هل ما تزال اتفاقيات جنيف قائمة؟

خلفت معركة سولفيرينو التي وقعت قبل 150 عاماً 40 ألف قتيل وجريح بين عسكري ومدني. وبسبب قلة الأطباء المتوفرين في تلك القرية، قام السويسري هنري دونانت بمساعدة أهلها بالاهتمام بضحايا المعركة ورعايتهم. وقد قادته هذه التجربة إلى تأسيس حركة الصليب الأحمر الدولي التي تحتفل بالذكرى السنوية لتأسيسها في 24 يونيو/حزيران من كل عام.

بدأت حركة الصليب الأحمر بوضع معاهدة لقوانين الحرب تمت المصادقة عليها عام 1949 وسميت باتفاقيات جنيف. وجاءت هذه القوانين لحماية المقاتلين والسجناء وغير المقاتلين في النزاعات في حين نص بروتوكولاها الإضافيان في عام 1977 على حماية المدنيين في النزاعات الدولية والداخلية.

وقد تزايد الغموض حول ما يمكن اعتباره حرباً أو هجوماً إجرامياً وحول من هو طرف النزاع ومن هو المدني. ولذلك وجهت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) تساؤلات لخبراء القانون والشؤون الإنسانية حول كيفية تغير النزاعات في القرن الحادي والعشرين وما إذا كانت اتفاقيات جنيف لا تزال قائمة عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين في النزاعات.

كيف تغيرت النزاعات في القرن الحادي والعشرين؟

ماري كلدور هي أستاذة ومديرة مركز دراسات شؤون الحكم العالمية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ألفت كلدور عدة كتب من بينها "الحرب الوهمية" (1990)، و"الحروب الجديدة والقديمة: العنف المنظم في عصر العولمة" (1999)، و"المجتمع المدني العالمي: الحل للحرب" (2003).

كانت معركة سولفيرينو مختلفة جداً عن النزاعات المعاصرة حيث كانت بين أطراف متحاربة ثم تحولت إلى جيوش هاجم كل منها الآخر وكانت أطراف الصراع الرئيسية فيها هي الدول. أما اليوم فإن أعمال العنف الرئيسية يتم ارتكابها ضد المدنيين.

وفي بعض الأحيان لا يتم اليوم الإعلان عن الحروب بأنها حروب، وذلك يفتح مجالاً للجدل حول ما إذا كانت اتفاقيات جنيف تنطبق بالفعل عليها. فنحن نرى مزيجاً من الجريمة المنظمة والحروب وانتهاكات حقوق الإنسان ومثال على ذلك النزاع الذي جرى في سيراليون.

وكانت الولايات المتحدة قد أفادت أيضاً أنه لا يمكنها التمييز بين المدنيين والمقاتلين في الحروب الحالية ضد المسلحين في العراق وأفغانستان.

كنوت دورمان هو مستشار في قسم الشؤون القانونية باللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف وهو مؤلف كتاب "عناصر جرائم الحرب طبقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية".

ربما يصح القول أن الموقف قد زاد تعقيداً في وقتنا هذا. فعندما يكون لديك جماعات مسلحة غير تابعة لدولة ما وتتفرع إلى جماعات مختلفة، فكيف يمكنك التفاعل مع كل منها؟ وهل لدى تلك الجماعات معرفة كافية بالقانون؟

يتزايد موضوع التمييز [بين المدني وطرف النزاع كما هو محدد في البروتوكول الإضافي رقم 1 لعام 1977] تعقيداً. فالمدنيون يفقدون حمايتهم عندما يشاركون بصورة مباشرة في الأعمال الحربية ولكن ماذا يعني ذلك؟ فهناك منطقة رمادية واسعة بين تقديم الطعام لجندي وبين قتل جندي.

هوجو سليم هو باحث في الشؤون الإنسانية وزميل زائر في معهد الأخلاقيات والقانون والنزاع المسلح في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب "قتل المدنيين: المنهج والجنون والأخلاق في الحرب" عام 2008.

يؤذي البشر بعضهم البعض في الحرب بنفس الطريقة تقريباً منذ آلاف السنيين. ومع تغير التكنولوجيا سنحتاج إلى الاستمرار في اعتماد اتفاقيات وبروتوكولات جديدة حول الأسلحة الجديدة. وهذا هو الحال بالفعل كما نرى في معاهدة الذخائر العنقودية الجديدة [التي تمت المصادقة عليها في ديسمبر/كانون الأول 2008]، ومعاهدة الدولية لحظر الألغام الأرضية لعام 1997 واتفاقية الأسلحة الكيماوية لعام 1997.

