رؤية الأمين العام للأمم المتحدة لإصلاح قطاع العمل الإنساني

هبة علي
مدير تحرير إيرين

أصدر بان كي-مون، الأمين العام للأمم المتحدة هذا الأسبوع رؤيته حول كيف يمكن للعالم أن يخدم المحتاجين بشكل أفضل: هيكل معونة متماسك ومنسق، يربط على نحو أكثر كفاءة الإغاثة الطارئة بالتنمية ويستثمر أكثر – سياسياً ومالياً – في الوقاية من الأزمات قبل حدوثها.

 

وفي الوقت الذي اعترف فيه بان كي مون نفسه بأن "الكثيرين يشككون في قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بوعود ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بإنهاء الحروب أو مواجهة التحديات العالمية"، تأتي رؤيته لتوجيه الحكومات ووكالات الأمم المتحدة وبقية قطاع المعونة الذي تقدر قيمته بنحو 24 مليار دولار لتبني التغييرات الرئيسية في القمة العالمية للعمل الإنساني القادمة، تتويجاً لعملية تشاورية استمرت لقرابة ثلاث سنوات بهدف تحسين تقديم المساعدات للمتضررين من الأزمات.

انظر: إصلاح العمل الإنساني: المطروح وغير المطروح على الطاولة؟

وقد وصف البعض رؤية الأمين العام بأنها مُلهمة، "إطار عمل طموح" له "رؤية جريئة". ولكن آخرين اعتبروها "ساذجة" وتضم الكثير من "الكلام الأجوف" و"الفجوات الكبيرة" – بما في ذلك الفشل في معالجة مسألة إصلاح الأمم المتحدة مباشرة، وحماية استقلال العمل الإنساني في بيئات مسيسة، وتمثيل القضايا الرئيسية التي برزت في المشاورات الشعبية بشكل كاف.

تحديد الأولويات

التقرير الذي طال انتظاره، بعنوان "إنسانية واحدة: مسؤولية مشتركة"، يرسم صورة مقنعة للأحوال الرهيبة في العالم في ظل وصول عدد النازحين لأرقام قياسية، وزيادة الحروب الأهلية، وتزايد عدد الظواهر المناخية الشديدة المرتبطة بتغير المناخ. وفي كثير من الأحيان لا يحدث التفاعل اللازم من القيادة السياسية للتعامل مع هذه التحديات إلا انطلاقاً من "المصالح المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية الفورية والمحددة والضيقة"، على حد وصف بان كي مون.

وقال أن التقرير يركز بالأساس على منع وقوع الأزمات في المقام الأول، ومعالجة مخاوف بعض العاملين في مجال الإغاثة الذين أعربوا في وقت سابق عن الإحباط من التركيز حصراً على تقديم المعونة، مما يعني أن عملية القمة العالمية للعمل الإنساني تفقد مجدداً الهدف الرئيسي منها وهو: لماذا لا نعالج جذور المشكلة؟

وتعليقاً على ذلك، قال كلاوس سورنسن، الذي يقدم المشورة إلى رئيس المفوضية الأوروبية حول الشؤون الإنسانية: "إنه يؤكد على ضرورة إيجاد حلول للأزمات، وعلى القيادة، والدبلوماسية الوقائية، ومعالجة الأسباب الجذرية– حتى يتم وقف هذا البؤس في وقت مبكر وليس معالجته بعد حدوثه، أو عن طريق الأعمال الخيرية". وأضاف: "الأمر يتعلق بفكرة إنهاء الاحتياجات لتجنب الحاجة إلى الأعمال الخيرية... أعتقد أن هذا هو النهج الصحيح". وتجدر الإشارة إلى أن سورنسن، عمل في السابق مديراً عاماً لدائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو) التابعة للمفوضية الأوروبية.

كما شدد بان كي مون أيضاً على أهمية منع المذابح كتلك التي حدثت في رواندا وسريلانكا وسوريا عبر التحدث بجرأة ومن دون خوف عن الفظائع الجماعية. ويمكن القول بأن اللغة الأكثر قوة في مسودة سابقة لهذا التقرير، التي قال فيها أنه يشجع جميع موظفي الأمم المتحدة على "التصرف بشجاعة أخلاقية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق، بدلاً من الصمت في مقابل وصول المساعدات الإنسانية" قد ضعفت في المسودة النهائية. وبالمثل، لم تظهر العبارة السابقة "كمجتمع دولي ما زلنا نفشل" في البيان النهائي.

