مكافحة التطرف العنيف - تحذير للعاملين في المجال الإنساني

كيت ماكغرين

مستشارة السياسات الإنسانية، المجلس النرويجي للاجئين

ملاحظة من الكاتب

جزء من مشروع خاص يستكشف التطرف العنيف في نيجيريا ومنطقة الساحل

ستُترك المجتمعات في بعض أخطر بقاع العالم دون الحصول على المساعدة المنقذة للحياة بسبب برامج مكافحة التطرف العنيف. وربما يكون ملايين الأشخاص الذين يعيشون في الدول التي تواجه مجاعات الأكثر تضرراً.

 

 

يعد "مكافحة التطرف العنيف" مفهوماً شائعاً في الأوساط الإنسانية اليوم، إذ تستخدم الدول هذه الاستراتيجية بشكل متزايد لمحاربة الإرهاب. وتشمل النهج المتبعة خلالها المراقبة الداخلية وحفظ الأمن ومكافحة رسائل التطرف والتعليم. وفي الدول الأكثر قمعاً، تشمل الوسائل المتطرفة الاعتقالات الجماعية، والاحتجاز دون محاكمة، والتعذيب، وحالات الاختفاء، والإعدام. وتستهدف هذه الإجراءات الأشخاص الذين يعتبرون عرضة للانضمام إلى الجماعات المتطرفة.

فهل تبدو هذه الإجراءات مألوفة؟ نعم والسبب أنها تشترك في جوانب كثيرة مع استراتيجيات مكافحة التمرد ومناهضة الشيوعية التي يرجع تاريخها إلى الحرب الباردة. دعونا لا ننسى أن استراتيجية كسب القلوب والعقول لم تثبت فعاليتها، والاستراتيجية الأمريكية لدحر تمرد طالبان من خلال تقديم المساعدات الإنمائية في أفغانستان أفضل مثال على ذلك.

غير أن الحكومات حريصة على تبني مفهوم مكافحة التطرف العنيف لإقناع الناخبين بأنها تعمل على كبح جماح الإرهابيين. وتحذو بعض منظمات الإغاثة حذوها، خصوصاً عند تخصيص المانحين لأموالهم. ولكنه طريق محفوف بالمخاطر ويتردد العديد من العاملين في المجال الإنساني في اتباعه.

وكثيراً ما ينظر إلى منظمات الإغاثة على أنها في وضع يسمح لها بتنفيذ استراتيجيات مكافحة التطرف العنيف لأن العديد من منظماتنا تعمل في بعض أصعب بقاع العالم حيث يعيش الشباب الذي يتبنى الفكر المتطرف. فعلى سبيل المثال، تنشط الجماعات المتطرفة في ثلاث من الدول الأربع التي تقف حالياً على شفا المجاعة، وهي نيجيريا والصومال واليمن.

وترى بعض الدول أن المساعدات تضرب عصفورين بحجر واحد: ضخ الأموال في برامج الإغاثة التي تستهدف المناطق التي قد تأوي متطرفين، في محاولة لثنيهم عن حمل السلاح.

هل يفوق ذلك حد التصديق؟ نعم إنه كذلك وهذه الأسباب الأربعة توضح ذلك:

أولاً، تعتبر الركيزة الأساسية للعمل الإنساني هي تقديم المعونة على أساس الاحتياجات فقط – أي تقديم المساعدة للمجتمعات الأكثر ضعفاً التي تعتمد عليها في كثير من الأحيان للبقاء على قيد الحياة. ولكن هل يعني ذلك أن الأسر في المناطق المتشددة في العراق تستحق الحصول على الغذاء أكثر من الأسر التي باتت على شفا المجاعة في جنوب السودان، أو تلك التي نزحت بسبب العنف السياسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث لا يعتبر التطرف تهديداً؟

أفاد رئيس برنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي مؤخراً أن منظمته "هي خط الهجوم والدفاع الأول ضد التطرف والإرهاب". ولكن ما هو الثمن؟ فحياة الملايين من الأسر التي تعيش على شفا المجاعة تعتمد على المعونة الغذائية التي تقدمها المنظمة التي يرأسها بيزلي.

لا يجب أن نرى المعاناة البشرية من خلال هذا المنظور.

ثانياً، تحافظ المبادئ الإنسانية التي يتبعها العاملون في المجال الإنساني على حيادنا واستقلالنا. لكن أجندة مكافحة التطرف العنيف تطالبنا بالتخلي عن دستورنا الإنساني لصالح أجندات سياسية.

