العراق: استمرار العنف يسبب تبادل الأدوار بين الجنسين

 حتى عام 2003، كانت سلوى خطاب عمر توظف سائقين لنقلها من مكان إلى آخر ويرافقها ثلاثة حراس كانوا يقطنون في الكارافان المجاور لبيتها في بغداد. كانت سلوى تعيش حينها أسلوب حياة في ذلك الوقت يعفيها من الكثير من المسؤوليات.

ولكن بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003 لم يعد الوضع كما كان بالنسبة لزوجة ضباط كبير في الجيش العراقي في العهد السابق. فقد وجدت سلوى نفسها مسؤولة فعلياً عن كل شيء.

وأخبرت سلوى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن زوجها لا يستطيع مغادرة المنزل خوفاً من استهدافه كغيره من مسؤولي النظام السابق" وأشارت إلى الوضع الجديد قائلة: "على العكس من السابق، أصبح علي الآن أن اصطحب أولادي وبناتي لمدارسهم وجامعاتهم بالإضافة إلى الاهتمام بأمور المنزل الأخرى". وأضافت بأنهم اضطروا لترك منزلهم واستئجار منزل آخر في حي لا يعرف فيه أحد زوجها وتاريخه الوظيفي.

وكان الرجل العراقي عادةً هو من يعمل لإطعام الأسرة بينما كانت المرأة تتولى شؤون البيت الداخلية، إلا أن تواصل العنف واستمرار التهديدات التي يتلقاها الرجال، قد أجبر العديد من النساء على تحمل مسؤوليات أسرية أكثر، مما جعل بعض الخبراء يتحدثون عن ظاهرة جديدة أطلقوا عليها اسم ظاهرة "تبادل الأدوار بين الجنسين".

وقالت خلود ناصر محسن، الباحثة في شؤون الأسرة والطفل بجامعة بغداد: "لا يحترم مجتمعنا الرجل الذي يقعد عاطلاً في البيت بينما تتولى زوجته العمل في الخارج لإطعام الأسرة".

وأضافت أن "هذه الظاهرة ستضعف دور الأب في الأسرة وتقلل من احترام أطفاله له، وستؤثر حتماً على مجتمع يعاني أصلاً من الانهيار".

الرجال ضحايا العنف

فمنذ فبراير/شباط 2006، أي عندما تعرض مرقد شيعي شمال بغداد للتفجير، دخلت السنّة والشيعة في دوامة من الاقتتال الطائفي. وأفادت دراسة تم نشرها في السنة الماضية من قبل المجلة الطبية المعروفة، ذا لانسيت (The Lancet) بأن 91 بالمائة من قتلى العنف الدائر في العراق هم من الرجال.

وأوضحت هذه الدراسة التي كانت مثار جدل لأنها اعتمدت في بحثها على مسح للأسر العراقية وليس على تعداد فعلي للضحايا، بأن حوالي 655,000 عراقي قد لقوا مصرعهم خلال ثلاث سنوات من القتال في العراق، وهو العدد الذي يفوق بعشر مرات أي إحصاءات مستقلة بهذا الخصوص.

النساء تتلقين جثت أقربائهن القتلى

وقبل أسبوعين تقريباً، وجدت فوزية إبراهيم محمد البالغة من العمر 36 عاماً وأم لأربعة أطفال نفسها تمر بتجربة مرة عندما اضطرت إلى الذهاب إلى المشرحة للمطالبة بجثة أخيها وجثتي اثنين من أقربائها. وقالت فوزية: "يتعرض الرجال حتما للقتل على يد الميليشيات الشيعية".

وكان أقرباؤها الثلاثة قد تعرضوا للخطف عند إحدى نقاط التفتيش التي يعمل فيها أفراد شرطة شيعيين جنوب بغداد، وتم تسليمهم لجيش المهدي، وهي ميليشيا شيعية تابعة للزعيم مقتدى الصدر، تنسب إليها العديد من عمليات القتل. وكانت جثتهم التي اخترقها الرصاص قد وجدت في أحد الأيام مرمية على الطريق وقد ملأتها آثار التعذيب وكانت وأرجلهم مقيدة كذلك.

وأضافت فوزية بأن "رجال الميليشيا يظلون دائماً بالقرب من المشرحة لاختطاف الرجال الذين يأتون لاستلام جثت أقربائهم. لا نريد أن نفقد المزيد من رجالنا، لذلك نخاطر بالمجيء إلى هنا بالرغم من أن هذه أول مرة أسافر فيها لوحدي".

وفي المقابل، يتجنب الرجال الشيعة التنقل في الأماكن التي يسيطر عليها المقاتلون السنّة حتى لا يتعرضوا بدورهم للخطف أو القتل. وفي الشهر الماضي لم يتمكن عبد الزهرة ناصر جمعة، 55 عاماً، من مرافقة جنازة ابنه إلى مدينة النجف، 200 كلم جنوب بغداد حيث يدفن الشيعة موتاهم. وقال عن ذلك: "لقد بعثنا النساء فقط مع سائق سنيّ، لأن الجنازة كانت ستمر عبر مناطق يسيطر عليها المقاتلون السنّة جنوب بغداد، حيث لا يترددون في اختطاف الرجال الشيعة وقطع رؤوسهم مباشرة".

وأوضحت خلود ناصر محسن بأن العديد من الرجال يهربون من البلاد، أو يقبعون بالبيوت أو السجون، ولذلك تقع العديد من المسؤوليات على عاتق النساء في المستقبل. "فإذا استمر الوضع الأمني في التدهور، ستضطر العديد من النساء إلى العمل كسائقات لسيارات الأجرة والشاحنات. كما ستعمل العديد منهن في المحلات التجارية أو في المجال التقني أو الميكانيكي".

"