الأفراد يقدمون تمويلاً أكبر للمنظمات غير الحكومية من الجهات المانحة

أفاد تقرير صدر مؤخراً عن المؤسسة الفكرية "مبادرات التنمية" Development Initiatives في المملكة المتحدة أن التمويل الخاص – أي الذي تحصل عليه المنظمات غير الحكومية من الأفراد - يفوق التمويل الإنساني الذي تقدمه بعض أكبر الجهات المانحة الحكومية في العالم. ولكن الطبيعة المتقلبة لقاعدة التمويل الخاص وخاصة في فترات الانكماش الاقتصادي هي ما يقلق بعض جامعي التبرعات في المنظمات غير الحكومية.

ويأتي 51 بالمائة من التمويل الإنساني للمنظمات غير الحكومية الـ 114 التي شملتها الدراسة من مصادر خاصة. ولذلك فإن منظمة غير حكومية مثل منظمة "أطباء بلا حدود" والتي قامت بتوجيه 495 مليون دولار للاستجابة للطوارئ في عام 2006 تصرف مبالغ تزيد عن الموازنات الإنسانية الفردية لدول مانحة مثل فرنسا وهولندا وألمانيا والنرويج.

وقد قامت منظمة "أطباء بلا حدود" بإنفاق 81 مليون دولار من الأموال التي تبرع بها الفرنسيون على الكوارث الإنسانية في عام 2006 مقارنة بـ 41 مليون دولار تم إنفاقها من قبل الحكومة الفرنسية.

ولا يتفوق على منظمة "أطباء بلا حدود"
من حيث الإنفاق سوى أكبر جهتين مانحتين للتنمية والتعاون الاقتصادي وهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وقالت ليزا ولمزلي، مؤلفة دراسة "الدعم الشعبي للأزمات الإنسانية من خلال المنظمات غير الحكومية" أن المنظمات غير الحكومية تنفق 4 دولارات من كل 10 تُجمع لصالح المساعدات الإنسانية، مضيفة أن "الأرقام تتحدث عن نفسها: فعندما ترى على رسم بياني أن بعض المنظمات غير الحكومية أكبر من العديد من الجهات المانحة تكون الصورة مدهشة فعلاً".

وقد قام التقرير الذي درس المنظمات غير الحكومية والتمويل الإنساني في عام 2006 بتحليل التمويل الذي تقدمه 30 من الجهات المانحة الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي و114 منظمة غير حكومية في 23 دولة. وقد ضمت قائمة المنظمات غير الحكومية 19 من أكبر المنظمات الإنسانية غير الربحية في العالم مثل أوكسفام وكير وأطباء بلا حدود وإنقاذ الطفولة وورلد فيجن، حيث تنفق تلك المنظمات معاً 60 بالمائة من التمويل الإنساني العالمي.

ولم يقم التقرير بتحليل الأموال المرسلة عبر التحويلات من المجتمعات المضيفة أو التبرعات لغير الطوارئ.

السياق

وتعتمد بعض المنظمات غير الحكومية بشكل أكبر من غيرها على التبرعات الخاصة. فعلى سبيل المثال، تتلقى المنظمة النرويجية Norwegian People’s Aid واحد بالمائة من تمويلها من التبرعات الخاصة بينما تحصل منظمة "أطباء بلا حدود" على 86 بالمائة من تمويلها من هذا المصدر. ويرجع السبب في ذلك بصورة جزئية إلى عادات التمويل، فالجهات المانحة الاسكندينافية على سبيل المثال تنفق نسب مرتفعاً نسبياً من دخلها السنوي على المساعدات الإنسانية وتقوم بضخ جزء كبير منها من خلال المنظمات غير الحكومية.

كما أن عادات التمويل تتداخل مع الأصول الفلسفية والثقافية للمنظمات غير الحكومية، وهي ما قام معهد التنمية لما وراء البحار، وهو مؤسسة فكرية إنسانية، بتقسيمها إلى أصول دينية وويلسونية Wilsonian وديونانستية Dunanist. والمنظمات الديونانستية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود وإنقاذ الطفولة تضع نفسها خارج مصالح الدولة، في حين أن المنظمات الويلسونية تنظر للتأثير والقيم الأمريكية على أنها قوة للخير، بينما المنظمات الدينية مثل كاريتاس تستمد الكثير من تمويلها من خلال المؤسسات الدينية.

وقالت خبيرة التمويل الإنساني آبي ستودارد أن الدراسة التي أجرتها مؤسسة "مبادرات التنمية" قد تمت في وقت كان فيه التمويل الثنائي والمتعدد الأطراف للاستجابة للطوارئ في زيادة مستمرة خلال السنوات الماضية.

ويقول الاتحاد الدولي للصليب الأحمر أن عدد حالات الطوارئ قد تزايد، ففي عام 2007 كان عدد مناشدات الطوارئ التي أطلقتها الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أكثر من ضعف عددها في عام 2000.

ولم تستطع ولمزلي القول ما إذا كانت التبرعات الخاصة المقدمة للمنظمات غير الحكومية قد زادت في السنوات الأخيرة أم لا. ففي المملكة المتحدة تظهر أرقام لجنة الكوارث وهي شبكة لمنظمات غير حكومية تقوم بجمع الأموال من عامة الشعب في المملكة المتحدة من أجل تمكين المنظمات غير الحكومية من الاستجابة الطارئة أن هناك عدم ثبات في تلك الأرقام. ففي عام 2004 جمعت الشبكة لصالح التسونامي مبلغ 538 مليون دولار مقابل 9.7 مليون دولار فقط للمناشدة الأخيرة في عام 2009 لصالح سكان قطاع غزة.

