قوانين مكافحة الإرهاب قد تضر بالعمل الإنساني

أفادت دراسة جديدة مستقلة أنه سيكون للتشريعات المتنامية لمكافحة الإرهاب أثر مباشر على العمل الإنساني وستتسبب في تقييد تمويله وتوقف تنفيذ المشروعات وزيادة مناخ الرقابة الذاتية من قبل عمال الإغاثة.

وبتكليف من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والمجلس النرويجي للاجئين وبالنيابة عن اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات قام التقرير الذي صدر مؤخراً في جنيف بتقييم النتائج المترتبة على سياسات مكافحة الإرهاب التي تجسدت في قانون باتريوت في أعقاب هجمات الحادي من سبتمبر على الولايات المتحدة في عام 2001.

وقالت كيون جوا كانج الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية أن "تأثير تدابير مكافحة الإرهاب على العمل الإنساني كان مصدر قلق متزايد داخل المجتمع الإنساني. وهناك خوف خاص من أن الناس في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة والمصنفة بأنها إرهابية قد لا يكون لديهم فرصة أو تتضاءل فرص حصولهم على المساعدات الإنسانية والحماية".

وقد قامت مجموعة من الباحثين المستقلين بإصدار التقرير الذي جاء بعنوان "دراسة تأثير تدابير الجهات المانحة لمكافحة الإرهاب على العمل الإنساني المبدئي. وقد ركز التقرير على دراستي حالة وهما الصومال والأرض الفلسطينية المحتلة. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واستراليا من بين الجهات الأخرى التي لديها قوانين معمول بها بهدف منع الدعم الدولي للجماعات التي تعتبر منظمات إرهابية.

تأثيرات

وقالت كيت ماكينتوش المشاركة في تأليف الدراسة مع باتريك دوبلات: "لقد وجدنا بالفعل آثار سلبية على الأنشطة الإنسانية مثل تقييد التمويل وعرقلة المشاريع والرقابة الذاتية من قبل المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وبعد عام 2008 على سبيل المثال عندما صنفت الولايات المتحدة حركة الشباب (جماعة صومالية متشددة) كجماعة إرهابية، شاهدنا انخفاضاً بنسبة 82 بالمائة في المساعدات المقدمة إلى الصومال بين عامي 2008 و2010. وفي الأرض الفلسطينية المحتلة يمكن استبعاد المستفيدين من المساعدات الإنسانية وخاصة في غزة الخاضعة لسيطرة حماس (وهي أيضاً حركة محظورة من قبل الولايات المتحدة)". 

 تأثير تدابير مكافحة الإرهاب على العمل الإنساني كان مصدر قلق متزايد داخل المجتمع الإنساني

 وقد أشار التقرير إلى أن حذر وكالات المعونة من الوقوع كضحايا لقانون مكافحة الإرهاب كان له تأثير كبير على البرامج الإنسانية.

وأشار أيضاً إلى أن "البحث كشف عن مستوى عال من القيود والرقابة الذاتية. وقد كان ذلك حاداً بشكل خاص في المنظمات التي رأت أن سمعتها ضعيفة للغاية وخاصة المنظمات غير الحكومية الإسلامية. ويبدو أن خطر الملاحقة الجنائية والضرر بالسمعة أدى في بعض الحالات إلى الامتثال الزائد عن الحد لتلك القوانين".

وقد سعت وكالات المعونة أيضاً إلى ضمان أن التزامات مكافحة الإرهاب يتم تمريرها إلى شركاء التنفيذ المحليين. وقالت الدراسة أن "هذا شرط لبعض الجهات المانحة في اتفاقيات التمويل الأولية وهو أيضاً ناتج عن متطلبات مكافحة الإرهاب لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية التي تمليها عليهم مقراتهم الرئيسية. وفي الأرض الفلسطينية المحتلة هناك على الأقل أربع وكالات للأمم المتحدة أدرجت بنود مكافحة الإرهاب التي حددتها الجهات المانحة في اتفاقيات التمويل الفرعية الخاصة بها. وقد تسبب ذلك في توترات مع شركاء التنفيذ المحليين".