تحديد الاتجاه الصحيح؟

وفي جوهره، يحتوي التقرير على "شيء للجميع"، على حد وصف أحد كبار المسؤولين في قطاع العمل الإنساني لأنه يتطرق إلى جميع المواضيع الرئيسية: النوع الاجتماعي، والحماية، والقانون الدولي الإنساني، والتأهب. ولكنه يخفق في تحديد الأولويات بين 122 توصية مذكورة أو تحديد الاتجاه الصحيح.

وقالت مسؤولة في إحدى الجهات المانحة الغربية: "هناك الكثير من التوصيات، والكثير منها مفيد، ولكن قياساً بحجمها الهائل، تصبح في بعض الأحيان غير عملية إلى حد ما".

وتساءلت المسؤولة الإنسانية قائلة: "يوجد هناك الكثير منها: ما الذي نريد تحقيقه في الواقع؟ هذا التقرير هو عبارة عن قائمة. ما هي الأولويات الرئيسية من الناحية السياسية التي سوف نمضي قُدماً في تحقيقها؟ أين هي الالتزامات؟"

واستطردت قائلة: "كان ينبغي التركيز على ما يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة، وما الذي يمكن أن تقوم به الدول الأعضاء ... في هذه اللحظة، الأمر غير واضح".

من جهة أخرى، يرى موكيش كابيلا، أستاذ الشؤون الإنسانية ومستشار الأمانة العامة للقمة العالمية للعمل الإنساني أن "الأمين العام لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يقول للعالم: 'انظروا، ها هي طبيعة المشكلة. هذه هي طبيعة الفجوات. إذا كنتم تهتمون حقاً في حل هذه الأنواع من المشاكل، فهذه هي الأشياء التي يجب أن تنفذ'".

المبادئ الإنسانية تتعرض لانتقادات

والخط الرئيسي لرؤية بان كي مون هو "نهج مشترك" جديد يشهد استجابة موحدة من قبل الوكالات الإنسانية والتنموية. وهذا التركيز كان موضع ترحيب خاص من قبل الحكومات لأنها تشكو منذ وقت طويل من أن نهج الجزر المنعزلة لا يخدم المحتاجين على النحو الأفضل. إن تحديد نتائج جماعية متفق عليها على مدى سنوات عدة والتساؤل، كما يشير بان كي مون، "ما الذي يتطلبه الأمر لتحقيق هذه النتيجة وعلى يد من؟" سوف يطرب آذان أولئك الذين يضغطون من أجل رفع مستوى الأدوار التكميلية المتوفرة ضمن الشبكة المتنوعة من المستجيبين الإنسانية.

ولكنني أسمع ثلاث مخاوف رئيسية على الأقل.

أولاً، يرتبط العمل الإنمائي بالحكومات الوطنية. ويساور البعض القلق من أنه في حالات الصراع مثل تلك الدائرة في السودان أو سوريا، يمكن أن تقع المساعدات الإنسانية غير المنفصلة فريسة للتسييس وتفقد استقلاليتها. وعلى حد تعبير مدير إحدى المنظمات غير الحكومية، "تتعرض المبادئ الإنسانية للهجوم" في نهج بان كي مون. وقد أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المعروفة جيداً بعدم الانحياز إلى أي طرف من أطراف الصراع، عن مخاوفها عندما ذكرت خلال إطلاق التقرير أنه "في بعض الحالات، يكون من المستحيل أو الخطير سياسيا ًوعاطفياً بالنسبة للجهات الفاعلة المحلية أن تكون محايدة وغير منحازة". كما أشار ممثلوها أيضاً إلى نزعة "التعميم" للأمم المتحدة.

وفي هذا الصدد، قال لي يان إيغلاند، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، والذي يشغل الآن منصب أمين عام المجلس النرويجي للاجئين: "أود أن أحذر بشكل أساسي من [التحول نحو العمل مع الحكومات] حيث هناك حرب وحيث تمر المساعدة عبر التسييس والعسكرة والأمننة لأن الناس لا يحصلون على الاهتمام ولا الدعم الذي يستحقونه".