لنأخذ الشباب الذين فروا من الصراع مثالاً على ذلك. ينظر إلى هذه الفئة على أنها معرضة بشكل خاص لخطر التطرف العنيف. فهل يعني ذلك أنها يجب أن تحصل على معاملة خاصة في مخيمات اللاجئين وتفضل على احتياجات الفتيات أو حتى الأطفال؟ في حالات النزاع، النساء والأطفال هم الأكثر ضعفاً من الناحية الإحصائية – فالنساء معرضات للاغتصاب والاستغلال والأطفال معرضون للإصابة بسوء التغذية. وكثيراً ما يوجه التمويل لضمان تلبية احتياجات هاتين الفئتين الضعيفتين والتأكد من حمايتهما.

ثالثاً، يلتزم عمال الإغاثة بمفهوم الحياد. فعدم الانحياز إلى أحد أطراف النزاع دون الآخر يتيح لنا تقديم المساعدات للمجتمعات على كلا الطرفين وفقاً لدرجة الضعف الذي تعاني منه، وليس المعايير السياسية.

يتم التفاوض بشأن الوصول إلى أجزاء كثيرة من العالم بحذر شديد، حيث يتم بناء الثقة بين المنظمة الإنسانية والجماعات التي تسيطر على المنطقة ذات الاحتياجات الإنسانية الشديدة. وكثيراً ما يعتمد التفاوض الناجح بشأن الوصول على حياد العاملين في المجال الإنساني وعدم التصرف بالنيابة عن أي مجموعة سياسية أو عسكرية.

وسيكون من غير المنصف إطلاقاً تنفيذ برامج تعليمية تخدم الأطفال الذين يعيشون في مناطق تعتبر أكثر عرضة للتطرف على حساب المجتمعات التي تضم أطفالاً خارج المدرسة.

وعلى الرغم من ذلك، تعتبر برامج التعليم مفيدة على نحو متزايد لتنفيذ السياسات الحكومية، وهي تهدف إلى منع التطرف بين الشباب. وفي دليل لصانعي السياسات نشر حديثاً، تذهب منظمة اليونسكو، ذراع التعليم التابع للأمم المتحدة، إلى حد إبراز أهمية "التعليم "كأداة للمساعدة في منع التطرف العنيف".

لكن كيف ستنظر إلينا المجتمعات المحلية إذا فتحنا مدارس لا تساعد سوى جانب واحد من الصراع - المجتمعات التي تعيش في مناطق تصنف على أنها أكثر تطرفاً؟ سوف نقضي بسرعة أي على حيادنا، ونضع أنفسنا على خط النار.

لا يمكن للمنظمات الإنسانية أن تبقى محايدة إذا تأثرنا باستراتيجية الحكومة لمكافحة التطرف ولن نكون محايدين أيضاً إذا أعطينا الأولوية لأولئك المعرضين لخطر التطرف، بدلاً من مساعدة أسرة ذات احتياجات أساسية لبقائها على قيد الحياة. فذلك سيكون على حساب المجتمعات الضعيفة.  وسيكون الأشخاص الذين هم بالفعل ضحايا التطرف العنيف أكثر معاناة من غيرهم.

وأخيراً، هناك شح في الأدلة التي تثبت أن النُهج الواعية لمكافحة التطرف العنيف قد أتت أوكلها. وليس هناك ما يوحي أيضاً بأن تقديم المساعدات يقلل من وقوع الإرهاب أو احتمال تبني الناس للقضايا الجهادية.

ويثير التطرف العنيف قلق العاملين في المجال الإنساني تماماً كما يثير قلق الدول. بل في الواقع كثيراً ما يستجيب العاملون في المجال الإنساني للآثار المدمرة للإرهاب. لكن منع التطرف العنيف ومكافحته ليس من اختصاص العاملين في المجال الإنساني.

وإذا استجابنا لإصرار الدول وقمنا بدعم أجنداتها السياسية لمكافحة التطرف العنيف، سنصل إلى نقطة لن نكون فيها عاملين في المجال الإنساني، ولن نمثل بعد ذلك جهات فاعلة نزيهة ومستقلة.

وعندما تكون البرامج الإنسانية مدفوعة بهدف سياسي، فإنها ستشكل سابقة للآخرين. ولذلك سيكون من الحكمة أن تتذكر الأمم المتحدة ذلك.

نشر المجلس النرويجي للاجئين مؤخراً ورقة موقف بشأن مكافحة التطرف العنيف وورقة أخرى عن دور التعليم في مكافحة التطرف العنيف. يمكنكم الاطلاع على الورقتين من خلال هذا الرابط.

km/oa/ag