مقتل موظفي الصليب الأحمر في أفغانستان يكشف حدود إمكانية توصيل المعونة

آبي ستودارد

شريكة في مؤسسة النتائج الإنسانية المتخصصة في الاستشارات البحثية، ومؤسسة مشاركة لقاعدة بيانات أمن عمال الإغاثة

تذكرنا الأخبار التي وردت الأسبوع الماضي عن مقتل ستة موظفين تابعين للجنة الدولية للصليب الأحمر في ولاية جوزجان بأفغانستان بالهجوم المأساوي الذي وقع قبل 20 عاماً عندما قُتل ستة أشخاص آخرين من العاملين في الصليب الأحمر بالرصاص وهم على أسرّتهم في المستشفى الميداني في الشيشان. في ذلك الوقت، كانت عمليات القتل المستهدف للعاملين في مجال المعونة نادرة نسبياً ولم يكن لدى معظم الوكالات الإجراءات الأمنية الأساسية، ولم تكن توظف مديري الأمن المتخصصين، أو تستخدم العربات المدرعة وغيرها من الموارد المستخدمة في الوقت الحالي في محاولة لحماية الموظفين في الميدان. غير أن استهداف حركة الصليب الأحمر بشكل خاص، على الرغم من مهمتها التاريخية والحماية التي تتمتع بها وفقاً للقانون الدولي الإنساني كجهة معونة محايدة في حالات الحرب أثار مخاوف عميقة في أوساط الجهات المقدمة للمعونة وشعوراً بانفراط عقد المعايير الدولية.

وفي حين أن حوادث القتل التي وقعت عام 1996 أحدثت موجات من الصدمة عبر قطاع المعونة، ودفعت وكالات المعونة إلى بذل مجموعة من الجهود الجديدة باتجاه التزام الجدية فيما يتعلق بإدارة المخاطر الأمنية التي تتعرض لها، إلا أن حالات الوفاة في جوزجان بدت مألوفة بشكل يبعث على الكآبة. والحقيقة المريرة هي أنه لا يوجد سوى مجال ضيق لتحسين الأمن بشكل أكثر مما تم إنجازه على مدار العشرين عاماً الماضية، على الأقل ليس من دون تقويض كامل للمناخ العملياتي للعمل الإنساني القائم على المبادئ.

غير أن المساعدات الإنسانية لم تصبح أكثر خطورة على الصعيد العالمي. ففي الواقع، يوجد في المتوسط في معظم الأماكن التي يعمل فيها عمال الإغاثة عدد أقل من الحوادث الكبرى من العنف المتعمد ضدهم مقارنة بالعقد الماضي، ويعود هذا جزئياً إلى الحرفية التي يتحلى بها القطاع الإنساني، الذي حققت قفزات حقيقية في أمن العمليات وإدارة المخاطر. ولكن الأمر الذي يتطلب المزيد من الاهتمام هو أن أعمال العنف التي تتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا في صفوف العاملين في المعونة تحدث في أنواع محددة من الأزمات: تلك التي يتم فيها تدويل الحروب الأهلية حيث يتعامل المسلحون المتمردون مع العاملين في المجال الإنساني باعتبارهم أهدافاً بالوكالة لحكومة العدو وحلفائها الغربيين.

في أفغانستان، يستهدف المتمردون المحليون (حركة طالبان) عمليات المعونة والعاملين فيها بهدف زعزعة استقرار بعض المناطق أو بسط سيطرتهم عليها. في الوقت نفسه، يقوم المتمردون الدوليون (ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة)، بالتعاون والتنافس مع حركة طالبان، بقتل واختطاف العاملين في مجال المعونة بهدف تحقيق دعاية عالمية وزيادة الإيرادات. كما يوجد على الساحة أيضاً عناصر للجريمة المنظمة التي كثيراً ما تتواطأ مع المتمردين والكيانات الهجينة مثل شبكة حقاني، التي تشكل بيئة خطيرة جداً لدرجة أن أحد المسؤولين في الأمم المتحدة وصفها لي ذات مرة بأنها تمثل "مجموعة غير منظمة من المافيا المتداخلة". أضف إلى هذا كله عدم وجود اتصالات وتسلسل قيادي موثوق به بين القادة والأفراد، سيجد المرء نفسه في وضع لم يكن فيه التفاوض بشأن الوصول وقبول عمليات الإغاثة بهذه الصعوبة. وفي بيئة تتعدد فيها حوافز الجهات الفاعلة من دافع الربح البسيط والجوانب الواقعية للسيطرة المحلية إلى الإيديولوجيات السامية للثورة الجهادية العالمية، لا تجد لقواعد الحياد الإنسانية تأثيراً يذكر.