هل يمكن لاتفاقيات وبروتوكولات جنيف أن تكون كافية لحماية المدنيين في النزاعات أم أن القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى شيء مختلف؟

كنوت دورمان: تعتبر اتفاقيات جنيف أداة لا يمكن الاستغناء عنها لحماية المدنيين في النزاعات الدولية. والفائدة الكبرى لتلك الاتفاقيات هي أن الدول صادقت عليها واعترف بها الجميع. ولا يوجد خلاف على البنود الأساسية لتلك الاتفاقيات- مثل الالتزام بعدم مهاجمة المدنيين. وعندما نوقش البروتوكولان الإضافيان في عام 1977 كان ذلك على خلفية حرب العصابات التي تشمل بطبيعتها الاختلاط مع السكان المدنيين وهذا ليس بجديد.

ولكن التحدي الأكبر هو احترام الاتفاقيات، ففي الكثير من الأحيان لا توجد الإرادة السياسية أو المعرفة أو التدريب لاحترام تلك القواعد. ويمكن للمحاكم الدولية أن تخلق تأثيراً رادعاً وتقدم الجناة إلى العدالة ولكن يجب على الدول أولاً أن تفي بالتزاماتها.

يهدف التدقيق الدولي للسلوك في حالة النزاع المسلح إلى تحسين الامتثال للقانون الدولي الإنساني. ومن أجل أن يكون فعالاً وذا مصداقية، يجب ألا ينظر إلى التدقيق على أنه انتقائي.

وربما يتطلب مبدأ التمييز المزيد من الوضوح. ولذلك وفي محاولة منها لتوضيح المنطقة الرمادية، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوضع دليل حول ما الذي يعنيه أن تشارك بصورة مباشرة في أعمال حربية. كما عملنا مع 17 دولة لتطوير وثيقة مونترو التي تصف الالتزامات القانونية الدولية والممارسات السليمة للدول ذات الصلة بعمليات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة.

ماري كلدور: إن آخر ما نريد أن نفعله هو أن نرمي القانون الدولي الإنساني جانباً. ما يجب أن نفعله هو تكميله بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان لتغطية بعض الجوانب التي أغفلها القانون الدولي الإنساني. فعلى سبيل المثال من الممكن أن تجادل بأن الضرورة العسكرية تقتضي قتل مدني في الحرب لتحقيق نفع أكبر، ولكن في ظل القانون المحلي وحقوق الإنسان فإن المبرر الوحيد لقتل مدني هو الدفاع عن النفس.

هوجو سليم: تذهب اتفاقيات جنيف بعيداً بما فيه الكفاية. لطالما كان نطاق العنف غامضاً ولذلك تستخدم اللجنة الدولية للصليب الأحمر مصطلحات "النزاع الدولي" و"النزاع الداخلي" و"الاضطرابات الداخلية" من أجل تغطية معظم المجالات الغامضة.


الصورة: مانوشر ديغاتي/إيرين
قنابل عنقودية في جنوب لبنان (صورة أرشيفية)

ولكننا لا نحتاج إلى المزيد من الإيضاح حول مسألة الغموض المدني وما الذي يشكل مشاركة مباشرة في النزاع. قد يتطلب ذلك بروتوكولاً إضافياً أو ملاحظة إرشادية جديدة.

وعندما لا تنجح اتفاقيات جنيف فإن ذلك ليس لأن الناس يحاولون إيجاد ثغرة في القانون ولكن لأنهم يرفضون قيم التمييز والتناسب.

فرانسوا سولنير هي مديرة الشؤون القانونية في منظمة أطباء بلا حدود وكانت تقوم على مدار 18 عاماً بوضع إطار المسؤولية القانونية للمنظمات غير الحكومية في النزاعات. كما أنها مؤلفة كتاب "الدليل العملي للقانون الإنساني".

تعتبر أية انتقادات للقانون الإنساني نابعة من الحرب على الإرهاب غير منصفة. فالنزاعات غير المتكافئة- كانت جزء من الصراع لقرون. وقد أخذت بالفعل تلك الاتفاقيات الدولية في اعتبارها وأصدرت حكمها بشأن المعضلات المختلفة التي مرت بها الكثير من الدول النامية. وعلى هذا النحو فإن تلك الاتفاقيات تعالج جميع أشكال العنف المسلح والعمليات العسكرية ضد العنف المسلح.