جرائم الحرب في أفغانستان تطفو على السطح؟

 أثار ارتفاع عدد الإصابات بين المدنيين وتسريب موقع ويكيليكس" للآلاف من وثائق الحرب السرية مطالب جديدة بضرورة تقديم مجرمي الحرب في أفغانستان للمحاكمة.

فبعد إصدار بعثة المساعدة الدولية في أفغانستان لتقريرها عن ضحايا الحرب المدنيين يوم 10 أغسطس، بادرت منظمة العفو الدولية، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، بالمطالبة بمحاكمة حركة طالبان لارتكابها جرائم حرب.

وفي هذا السياق، صرح سام ظريفي، مدير قسم آسيا والمحيط الهادئ بمنظمة العفو الدولية، في بيان صحفي أن "مقاتلي طالبان وغيرهم من المقاتلين أصبحوا أكثر جرأة في قتلهم المنهجي للمدنيين" وأن "استهداف المدنيين يعد جريمة حرب".

وكانت حركة طالبان قد تعرضت للإدانة بسبب مزاعم بشنها هجمات متعمدة ومنظمة وواسعة النطاق على المدنيين، حيث ألقى تقرير بعثة الأمم المتحدة، باللوم على المتمردين في سقوط 76 بالمائة من الضحايا المدنيين الذين بلغ عددهم 3,286 (بما في ذلك 1,271 قتيلاً و1,997 جريحاً) تم الإعلان عنهم خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2010. ولكن حركة طالبان رفضت التقرير واعتبرته منحازاً.

كما نسبت البعثة سقوط 12 بالمائة من الضحايا المدنيين (أي 223 قتيلاً و386 جريحاً) إلى القوات الموالية للحكومة.

وألقى التقرير باللوم في ارتفاع عدد الإصابات في صفوف المدنيين على حركة طالبان، منوهاً في الوقت نفسه بتمكن القوات المحلية والدولية الموالية للحكومة الأفغانية من الحد من الأضرار العسكرية على غير المقاتلين. كما وصف الخسائر البشرية المدنية الناتجة عن عمليات هذه القوات بأنها غير مقصودة.

غير أن الوثائق الحربية الخاصة بالقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي والتي تم تسريبها تشير إلى جرائم حرب محتملة ارتكبتها القوات الموالية للحكومة، وفقاً لمؤسس ومدير يكيليكس، جوليان أسانج.

ما هي جرائم الحرب؟

وتشكل جرائم الحرب التي يتم ارتكابها خلال النزاعات المسلحة الدولية أو الأهلية انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، حسب مارني إيلسبيث، المستشارة القانونية لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأوضحت أن جرائم الحرب تشمل القتل العمد والتعذيب للأشخاص المحميين (كالمقاتلين الجرحى أو المرضى وأسرى الحرب والمدنيين)، واستخدام الأسلحة أو أساليب الحرب المحظورة، وسوء استخدام الشعار المميز للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو أية علامات حماية أخرى.

وتشمل الانتهاكات الخطيرة الأخرى لحقوق الإنسان، والتي يتم التبليغ عنها خلال الحروب أو خلال الاضطرابات الاجتماعية، الجرائم ضد الإنسانية التي تشمل القتل والتهجير والسجن والتعذيب والاعتداءات الجنسية والمحاكمات على أساس ديني أو عرقي أي غيرهما من أشكال التمييز.

وأوضحت إيلسبيث لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هذه الأعمال غير الإنسانية تصل إلى حد اعتبارها جرائم ضد الإنسانية عندما تصبح جزءاً من ممارسة واسعة النطاق أو ممارسة منهجية"، مشيرة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان المعزولة أو الفردية لا تصل إلى حد اعتبارها جرائم ضد الإنسانية.

من المسؤول عن التحقيق في هذه الجرائم؟

وتقع المسؤولية الأساسية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومحاكمة مرتكبيها على عاتق الدول، وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. ولكن عندما تعجز الدول عن القيام بذلك، فإن بإمكانها أن تطلب من المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تقديم الدعم في ذلك.

ففي عامي 1993 و 1994، أذن مجلس الأمن الدولي بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا.

وعلقت إيلسبيث على ذلك بقوها: "يجب محاكمة مجرمي الحرب المشتبه بهم في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن. وتتحمل الدول مسؤولية ضمان أن يتم ذلك".

وقد تم نسب قتل مئات الآلاف من المدنيين والعديد من الجرائم الخطيرة التي تم ارتكابها في العقود الثلاثة الماضية من الحرب إلى مختلف الأطراف الأفغانية والأجنبية المتحاربة والميليشيات.

غير أن الحكومة أو الأمم المتحدة لم تحققا رسمياً حتى الآن في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وقال حامد علمي، المتحدث باسم الرئيس كرزاي أنه قد "وقعت بالفعل جرائم حرب في أفغانستان، والحكومة ملتزمة بتقديم المجرمين إلى العدالة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة".

وأضاف أن العديد من المجرمين هاربون وبالتالي بعيدين عن منال الحكومة. وأوضح أن أي طلب للتعاون الدولي في التحقيق والفصل في جرائم الحرب يجب أن يأتي من السلطة القضائية في أفغانستان.

تهدئة المتمردين

وتقول جماعات حقوق الإنسان أن حكومة حامد كرزاي صرفت النظر عن خطة العدالة الانتقالية، التي تهدف إلى الكشف عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تم ارتكابها بين عامي 1979 و2001.

وقد تم توجيه اتهامات لكرزاي بإقامة تحالفات استراتيجية وتوفير الدعم السياسي لأمراء الحرب وزعماء الميليشيات الذين يزعم بأنهم ارتكبوا جرائم مروعة على مدى السنوات الثلاثين الماضية، والشروع في استراتيجية سلام مثيرة للجدل.


وقال أجمل صمدي، مدير مرصد حقوق الإنسان بأفغانستان، وهي منظمة حقوقية مقرها كابول، أن "كرزاي يحاول أن يقدم لطالبان شيكاً على بياض لضمان بقائه... وتحصل بموجبه على الحصانة والشرعية والمشاركة في السلطة".

غير أن كرزاي رفض هذه الانتقادات ودعا المتمردين مراراً إلى وقف العنف والانخراط في الحياة السياسية. ولكن المتمردين رفضوا بشدة هذه الدعوات وتوعدوا بتوسيع دائرة التمرد المسلح.

ويحفل تاريخ أفغانستان الحديث بانتهاكات حقوق الإنسان، وربما بالكثير من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولكن لا يتوفر بالمقابل سوى القليل من الإرادة السياسية المحلية أو القدرة على إجراء تحقيقات في هذه الانتهاكات وتقديم الأشخاص المحليين والأجانب الذين يعتقد بتورطهم بها للمساءلة.

"وبوصفها راعية للقانون الدولي الإنساني، تدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجهود المبذولة لإنهاء الحصانة ضد الجرائم الدولية وتولي اهتماماً كبيراً لإنشاء المحاكم الجنائية الدولية والقرارات الصادرة عنها،" وفقاً لإلسبيث التي أضافت: "ولكن كمنظمة محايدة ومستقلة، نحن على يقين بأننا لن نكون قادرين على القيام بذلك إلا عن طريق الحوار المستمر والسري مع جميع الأطراف المتنازعة."



ad/cb-az/dvh

"