والأمر الذي لا يجعل الهجوم الأخير مروعاً فقط بل مثبطاً للروح المعنوية أيضاً هو أنه لا توجد منظمة تتمتع بالبراعة والخبرة في المفاوضات الإنسانية أكثر من الصليب الأحمر. فهي واحدة من المنظمات القليلة جداً التي تستثمر موارد كبيرة في القدرة التفاوضية، وتدريب الموظفين، وتخصيص مناصب بهدف التواصل مع جميع أطراف الصراع بشكل مستمر. وبخلاف معظم مقدمي المعونة الآخرين، تقدم الحوافز الأكبر لجميع الأطراف للسماح بوجودها، منها على سبيل المثال، تيسير تبادل الأسرى، وعودة الرفات، ورعاية الجرحى من المقاتلين. وهكذا فإنه في الأماكن التي لا تستطيع فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر تأمين الوصول، ستكون آفاق العمل أسوأ بكثير جداً بالنسبة لجماعات الإغاثة الدولية الأخرى.

الوصول إلى المحتاجين

وحتى وقت كتابة هذا التقرير، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد علقت أنشطة المعونة بشكل مؤقت للتعامل مع نتائج عمليات القتل والبحث عن اثنين من الزملاء الذين لا يزالون في عداد المفقودين. ولا شك أنها ستستأنف جهودها في أفغانستان، والعمل بشكل علني ومن دون تسليح، دون أن تحجب هويتها كما تفعل جميع وكالات المساعدات الأخرى تقريباً العاملة في أفغانستان.

ولكن حتى إذا حافظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على مستويات عملياتها الحالية، فإنها ستظل مجرد منظمة معونة واحدة فقط في بلد به احتياجات إنسانية هائلة. وقد أظهرت البحوث التي أجريت مؤخراً في هذه البيئات المتطرفة أن الوجود الإنساني يتناقص، تاركاً فجوات متسعة لا يتم فيها الوصول إلى المحتاجين.

فما هي خيارات توصيل المساعدات إلى المدنيين المحاصرين في هذه الصراعات الوحشية التي طال أمدها؟

يجب على الوكالات الإنسانية الدولية أن تحدد وتعترف بالأوقات والأماكن التي يستحيل فيها العمل من دون المخاطرة بحياة موظفيها. وفي مثل هذه الظروف، يجب على المجتمع الدولي البحث عن وسائل جديدة خارج النموذج التشغيلي التقليدي للوصول إلى السكان المحتاجين. وللقيام بهذا، لا يجب أن يتم نقل المخاطر ببساطة إلى المنظمات الشريكة المحلية، بل تحديد الجهات المحلية (سواء المجتمعية، أو التجارية أو غيرها) التي لديها فرصة معقولة لتأمين الوصول إلى المحتاجين والتي يمكن استخدامها كقناة لتوصيل المساعدات. وربما يتطلب هذا تقديم تنازلات وإيجاد حلول دون المستوى المأمول، ولكنه يظل أفضل من عدم توصيل أي مساعدة على الإطلاق.

كما يتعين على الحكومات المانحة، التي تقوم في كثير من الأحيان باستخدام المساعدة الإنسانية كبديل للعمل السياسي لحل الأزمات، أن تكون مستعدة لتوجيه مبالغ أكبر لتغطية التكاليف الأمنية المرتفعة للحاصلين على منح وكالات معوناتها في البيئات الشديدة الخطورة. وينبغي عليها أيضاً أن تقبل بوضوح مستوى أعلى من خطر تعرضها للخسارة أو الانحراف عن المسار المنشود الذي قد يحدث في مثل هذه البيئات، ولا تسهم في زيادة إعاقة وصول المساعدات عبر فرض لوائح عشوائية لمكافحة الإرهاب التي تراها منظمات المعونة أنها تعرقل المفاوضات الإنسانية الضرورية.

وأخيراً، أقول لبقيتنا في المجتمع الدولي الذين أحزنتهم -لكن لم تفاجئهم- أعمال العنف هذه، يجب أن نستمر في التركيز  على تجاوز دورة الأخبار التالية وأن نقاوم القبول بهذه الأحداث على أنها وضع طبيعي وعادي. وعلى الرغم من أن بعض العاملين في المجال الإنساني يغضبون من الإثارة المتصورة حول العنف الذي يتعرض له العاملون في المعونة، معتبرين أن ذلك لن يصب سوى في صالح تجنب المخاطر والتحفظ بين الوكالات، إلا أن هذا القلق يتجاهل نقطة أكثر أهمية. عمال الإغاثة في مناطق الحرب المستعرة شحيحون بالفعل، وتلبية الحاجات الإنسانية محدودة للغاية وبشكل غير مقبول. ومن ثم فإنه لن يكون في مقدورنا تجاوز هذه الحدود سوى من خلال شجبها بصوت عال.