ولكن حتى إذا كان بالإمكان إيجاد حلول لهذه المعضلة (بان كي مون لا يقدم أياً منها)، هل يمكن أن ينجح النهج المشترك على المستوى العملي فعلياً؟ يرى المسؤول الإنساني "أن القيام بتحليل مشترك للبيانات عبر القطاعات السياسية والتنموية وحقوق الإنسان والإنسانية عندما تكون لدينا أزمة إنسانية يبدو جيداً من الناحية النظرية. لكننا في الواقع عند الاستجابة الفعلية نكافح للقيام بتحليل البيانات والتخطيط المشترك بين العاملين في القطاع الإنساني فقط".

وثالثاً، ألن يؤدي هذا لا محالة إلى بيروقراطية عملاقة تفوق المتاهة الموجودة لدينا بالفعل اليوم؟ وهل سيخدم هذا السكان المتضررين من الأزمات الذين تحاول الوكالات تقديم المساعدة لهم على أفضل نحو؟

لقد قمنا بتمرير التقرير على مقياس الكلمات الرنانة – المنهجية التي قمنا بتطويرها لقياس مدى استخدام التقرير الإنساني للعبارات الطنانة، والمصطلحات المتخصصة، والتعبيرات الشائعة– ووجدنا كلمات "المستدامة" و"الاستعداد" و"القدرة على الصمود" في صدارة القائمة.

A word cloud reflecting the most common buzzwords used in UN Secretary-General Ban Ki-Moon's report for the World Humanitarian Summit, as determined by IRIN's buzz-o-meter: http://newirin.irinnews.org/dataviz/2015/10/12/words-matter
بن باركر/إيرين

ولكن المفاهيم النبيلة مثل الإنسانية والمسؤولية المشتركة والتضامن تشكل موضوعاً مشتركاً في رؤية بان كي مون، حيث يقول: "لا يوجد استثمار أفضل من الاستثمار في الإنسانية". بالنسبة للبعض، هذا جهد شجاع "لإعادة ضبط القواعد الإنسانية" في وقت، كما جاء في التقرير، تهدد وحشية الصراع اليوم بقيادة العالم نحو "حقبة حرب بلا حدود". لكن البعض الآخر أقل إعجاباً بالخطاب، إذ قال مسؤول رفيع المستوى في إحدى المنظمات غير الحكومية أنه "يمكن أن يكون قد كتبه مايكل جاكسون" (في إشارة إلى أغنية: "أنت لست وحدك، أنا هنا معك").

وخلافاً لبعض التقارير السابقة في هذه العملية، لم يتم تحديد مفهوم "الإنسانية" بوضوح.

وبدلاً من التعريف المحدد جداً للمصطلح – الذي يستند إلى القانون الدولي والمبادئ الإنسانية – وهو التخفيف من المعاناة الإنسانية، "فجأة تصبح الإنسانية مجرد شيء للجميع"، حسبما قال المسؤول الإنساني.

المثالية مقابل الواقعية

وعلى الرغم من أن هناك بعض التوصيات المحددة في تقرير الأمين العام، مثل الاقتراح بأن تلتزم الدول بالحد من النزوح الداخلي بمقدار النصف بحلول عام 2030، لكن إطار العمل لتحقيق تلك الأهداف غير واضح. فعلى سبيل المثال، هل ينبغي أن توافق الدول على الأهداف الإنسانية المشتركة، مثلما فعلوا فيما يتعلق بـ "أهداف التنمية المستدامة"؟

وتساءل مسؤول إحدى المنظمات الغربية المانحة: "إذا نظرتم إلى جميع التوصيات، هل تقدم إجابات كافية للمشكلات التي يصفها التقرير نفسه؟ ...أنا لست متأكداً من وجود شيء وراء كل توصية. هل ماكينة الأمم المتحدة مستعدة لمتابعة كل هذا؟ ما مدى واقعية التوصيات؟"

ورداً على سؤال خلال إطلاق التقرير في نيويورك حول كيفية تنفيذ أي بند من هذه التوصيات، قال بان كي مون أن ستيفن أوبراين، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، سيقوم بالاتصال بالحكومات لمناقشة كيفية المضي قُدماً في تنفيذ الجوانب الرئيسية من "أجندة العمل الإنساني"، وركزت بالتحديد على عدد قليل من القضايا الرئيسية: النزوح، ونموذج العمل الجديد للقطاع الإنساني، وبرنامج تمويل دولي لمعالجة الأزمات الممتدة، واحترام القانون الدولي.

