إعادة بناء غزة بين الحرب والسلام

يقف أشرف عزام البالغ من العمر 33 عاماً وسط أنقاض منزله في حي الزيتون بشرق مدينة غزة، الذي دمره القصف الإسرائيلي قبل شهرين تقريباً.

وقال عزام لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد انتهى كل شيء بسرعة. في البداية، سقط صاروخ تحذيري على منزلنا والمنازل المجاورة، فهرعنا خارج المنزل ناشدين السلامة. لم يكن لدينا وقت للتفكير".

وأضاف قائلاً: "استهدف الهجوم الإسرائيلي منزلاً مجاوراً لنا. كان وقعه كالزلزال. كل شيء كان يهتز، وانتشر الغبار والدخان في كل مكان وكانت العواقب مدمرة".

وعندما أطل الصباح، اكتشف أشرف وأسرته أن منزلهم قد دُمر. لم يصب أحد منهم بسوء، على الرغم من مقتل بعض جيرانهم. وبعدها تفرقت أسرة أشرف الممتدة (التي تضم 15 فرداً، من بينهم والدته وإخوته المتزوجين وأولادهم)، وأصبحوا يقيمون في شقق مستأجرة.

المنازل المدمرة

وخلال تصعيد الصراع الذي استمر ثمانية أيام في نوفمبر الماضي، دمر القصف الإسرائيلي لأهداف في غزة رداً على الهجمات الصاروخية من قبل نشطاء في القطاع حوالي 200 وحدة سكنية، وأصاب 300 مسكن بأضرار بالغة، و8,000 آخرين بأضرار جزئية، وفقاً لوزير الإسكان والأشغال العامة في غزة يوسف الغريز.

وتجدر الإشارة إلى أن أعمال إعادة البناء مستمرة بالفعل، ولكن في ظل دورات العنف المتكررة لا يكون التعمير بعد انتهاء الصراعات مستديماً دائماً.

يعيش محمد، عم أشرف البالغ من العمر 61 عاماً، في مكان قريب وقد رأى الأضرار تلحق بمنزله جراء نفس الهجوم الصاروخي. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي شهد فيها مثل هذا الدمار، فمنزل عائلته في مدينة غزة دُمر تماماً أثناء الصراع الذي دام 23 يوماً بين عامي 2008 و2009 ولم تكتمل إعادة بنائه إلا منذ بضعة أشهر فقط.

وقال محمد: "لم نتوقع أن يحدث هذا مرة أخرى. لم يدمروا منزلي فقط هذه المرة، بل دمروا بناية أخرى أيضاً كانت مصدر دخلي الرئيسي إذ كنت أؤجر عدة شقق فيها".

وأضاف قائلاً: "سنظل هنا وسنعيد بناء منزلنا مرة أخرى. بالطبع، لدينا مخاوف بشأن استهداف المنزل والمنطقة مرة أخرى، لكن هل يجب أن يمنعنا هذا من استعادة حياتنا؟ الجواب هو قطعاً لا، لأن لدينا الإرادة لاستعادتها".

وقال الغريز أن حكومة غزة أعادت بناء 2,800 وحدة سكنية من أصل 3,500 وحدة تم تدميرها أثناء صراع 2008-2009، وجاري إعادة بناء الـ 700 منزل المتبقية.

التقييم وإعادة البناء

وتقوم حالياً فرق من وزارة الأشغال العامة والبلديات المحلية والأمم المتحدة بزيارات لتقييم الأضرار في مختلف أنحاء قطاع غزة بعد هجوم نوفمبر.

ولا تزال الأنقاض تملأ العديد من الشوارع، لكن جاري إزالة بعضها. كما يفعل الفلسطينيون ما بوسعهم لإعادة تدوير الانقاض عن طريق بيعها للمحاجر المحلية وشركات سحق الحجارة التي لديها القدرة على استخراج الحصى والركام.

وهذا يمكن أن يكون بمثابة بديل لمواد البناء العادية غير المتوفرة في الأسواق بكميات كافية أو المحظورة نتيجة للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها إسرائيل في 2007.
وفي نشرة صدرت مؤخراً، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن غزة حُرمت من التنمية بسبب الحصار: "ونتيجة لذلك، أصبحت احتياجات التنمية وإعادة الإعمار في القطاع هائلة: من الحكم وسبل العيش إلى البيئة والبنية التحتية".

