سوريا: الجفاف يدفع المزارعين إلى المدن

أُجبرت الآلاف من أسر المزارعين السوريين على الانتقال إلى المدن بحثا عن عمل بديل بعد عامين من الجفاف وسنوات عدة من تدهور المحاصيل.

وفي هذا السياق، أفاد عبد القادر أبو عوض منسق إدارة الكوارث لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن الموقف الآن أصبح سيئا للغاية، فقد بدأنا نتكلم عن أرض صحراوية بدلا من أرض زراعية". وأضاف أنه "لم يعد بإمكان الناس الاستمرار في العيش في تلك البيئة وقد أصبحت الهجرة تشكل آخر سبل التأقلم لديهم".

وقد دخلت موجة الجفاف في سوريا الآن عامها الثاني مسببة أضرارا للمناطق الزراعية في شمال وشرق البلاد وخاصة في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد. وطبقا لخطة الأمم المتحدة للاستجابة للجفاف التي تم وضعها بعد بعثتين لعدد من الهيئات فإن إنتاج القمح بالبلاد انخفض إلى 55 بالمائة فقط من الإنتاج المعتاد كما تعرض الشعير لأضرار كبيرة.

وطبقا لما ذكرته الأمم المتحدة فقد تعرضت 60 بالمائة من الأراضي السورية و 1.3 مليون شخص (من إجمالي السكان البالغ عددهم 22 مليون) إلى أضرار بسبب عدد من الأسباب المختلفة من بينها تغير المناخ والتصحر الناتج عن الأنشطة الإنسانية ونقص الري. وطبقا للاتحاد الدولي للصليب الأحمر والأمم المتحدة فإن ما يزيد عن 800 ألف شخص فقدوا موارد رزقهم بالكامل.

ولا يعرف أحد على وجه التحديد كم عدد الأشخاص الذين هاجروا في أنحاء البلاد بسبب الجفاف. غير أن تقديرات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي السورية تشير إلى أن العدد وصل في شهر يوليو إلى مابين 40 و60 ألف أسرة من بينهم 35 ألف أسرة من الحسكة وحدها. ولكن نظرا لاستمرار تنقل الناس في كل الأوقات فإنه من المرجح أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع.

وقد توصلت خطة الأمم المتحدة للاستجابة للجفاف إلى أن "الهجرة الهائلة تشهد تزايدا كبيرا في المناطق المتضررة". وقد ذكر التقرير أن المهاجرين يتوجهون إلى مدن دمشق وحلب وحمص.

وقال عوض أنه "من الصعب جدا مراقبة حجم الهجرة لأنها تحدث بصورة مستمرة"، مضيفا أنه "عندما تتوجه المنظمات غير الحكومية إلى منطقة ما لا يكون لديها أي ضمان باحتمال بقاء أي أحد هناك".

"لم يتبق لنا شيئ هناك"

نتقل حسن حامي وأسرته في يوليو إلى ضاحية في دمشق بعدما فقد مورد رزقه كمزارع قمح في قريته الواقعة على الحدود الشمالية الشرقية مع تركيا على بعد 650 كم من دمشق. ويشرح سبب رحيله بقوله: "لم يتبق لنا شيء هناك". وأضاف: "لقد توقفت عن الزراعة وبدأت أقوم ببيع البلاستيك لفترة من الوقت ولكن ذلك لم يكن كافيا. فاضطررنا إلى اقتراض الكثير من المال من الناس فقط لكي نبقى على قيد الحياة".

وأوضح أن الهجرة شكلت بالنسبة لهم الملجأ الأخير قائلا "ليس هذا منزلنا ولكن مع عمل ابني وزوجته يمكننا بالكاد أن نتدبر أمورنا".

ويعيش الآن حسن وزوجته وابنه وزوجة ابنه وأحفاده الأربعة في شقة صغيرة خالية. ويكسب ابنه وزوجة ابنه 9000 ليرة سورية (196 دولار) شهريا من خلال العمل في نوبات في مصنع محلي. وتجاورهم في مبناهم وفي المبنى المجاور أسر أخرى هاجرت هي الأخرى بسبب الجفاف.

التأثيرات الجانبية

تسبب الهجرة مشكلات اجتماعية جانبية لتلك الأسر التي خلفت ورائها مجتمعات متماسكة انتمت إليها. ويقول السكان المحليون أن معدلات الجرائم تتزايد في المناطق التي استوطنها مهاجرو الجفاف بسبب الفقر.

وقد أشار تقرير البعثة المشتركة للأمم المتحدة في يوليو إلى أنه يتم إرسال المزيد والمزيد من الأطفال إلى العمل بدلا من إرسالهم إلى المدارس.

وقالت شهرزاد بوليا الممثلة المقيمة لمنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف) في سوريا أن "الجفاف تسبب في ارتفاع معدل التسرب من الدراسة"، مضيفة أنه "من المهم أن لا تفوت فرصة التعليم على الأطفال. نحن نحاول تقديم الدعم للناس حتى لا يحتاج أطفالهم إلى ترك المدرسة من أجل العمل. وبالنسبة لهؤلاء الذين يتنقلون نحاول التأكد من التحاقهم بمدارس جديدة".

أما الأسر التي تبقى في مناطقها بسبب عدم رغبتهم أو قدرتهم على الانتقال فإنها تستمر في المعاناة من كثيرة. منها ما ذكرته خطة الأمم المتحدة للاستجابة للجفاف والمتمثل في جفاف مياه الشرب أو تلوث المصادر الموجودة مما يهدد بحدوث أمراض. وقالت الأمم المتحدة أن الأسعار ترتفع كلما أصبح الغذاء شحيحا ويعيش الناس على الخبز والشاي المحلى بالسكر.

المساعدات تهدف إلى وقف الهجرة


الصورة: ReliefWeb
خريطة سوريا توضح محافظة الحسكة التي ضربها الجفاف في شمال شرق البلاد

قام الاتحاد الدولي للصليب الأحمر في أغسطس بتقديم 300340 دولار من الصندوق الخاص بالطوارئ إلى الهلال الأحمر السوري من أجل توزيع الغذاء على معظم الناس الضعفاء. وستقوم المنظمات بإطلاق مناشدة مشتركة لتمويل معدات تنقية المياه في المدارس ولتعزيز الصحة العامة. وقد قامت الحكومة السورية ومنظمات الأمم المتحدة بتوزيع عبوات غذائية وحبوب في الماضي.

وتأمل منظمات الإغاثة في أن تمكن إجراءات الطوارئ من وقف المزيد من الهجرة. حيث أشار عوض إلى أنه "عندما يصل المرء إلى مرحلة الاستسلام والهجرة فإن الأمور تكون قد ساءت إلى حد كبير". وأضاف قائلا: "ولكن الكثير من الأسر لا تريد ترك موطنها، كما أن الأسر التي سبقت وتركت مواطنها تريد العودة إليه".

وتقول وكالات الإغاثة أن هناك حاجة إلى خطة مستديمة طويلة الأمد للمناطق المتضررة. حيث قال عوض: "نحتاج إلى إجراء دراسات لتحديد استراتيجية خفض خطر الكوارث بهدف التغلب على تغير المناخ وتحسين الممارسات الزراعية... التي قد تشمل زراعة أشجار جديدة وأنظمة ري جيدة وتشريعات لمنع الاستخدام المفرط للأرض. ولن يعود أحد إذا لم يتوفر لديه مورد رزق يعود إليه".

sb/ed/cb/hk/az

"