ولكن عندما حدد أوبراين المواضيع التي سيتم مناقشة "التزامات ملموسة" في مقابلها في اجتماعات المائدة المستديرة بين رؤساء الدول أو السياسيين رفيعي المستوى، استطالت القائمة أكثر فأكثر: ينبغي على القيادة السياسية إنهاء الصراعات، والتصدي والحد من النزوح، وبناء القدرة على الصمود في حالات الأزمات الطويلة الأمد، وتعزيز الاستجابات للكوارث الطبيعية، وحماية النساء والفتيات، والاستثمار في البشر...إلخ.

وحتى الآن قاوم أوبراين، الذي يقود عملية الإصلاح هذه، دعوات من قبل الدول الأعضاء لتحديد مقترحات ونتائج ملموسة، في محاولة لعدم إصدار حكم مسبق على عملية التشاور الشعبي. مع ذلك، أعلن أوبراين، خلال إطلاق تقرير بان كي مون، عن "قاعدة بيانات للالتزامات" سيتم نشرها على شبكة الإنترنت في الفترة التي تسبق المؤتمر، بما يتيح لجميع الجهات الفاعلة الإعلان عن تعهداتها للجمهور.

آراء المجتمعات المحلية المتأثرة

وتهدف عملية القمة العالمية للعمل الإنساني إلى وضع الأشخاص المتضررين من الأزمات في صميم الإغاثة الإنسانية. وتهدف المشاورات العالمية مع قرابة 23,000 شخص حول العالم عبر مختلف القطاعات – بتكلفة تصل إلى حوالي 24 مليون دولار –إلى ضمان أخذ وجهات نظر القواعد الشعبية المتنوعة في الاعتبار.

وعلى الرغم من أنه من المفترض أن تعكس رؤية الأمين العام تلك المشاورات بشكل تام (التي تم بدلاً من ذلك تلخيصها في تقرير تجميعي منفصل)، إلا أن البعض قد أعربوا عن قلقهم من أن لا تحظى القضايا الرئيسية التي أثيرت كثيراً طوال العملية – تمكين المستجيبين المحليين، وحماية المبادئ الإنسانية، وزيادة الخضوع للمساءلة أمام المستفيدين من المعونة، وزيادة الواقعية – بالاهتمام المطلوب.

وقال المسؤول الإنساني الرفيع المستوى: "لم يتم التركيز على كافة القضايا التي كانت تعتبر رئيسية". وأحد الأمثلة على ذلك فقط، هي أنه لم يتم ذكر ميثاق التغييرCharter4Change، المقترح الملموس لإضفاء الطابع المحلي على المعونة الإنسانية، على الإطلاق.

ولكن إذا كان هناك من انتقاد مشترك لرؤية الأمين العام للتغيير، فهو أنه "سطحي قليلاً" أو "غير محدد جداً" حول التغييرات التي يجب القيام بها في المجالات التي تقع تحت مسؤوليته المباشرة، ألا وهي إصلاح مهام الأمم المتحدة التي يُنظر إليها على أنها تتداخل وتتسبب في تضييق أفق التفكير المؤسسي. لكنه يفتح المجال قليلاً عبر التشديد على "أنه حان الوقت للتركيز على الطلب بدلاً من توفير الإمدادات، وعلى النتائج الجماعية والمزايا النسبية، بدلاً من تسليم المشروعات و'المهام أولاً'".

ولكن كما قال أحد المانحين: "إذا كان ينبغي أن لا تصبح المهام العامل المهيمن، فمن المؤكد أن يكون لهذا بعض التأثير على جميع المنظمات التي ترأسها؟... فكيف يمكن أن تمضي في تنفيذ هذا باعتبارك أعلى مسؤول للأمم المتحدة؟

لذا، هل يُغيّر هذا التقرير من قواعد اللعبة؟ ومثل القمة العالمية للعمل الإنساني نفسها، تعتمد الكثير من القضايا على ما ترغب الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات وبان كي مون نفسه بالقيام به في الواقع. وأود أن أُذكِّر هنا بأنه لا يفصلنا عن القمة سوى نحو 100 يوم فقط.

لمزيد من المعلومات، انظر: إصلاح قطاع العمل الإنساني: ما البنود الحاضرة والغائبة على الطاولة؟

ha/bp/ag-kab/dvh