إندونيسيا: فك قيود المرضى العقليين

قد يتصرف المرضى المصابون باضطرابات عقلية شديدة في إندونيسيا بعدوانية تصيب أسرهم ومجتمعاتهم المحلية باليأس. وفي ظل غياب الرعاية الصحية الأساسية للأمراض العقلية، تلجأ الأسر إلى ربط كاحلي المريض بالسلاسل والأغلال أو ربطه إلى أعمدة خشبية لشهور أو سنوات طويلة.

ويعيش هؤلاء المرضى، الذين يجدون أنفسهم مقيدين أو محاصرين في غرفهم، ظروفاً صعبة للغاية ويعانون بسبب ذلك من ضمور حاد في العضلات يجعلهم غير قادرين على المشي أو الجلوس.

وبالرغم من أن إندونيسيا تتمتع ببنية تحتية صحية واسعة النطاق، إلا أن الرعاية الصحية الخاصة بالأمراض العقلية لا تزال نادرة خاصة في المناطق الريفية والنائية، مما يضطر الأسر والمجتمعات المحلية لإبقاء المرضى العقليين تحت السيطرة عبر تقييدهم والحد من حرية حركتهم فيما يعرف محلياً باسم ‘باسونغ’ pasung"، وذلك للحيلولة دون إلحاقهم الأذى بأنفسهم أو بغيرهم.

وتعليقاً على ذلك، قالت هرفيتا دياتري، وهي طبيبة نفسية في كلية الطب بجامعة إندونيسيا قامت ببحث هذه الظاهرة: "هذا انتهاك لحقوق الإنسان ولكنه ناتج عن ندرة خدمات الصحة العقلية".

وأوضحت دياتري أن ممارسة الباسونغ دليل على مدى يأس الأسر، "لعدم حصولها على ما يكفي من مال لإحضار مرضاها إلى مرافق الصحة العقلية...ولندرة هذه المرافق والخدمات".

ويحاول الخبراء والحكومة القضاء على هذه الممارسة، ومع وجود برنامج تدريبي للصحة العقلية في إقليم آتشيه شرق البلاد، بتمويل جزئي من المانحين الدوليين إثر تسونامي ديسمبر 2004، تمكن الممرضون والأطباء من تحرير ومعالجة 120 من أصل 289 مريضاً من مرضى الباسونغ المعروفين.

وتقدر دياتري أن هناك 15,000 شخص يعانون من ممارسة الباسونغ في جميع أنحاء إندونيسيا بالرغم من أنها تعتقد أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير.

ويعاني إقليم آتشيه الذي يقطنه 4.5 مليون نسمة من أعلى معدل للأمراض العقلية مقارنة ببقية البلاد بسبب ثلاثة عقود من الصراع والتسونامي الذي أودى بحياة أكثر من 167,000 شخص وتسبب في نزوح نصف مليون شخص آخر.

وفي هذا السياق، أشار البحث الوطني للصحة الأساسية في إندونيسيا لعام 2007 إلى أن 14.1 بالمائة من سكان آتشيه يعانون من الاكتئاب والقلق مقارنة بـ11.6 بالمائة على الصعيد الوطني، في حين يعاني 1.9 بالمائة منهم من اضطرابات عقلية حادة، وهو أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل الوطني الذي يقدر بـ 0.5 بالمائة.

ومنذ كارثة التسونامي، تلقى 534 ممرضاً و203 طبيباً تدريباً في مجال الصحة العقلية، كما حصل حوالي 5,961 متطوعاً على إيضاحات حول التعرف على الأشخاص المحتاجين للمساعدة في مجال الصحة العقلية لتوفيرها لهم.

الرعاية في المنزل

وقد ركز البرنامج التدريبي على الممرضين لأن معظمهم من آتشيه واحتمالية انتقالهم إلى خارج المنطقة ضئيلة مقارنة بالأطباء. وقد قام البرنامج بتدريبهم على كيفية إعطاء المرضى الدواء والمشورة وفي الوقت نفسه الاهتمام بأفراد الأسرة الذين لم يتمكنوا قط من فهم حالة المريض.

وأفادت شريفة ياسي هدياتي، منسق استشارات الصدمات في المكتب الإقليمي للصحة في آتشيه، أنه "من الأفضل علاج هؤلاء المرضى العقليين في مجتمعاتهم وليس في مستشفى الصحة العقلية، فهذا يساعد على خفض الوصمة ويعطي دعماً للأسرة والمجتمع".

وقد تمكن مقدمو الرعاية الصحية العقلية المدربون حديثاً من تقديم المساعدة لـ 14,000 مريض خلال الفترة بين 2005 و2009، بما في ذلك القيام بـ 8,355 زيارة منزلية. كما وصل الممرضون لمرضى الباسونغ الـ 289، وقدموا لهم العلاج في المنازل أو سهلوا عملية قبولهم في المستشفى العقلي في باندا آتشيه.

وعلق ألبرت ماراميس، وهو طبيب نفسي بمنظمة الصحة العالمية ساعد في تنسيق برنامج التدريب، على ذلك بقوله: "يستطيع المجتمع والأسرة أن يلحظوا أن المريض كان قبل ثلاثة أيام عنيفاً ولكن بعد زيارة ممرض الصحة العقلية وإعطائه الدواء له أصبح أقل عدوانية وبات بإمكانه التحدث كأي شخص سليم".

وأوضح أنه عندما يتم إدخال الشخص إلى مستشفى بعيد عن بيته لشهور عديدة فإنه الأسرة والمجتمع لا يتتبعان التقدم الذي يحرزه أو العلاج الذي يخضع له. لذلك "تبقى لديهم صورة هذا الشخص العنيف والخطير وعندما يعود مرة أخرى إلى البيت يظل لديهم شعور بالخوف [حيال ما قد يصدر عنه من ردود أفعال]. أما عندما يتتبعون علاجه، فإن شعورهم بالخوف يقل شيئاً فشيئاً".

في المستشفى العقلي



الصورة: مكتب الصحة في إقليم آتشيه
تقوم بعض الأسر والمجتمعات المحلية الإندونيسية بتقييد المرضى العقليين بالسلاسل والأغلال

غير أن أكثر مرضى الباسونغ خطورة يُقبلون بقسم العناية المركزة بمستشفى الأمراض العقلية بباندا آتشيه.

وفي هذا المستشفى الذي زارته شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، كان أربعة رجال يرتدون الزي الفيروزي الخاص بالمرضى جالسين على كراسيهم المتحركة في حديقة المستشفى غير قادرين على الحركة بعد أن تم تخديرهم. وقد غطت الندوب سيقان بعضهم بينما كانت سيقان البعض الآخر تعاني من الانتفاخ أو ضمور العضلات.

وقد استقبل المستشفى هذا العام 42 مريضاً من مرضى الباسونغ حتى الآن من بينهم رجل في الثانية والعشرين من عمره تم تقييده منذ أن كان عمره 12 عاماً.

وعن أحوال المرضى في المستشفى، قال وحيو قدري، وهو ممرض كان يسهر على حراسة الرجال: "في كل يوم يتحسن وضع المرضى أكثر فأكثر. عندما قدم المرضى إلى هنا في البداية كانوا لا يستطيعون المشي أو حتى الجلوس. كانوا يبقون دائماً في وضع الاستلقاء أما الآن فالبعض منهم قد بدء في الجلوس والمشي".

وتقدم قدري بمناشدة واحدة قائلاً: "نحن بحاجة إلى المزيد من الكراسي المتحركة والمزيد من العكازات".


at/mw –amz/dvh

"