره في رفع أسعار المواد الغذائية المحلية ويؤثر بشكل خطير على البلاد التي يعيش 50 بالمائة من سكانها على أقل من دولار واحد في اليوم ويعاني 46 بالمائة من أطفالها من سوء التغذية، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

وأضاف أنه "عندما ترتفع أسعار الأرز، فإن الناس يضطرون لأكل كميات أقل... فضعف كميات المياه يعني كميات أقل من المحصول وكميات أقل من الطعام للأشخاص الذين يعانون أصلاً من سوء التغذية".

وتواجه بنجلاديش أصلا نقصاً في المياه بسبب الجفاف الشديد في الشمال. وقد علقت سيدة رضوانة حسن، الرئيس التنفيذي لرابطة المحامين البيئيين في بنجلاديش، على ذلك بقولها أنه في ظل عمل ثلثي سكان البلاد في القطاع الزراعي، فإن المجتمعات المحلية ستتضرر بشكل كبير.

وأضافت أن "جزءاً من المنطقة الشمالية يواجه خطر التصحر. كما أن هناك نقصاً هائلاً في تجهيزات الري... وقد تسبب سحب الهند للمياه من جانب واحد في امتلاء الأنهار الرئيسية بالطمي، مما أدى إلى جفاف تلك الأنهار. كما انتشرت الملوحة بسبب عدم ورود مياه من أعلى النهر لدفع مياه البحر إلى الوراء".

بالإضافة إلى ذلك، سببت زيادة الملوحة مشاكل في المياه الجوفية وأدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في المناطق الساحلية الجنوبية حيث كان المزارعون يعتمدون من قبل على نهر الغانج خلال موسم الجفاف لري محاصيل الأرز التي تعتمد على المياه.

وشرح أحمد من هيئة تخطيط الموارد المائية بوزارة المياه كيف تغير الوضع منذ ذلك الوقت قائلاً: "عندما أصبحت المياه مالحة وقلت كميات المياه القادمة من أعلى النهر، خسر الناس المحصول الأكثر أهمية وأصبحوا تدريجياً يزرعون محاصيل أقل أهمية من الناحية الاقتصادية مما أدى إلى تغير سبل عيشهم بالكامل". وحذر أحمد من أنه ربما يصبح من المستحيل، من الناحية الايكولوجية، العيش أو الحفاظ على سبل العيش في جنوب غرب بنجلاديش.

أصدقاء قدامى، مشاكل قديمة

وفي ظل هذه النزاعات المستمرة على المياه، تجد بنجلاديش صعوبة في التصدي للهند، جارتها القوية التي ساعدتها في الحصول على الاستقلال عام 1971.

وعن ذلك قال أديلور خان، أمين منظمة أُذكار غير الحكومية لحقوق الإنسان أن "الوضع صعب لأن الهند دولة كبيرة... وعلى المستوى الرسمي، فإنها تعتبر بمثابة الأخ الأكبر الذي يمارس ضغوطاً على جيرانه الصغار".

ولم تقم اللجنة المشتركة بين البلدين حول النهر التي تم إنشاؤها في عام 1972 ومعاهدة عام 1996 لتقاسم المياه بين البلدين بشيء يذكر لحل المشكلة.

ومع عدم وجود نهاية في الأفق لهذا النزاع، يتفق الخبراء على ضرورة إجراء محادثات متعددة الأطراف بين الهند وبنجلاديش والصين وبوتان ونيبال، دول الجوار الخمس التي تشكل حوض الغانج - براهمابوترا- ميجنا.


mc/at/cbamz/dvh

"