قاتل القمح يبحث عن فريسة

بمجرد أن اعتقد العلماء أنهم تمكنوا من وضع حد للفطريات المتحورة المعروفة بـ Ug99، وهي إحدى الأشكال المسببة لصدأ القمح، ظهرت أربعة أشكال جديدة من مسببات هذا المرض القاتل خلال السنوات الثلاث الماضية، مما يشكل تهديداً كبيراً لأكثر الحبوب استهلاكاً في العالم.

وقال زاك بريتوريوس، أستاذ أمراض النباتات في جامعة فري ستيت، أن أحدث تحور، أو نوع من Ug99، اكتشف عام 2009 في جنوب إفريقيا؛ كما عثر على نوع آخر في حزام القمح في مقاطعة كيب الغربية بجنوب إفريقيا في عام 2007.

أما النوعان الآخران من Ug99 فعثر عليهما في عامي 2006 و 2007 في كينيا، ومنها انتشر المرض بسرعة حتى وصل إلى إثيوبيا ومن ثم عبر البحر الأحمر إلى اليمن وإيران.

وقد عانت إثيوبيا وكينيا كثيراً من أوبئة صدأ القمح الخطيرة التي تسببت في خسائر كبيرة في المحاصيل في عام 2007، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، التي قدرت أن حوالي 80 بالمائة من جميع أصناف القمح المزروعة في آسيا وإفريقيا عرضة للإصابة بفطريات Ug99.

ويمكن لصدأ ساق القمح، المعروف أيضاً باسم صدأ القمح الأسود، أن يدمر حقولاً ومحاصيل كاملة، حيث يدخل إلى سيقان النبات ويدمر أنسجته الوعائية. وهناك ثلاثة أنواع من الصدأ يمكنها أن تلحق أضراراً بالقمح، ولكن صدأ القمح الأسود، التي تعتبر فطريات Ug99 إحدى أشكاله، هو أكثر ما يثير القلق، وفقاً لمبادرة بورلوغ العالمية للصدأ، التي سميت باسم عالم القمح الحائز على جائزة نوبل نورمان بورلوغ، الذي حذر من الخطر الذي تشكله هذه الفطريات قبل وفاته في عام 2009.

وقد تشكلت المبادرة التي قادها بورلوغ وغيره من علماء القمح الدوليين بعد آخر وباء صدأ قمح رئيسي اجتاح حقول أميركا الشمالية في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ودمر حوالي 40 بالمائة من المحصول. وقد ساهمت المبادرة في تطوير أصناف مقاومة للصدأ حتى ظهر Ug99 في أوغندا عام 1999، التي أطلقت عليه هذا الاسم.

وقال رافي سينغ، كبير العلماء في مجال علم الوراثة والأمراض النباتية في المركز الدولي لتحسين القمح و الذرة الذي يتخذ من المكسيك مقراً له: سيكون علينا الآن التأكد من أن كل سلالة جديدة من القمح ننتجها تقاوم كل فطريات Ug99 والأشكال الجديدة منها".

وأضاف أنه "مع التحورات الجديدة التي نراها، لا يمكن للبلدان أن تنتظر حتى تصيبها لدغات الصدأ، فنوع Ug99 الذي تم العثور عليه في كينيا، على سبيل المثال، انتقل من مرحلة الاكتشاف الأولي في كميات ضئيلة [عام 2006] إلى مستويات وبائية في العام التالي".

التحورات الجديدة

وقد اكتسبت التحورات أو"الأجناس" الجديدة القدرة على هزيمة اثنين من أهم الجينات المقاومة لصدأ القمح المستخدمة على نطاق واسع في معظم برامج إنتاج القمح في العالم. وقال سينغ أنه عندما ظهر نوع جديد من Ug99 في كينيا، اضطر المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح لتأخير تدشين سلالات جديدة من القمح كانت تحتوي على جين واحد فقط مقاوم لصدأ القمح الأسود.

وتنتشر فطريات الصدأ، التي تسبب بقع بلون الصدأ في الأجزاء المصابة من النبات، بواسطة الأبواغ التي يمكنها تحمل الشتاء القاسي، ولكنها تتكاثر في الأجواء الأكثر دفئاً. وعادة ما تنتقل الأبواغ بواسطة الرياح - وفي بعض الأحيان عن طريق الملابس - لمسافات طويلة وعبر القارات.

وسيقدم العالم الجنوب إفريقي بريتوريوس، الذي صنف الأجناس الجديدة، النتائج التي توصل إليها أثناء إجتماع لخبراء القمح العالميين في 30 مايو في سانت بطرسبرج بروسيا لمناقشة مكافحة صدأ القمح الأسود.

وقال بريتوريوس: "لقد أظهر عملي في الدفيئات أنه من بين 129 صنفاً تجارياً في جنوب إفريقيا وفي خطوط التربية المتقدمة التي تم اختبارها، كان 47 بالمائة عرضة في مرحلة الشتلات للإصابة بأحد نوعي صدأ الساق الجديدين أو كلاهما معاً".

والخبر السار هو أنه يمكن منع هذا المرض باستخدام مبيدات الفطريات. ففي جنوب إفريقيا، يزرع المزارعون التجاريون القمح، وهم على دراية بالتهديد، ولكن صغار المزارعين في البلدان النامية، الذين لا يتمكنون غالباً من الحصول على مبيدات الفطريات أو على المعلومات حول هذا المرض، هم الأكثر عرضة للخطر.

وتنتج جنوب إفريقيا نحو مليوني طن من القمح سنوياً من الـ 2.8 إلى 3 ملايين طن التي تستهلكها، ويذهب معظمها لإنتاج الخبز. وقال بريتوريوس أنه "يمكن أن يكون لانتشار المرض عواقب وخيمة، لأننا بالفعل نعتمد على الواردات... فالخطر الأكبر هو الأبواغ التي تنتشر إلى البلدان والقارات المجاورة، حيث يزرع صغار المزارعين ذوو الموارد المحدودة القمح".

ويبقى الخيار الأسلم هو الاستمرار في تطوير الأصناف المقاومة لصدأ القمح الأسود. وأوضح سينغ أن المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح قد طور عدة جينات بسيطة لمقاومة الصدأ تم جمعها معاً لمكافحة العدوى، مما منحها تفوقاً على جين مقاومة الصدأ الوحيد. وأضاف أن "وجود عدة جينات مقاومة للصدأ يجعل من الصعب على الفطر مهاجمة [الجينات المجمعة] وتحطيمها".

وقال سينغ أنه يجري حالياً توجيه الجهود نحو إنتاج أصناف من القمح عالية الغلة ومقاومة للصدأ من أجل تحفيز المزارعين على زراعتها. "فالعديد من المزارعين في البلدان النامية ليسوا على علم بالأصناف المقاومة للصدأ أو يترددون في استخدامها".

jk/he-ais/dvh

"