دلالات

ويقول ممثلو المنظمات غير الحكومية أن التبرعات الخاصة تسمح لهم بالاستجابة السريعة للكوارث المفاجئة - خلال ساعات أو أيام بدل الانتظار لأسابيع. كما أنها غالباً ما تقوم بتمويل الاستجابة الأولية قبل أن تقوم المنظمات بإصدار مناشدتها الخاصة أو الجماعية.

وقال تقرير مؤشرات المنح الإنسانية الجيدة 2008 الصادر عن مؤسسة "مبادرات التنمية" أن ما يقرب من 65 بالمائة من الجهات المانحة قد استغرقت ستة أسابيع لدفع التمويل المخصص للطوارئ خلال العام 2006.


الصورة: Development Initiatives
إنفاق المنظمات غير الحكومية من التمويل الخاص مقابل التمويل من مصادر حكومية

كما يقول خبراء الإغاثة أن التبرعات الخاصة تسمح للمنظمات غير الحكومية بحماية استقلاليتها عن الحكومات وتعطيها المزيد من المرونة. وقالت جانيت هاريس، نائبة رئيس لجنة الإنقاذ الدولية (التي ذكر تقرير مؤسسة "مبادرات التنمية" أن 47 بالمائة من تمويل الطوارئ التي تحصل عليه يأتي من جهات خاصة) أن "الميزة الرئيسية للتبرعات الخاصة هي أنها تمكنك من التحرك بسرعة كبيرة واستخدام الأموال لأي شيء تحتاجه".

وأضافت هاريس: "إذا أخذنا على سبيل المثال أزمة دارفور الحالية: يمكننا تحديد مواقع الإمدادات مسبقاً والتخطيط لسيناريوهات محتملة لنقل الناس إلى تشاد وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وهو ما لا يمكن أن نفعله إذا كان علينا الاعتماد فقط على المصادر الرسمية".

وقالت هاريس أنه بتوفر التمويل غير المقيد، يمكن للمنظمات غير الحكومية المساعدة في وضع أجندة الجهة المانحة أو الإعلام بدلاً من أن تحركها تلك الأجندة. وأردفت قائلة: "يمكننا أن نتوقع ونكشف بمصادر التمويل الخاص عن مشكلة قد تكشفها مصادر التمويل الرسمية في وقت لاحق فقط"، منوهة إلى البرامج التي بدأتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمعالجة العنف ضد المرأة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي جلبت التمويل من الجهات المانحة.

وذكرت دراسة مؤسسة "مبادرات التنمية" أن المنظمات غير الحكومية تقوم بإنفاق جزء من المساهمات الخاصة على إفريقيا بنسب تفوق ما تنفقه الجهات المانحة على هذه المنطقة، حيث بلغت نسبة إنفاقها 57 بالمائة مقابل 46 بالمائة للجهات المانحة. وتقوم تلك المنظمات بإنفاق نسبة أقل بكثير على الشرق الأوسط من تلك التي تقوم بإنفاقها الجهات المانحة، حيث تبلغ نسبة إنفاقها 3 بالمائة مقابل 15 بالمائة للجهات المانحة.

القيود

وقالت هاريس أن الاعتماد الكثيف على التبرعات الخاصة أمر محفوف بالمخاطر لأن تلك التبرعات أكثر تقلباً وبصورة يومية من دعم الجهات المانحة. وذكرت هاريس أن "التبرعات الخاصة تتأثر بشكل أكبر بالتحولات المفاجئة في عناوين الاقتصاد إذ يميل الناس إلى العفوية في عطائهم... وعدم القدرة على التنبؤ بقيمة التبرعات هي واحدة من أكبر المشكلات الإدارية".

وتلحق الأزمة الاقتصادية العالمية ضرر بالغاً بالتبرعات الخاصة، مما يجعل العديد من المنظمات غير الحكومية التي تعتمد على هذا النوع من التبرعات مثل أوكسفام تقلص أنشطتها. وقالت هاريس أنه من المتوقع أن تنخفض التبرعات الخاصة المقدمة للجنة الدولية للصليب الأحمر بنسبة 10 بالمائة في العام المالي 2008-2009. وفي الوقت نفسه تعهدت كبرى الجهات المانحة المؤسسية ببذل قصارى جهدها للحفاظ على موازناتها الإنسانية.

وتتوقع كريتاس، وهي شبكة تضم 162 منظمة غير حكومية ويعادل تمويلها الإنساني التمويل المقدم من الحكومة السويدية، أن يحدث انخفاض في التبرعات الخاصة المقدمة لشبكة منظماتها. وقد حذر باتريك نيكولسن، المتحدث الرسمي باسم كاريتاس، من أن "هناك التزام بالمحافظة على الخدمات الأساسية في مستوى مرتفع بحيث يتم تقديمها بنفس مستويات التمويل السابقة وهو ما يعني خفض التمويل في مجالات أخرى مثل التعليم أو حملات الدعوة".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قالت ليونا كافاناغ، مديرة التبرعات في تروكير Trocaire، وهي إحدى المنظمات التابعة لكاريتاس، أنها قلقة أيضاً من تضاؤل قاعدة تمويلها الخاص مع مرور الوقت والمكون بشكل رئيسي من زوار الكنائس من كبار السن. وأضافت: "نحن قلقون ولكننا نقوم بالتواصل مع المدارس وكل جيل داخل الأسرة لمحاولة تأمين مستقبلنا".