على أرض الواقع

ولهذه التدابير تأثير مباشر على الكيفية التي ينظر بها للمساعدات ولعمال الإغاثة.

وقال التقرير أن "العديد من المنظمات الإنسانية ترى أن تنفيذ العقوبات وتدابير مكافحة الإرهاب في الصومال ضد حركة الشباب قد ساهم في البيئة المستقطبة بالفعل التي ينظر فيها للجهات الفاعلة الإنسانية على أنها غير محايدة أو مستقلة. وعلى الرغم من صعوبة قياس أو إثبات تأثير تلك التدابير فإن هذا التأثير الهيكلي كان كبيراً لأن له عواقب ستمتد إلى المستقبل وعبر سياقات مختلفة".

فالتأثير في غزة على سبيل المثال هو "حدوث تغيير في محددات العمل الإنساني لكي تخصص البرامج أولاً لتجنب الاتصال أو دعم جماعة معينة (حماس) وثانياً لكي تستجيب للاحتياجات الإنسانية".

ونتيجة لذلك يتضاءل دور المنظمات غير الحكومية المحلية في العمل الإنساني في غزة. "وقد رفضت بعض المنظمات غير الحكومية المحلية قبول منح من الجهات المانحة نتيجة لبنود مكافحة الإرهاب وهو ما أثر على قدرة الجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية على ايجاد شركاء مؤهلين".

مستفيدون معرضون للخطر

ويتضرر المستفيدون بصورة مباشرة بسبب تلك القيود. ففي غزة لم تتمكن منظمة غير حكومية من توزيع الأغذية على 2,000 أسرة لأن الجهة المانحة لم تأذن لها بمشاركة قائمة بأسماء المستفيدين مع وزارة الشؤون الاجتماعية.

وقالت ماكينتوش ودوبلات أن "هذا اعتُبر أنه مشاركة قريبة جداً مع إدارة حماس. ولم تستطع منظمة أخرى أن تمضي قدماً في مشروع المدرسة النفسية الاجتماعية المخطط له لأن مدير المدرسة اعتبر شخصية رفيعة في إدارة حماس وبالتالي يصعب التعاون معه".

توازن

وقد أشار دوبلات إلى أنه جرى عمل بعض الاستثناءات من قبل الجهات المانحة في الأزمات الشديدة. وأضاف قائلاً: "لقد قاموا بتغيير أو إظهار المرونة تجاه بعد القواعد ومتطلبات التطبيق للمساعدات ومنها على سبيل المثال في حالة المجاعة والجفاف في الصومال عام 2011. والنقطة السيئة هي أنة من غير المفترض أن تنتظر حدوث أزمة حادة لكي تبدي بعض المرونة".

ومن بين التوصيات التي قدمتها الدراسة أنه ينبغي أن تشمل سياسات مكافحة الإرهاب استثناءات للعمل الإنساني وأنه لا بد لتلك السياسات أن تقوض الجهات الفاعلة الإنسانية المحلية وأن عليها أن تستثني المعاملات الإضافية والترتيبات الأخرى الضرورية لوصول المساعدات الإنسانية وأنه يتوجب على الدول المانحة أن تتجنب إصدار سياسات على أرض الواقع من شأنها أن تمنع مشاركة الجماعات المسلحة والتفاوض معها.

وقد أشارت الدراسة إلى أن "بعض تدابير الجهات المانحة لمكافحة الإرهاب قد سببت للجهات الفاعلة الإنسانية معضلة خطيرة. فإذا التزمنا بمبادئنا فقد نخالف القانون ونواجه الملاحقة القانونية. والالتزام ببعض قوانين وتدابير مكافحة الإرهاب قد يتطلب منا التصرف بطريقة لا تماشى مع تلك المبادئ".

cm/oa/cb-hk/dvh