ومنذ أربعة أسابيع، وفي أعقاب محادثات وقف إطلاق النار، أعطت إسرائيل الإذن بدخول الحصى إلى غزة لاستخدامه في القطاع الخاص للمرة الأولى منذ ست سنوات. ولكن الكميات المستوردة لا تزال قليلة جداً ويستخدم الكثير من المواد في مشاريع البناء الدولية، وفقاً لمركز للدفاع عن حرية الحركة (مسلك).

وقبل فرض الحصار الإسرائيلي في عام 2007، كان ما يقرب من 150 شاحنة محملة بالحصى تدخل غزة يومياً لمصلحة القطاع الخاص، حسبما ذكر رائد فتوح، رئيس لجنة تنسيق دخول البضائع إلى قطاع غزة.

وقال فتوح أن متوسط عدد الشاحنات التي عبرت الحدود خلال الأسابيع الثلاثة الماضية بلغ 100 شاحنة (800 طن) في الأسبوع، لكن لا يزال دخول الحديد والأسمنت محظوراً.

وفي السياق نفسه، أكد أسامة كحيل، رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، أن هذه الكميات غير كافية، وأن قطاع البناء في غزة يحتاج إلى نحو 200 شاحنة من الحصى يومياً.

وأضاف أن "هناك العديد من المشاريع التي يمكن تنفيذها إذا أتيحت مواد البناء، ويمكن أن نبدأ بمشاريع الاستثمار العقاري والمشاريع السكنية الكبيرة لذوي الدخل المنخفض. إن الحظر المفروض على مواد البناء المخصصة للقطاع الخاص له تأثير كبير على مشاريع الإسكان".

وأوضح أن عبور الحصى عن طريق معبر كيريم شالوم يتكلف 23 دولاراً للطن، مقارنة بـ 29 دولاراً لطن الحصى المهرب عبر الأنفاق من مصر، أو 12 دولاراً عبر معبر رفح الرسمي مع مصر (عندما يُسمح بمروره).

مخططات إعادة الإعمار

ويدرس البنك الإسلامي للتنمية حالياً تقييمات وزارة الإسكان بشأن الأضرار والعواقب المترتبة على الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، بما في ذلك المنازل المتضررة والمدمرة.

وقال رفعت دياب، منسق برنامج البنك الإسلامي للتنمية ومجلس التعاون الخليجي لإعادة إعمار غزة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "بعد الحرب الأخيرة، ركزت مساعدات دول الخليج العربي على قطاع الإسكان بسبب أهميته في حياة الفلسطينيين، خاصة بعد هدم وتضرر هذا العدد الهائل من المنازل خلال الحرب".

وأضاف دياب أن البنك الإسلامي للتنمية استثمر 76 مليون دولار، بتمويل من دول الخليج، في مشاريع الإسكان منذ بدء صراع 2008-2009 وسيبدأ تنفيذ مشروع إسكان بقيمة 43 مليون دولار قريباً.

وتمول قطر بناء 3,000 وحدة سكنية جديدة لمحدودي الدخل والفقراء، كجزء من منحة تبلغ أكثر من 400 مليون دولار لتمويل مشروعات البنية الأساسية والخدمات العامة، وفقاً للغريز.

من جانبها، أنجزت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مؤخراً المرحلة الأولى من مشروع الإسكان الذي تموله المملكة العربية السعودية، والمخصص لأسر اللاجئين الذين فقدوا منازلهم في وقت مبكر من العقد الماضي جراء التوغلات والهجمات الإسرائيلية، وخاصة في جنوب قطاع غزة.

كما تنفذ الأونروا مشاريع إسكان أخرى بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة واليابان، وقدمت مساعدات لحوالي 55,000 أسرة فقدت منازلها بعد صراع 2008-2009، لكن لا يزال هناك حوالي 1,000 أسرة دون منازل دائمة.

وأشار تقرير أصدرته الأمم المتحدة مؤخراً إلى أن غزة تعاني من نقص يصل إلى 70,000 منزل.

ad/jj/cb-ais/dvh