سياسة الهجرة الأوروبية حيال ليبيا تعاني من قصر النظر

ميليسا فيليبس

باحثة في شؤون الهجرة وزميلة فخرية في جامعة ملبورن ومركز جامعة نيويورك للتعاون الدولي، مقرها تونس العاصمة

أثناء قمة الاتحاد الأوروبي في مالطا الأسبوع الماضي، بدا الزعماء الأوروبيون وكأنهم لم يتعلموا دروساً كثيرة فيما يتعلق بعقد صفقات تحوم حولها الشكوك لوقف تدفق المهاجرين. لا يمكن بناء شراكة في مجال الهجرة على أساس المصلحة الذاتية الأوروبية فقط، والخطب المنمقة والصور البلاغية وحدها لا تشكل أساساً لسياسة سليمة، ولذلك على الإجراءات المتبعة لإبعاد المهاجرين غير الشرعيين عن العقول والأنظار أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحلية التي تشجع شبكات الهجرة والتهريب، وإلا فإنها ستفشل لا محالة.

في فاليتا، قدمت الدول الأعضاء تعهدات محددة بهدف وقف الهجرة غير النظامية على طريق الهجرة الأوسط في البحر الأبيض المتوسط، الذي يبدأ ​​من ليبيا. وعقدت الحكومة الإيطالية أيضاً صفقة هجرة منفصلة مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ورئيس المجلس الرئاسي. وعلى الرغم من لهجة التهنئة الذاتية التي غلبت على البيانات الصحفية بعد القمة، بما في ذلك تدوينة منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، فإن هناك عدة أسباب تدعو للقلق.

وقد أشار معلقون آخرون بالفعل إلى التشابه بين صفقة الهجرة الحالية بين إيطاليا وليبيا والاتفاقات التي عُقدت في عهد القذافي، والفرق الرئيسي هو أن حكومة الوفاق الوطني تفتقر إلى سلطة تعم أرجاء الوطن، وهذا يشمل جنوب ليبيا، حيث ينص إعلان مالطا الطموح على إعطاء الأولوية للعمل مع السلطات الليبية من أجل تخفيف الضغط على حدود البلاد. يعد التهريب مصدر رزق راسخ في الجنوب، حيث شكل حدث درامي في ديسمبر الماضي أخر دلائل الولاءات البديلة عندما هبطت الطائرة التي كانت قد اختُطفت في مدينة سبها الجنوبية من قبل الموالين للقذافي في مالطا. والجدير بالذكر أن الفرنسيين يحتفظون بقاعدة عسكرية بالقرب من الحدود بين ليبيا والنيجر منذ عدة سنوات، ولكنها لم تحقق نجاحاً يذكر في السيطرة على المعابر الحدودية.

إنه الاقتصاد

إن معالجة الأسباب الجذرية للتهريب في ليبيا، وخاصة في الجنوب، تتطلب تحليلاً أفضل لفوائد كل من الاقتصاد الكلي والجزئي بالنسبة للمجتمعات الليبية والجهات الفاعلة غير الحكومية. مع ذلك، لا يوجد أي أدلة حديثة تقريباً يمكن الاعتماد عليها على العوامل الاقتصادية التي تؤدي إلى ازدهار عمليات التهريب. وقد أشار أحد قادة فرق العمل العسكرية في الاتحاد الأوروبي إلى أن السكان المحليين في المدن الساحلية يحققون أرباحاً سنوية تبلغ نحو 300 مليون دولار من التهريب، ولكن لا توجد تفاصيل حول كيفية التوصل إلى هذا الرقم أو هوية المستفيدين الحقيقيين من تهريب البشر.

وقد نجحت الحملة الأمنية التي يمولها الاتحاد الأوروبي ضد تهريب المهاجرين عن طريق شمال النيجر - الطريق الذي يستخدمه معظم المهاجرين للوصول إلى ليبيا - في الحد من حركة المهاجرين المسجلة عبر أغاديز، لكنها دفعت أيضاً المهربين إلى فرض أسعار أعلى لنقل المهاجرين على طرق أكثر سرية وخطورة عبر الصحراء. في الوقت نفسه، لم تحقق جهود الاتحاد الأوروبي لتمويل مصادر رزق بديلة لصناعة التهريب في النيجر أي تأثير ملموس.

وتجدر الإشارة إلى أن إعلان مالطا يتعهد بتوفير المزيد من التدريب والدعم لخفر السواحل الليبي بهدف "تعطيل نموذج أعمال المهربين". ولكن على أرض الواقع، من المرجح أن يعني هذا اعتراض المزيد من القوارب في المياه الإقليمية الليبية وإرسال ركابها إلى مراكز الاحتجاز. ويزداد الأمر تعقيداً عندما نأخذ في اعتبارنا أن الجزء الأكبر من مراكز احتجاز المهاجرين في غرب ليبيا يخضع لسلطة وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني.

وقد وُصفت الأوضاع في تلك المراكز مراراً وتكراراً بأنها غير إنسانية، وفي أحدث مثال على ذلك، قامت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) بتوثيق العديد من الانتهاكات. وينص إعلان مالطا على أن الاتحاد الأوروبي سوف "يسعى إلى ضمان وجود قدرات وأوضاع استقبال ملائمة للمهاجرين في ليبيا، جنباً إلى جنب مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة". ومن غير الواضح ما إذا كان هذا يعني توفير المزيد من التمويل لمراكز الاعتقال التي تديرها حكومة الوفاق الوطني، وهي ممارسة تعرضت لانتقادات شديدة من جماعات حقوق الإنسان. وسوف يشكل الاعتماد على مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة لضمان القيام بالرصد الكافي تحدياً إلى أن تتمكنا مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأخرى من العودة إلى ليبيا من تونس، حيث لا تزال باقية بسبب القيود الأمنية بالأساس.

وقد أوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة في بيان مشترك الأسبوع الماضي أنهما لا تدعمان استخدام ليبيا للاحتجاز التلقائي للمهاجرين، وأشارتا إلى أن "القيود الأمنية ما زالت تعيق قدرتنا على تقديم المساعدات المنقذة للحياة".

"حلول" بديلة

ويمثل تركيز قمة مالطا على "مراكز الاستقبال" فرصة ضائعة لإيجاد بدائل للاحتجاز في السياق الليبي. وقد تم بالفعل بذل جهود أولية مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني والحكومة الليبية، بدعم من المنظمات الدولية، لإيجاد بدائل لاحتجاز المهاجرين. ولكن في خضم حرصه على الحد من الهجرة غير النظامية، كشف الاتحاد الأوروبي عن عدم قدرته على مجاراة الحملات العالمية لجعل احتجاز المهاجرين ممارسة الملاذ الأخير، وكذلك المبادرات المحلية لتعزيز نهج مختلف.

كما أن غياب الوجود الدولي المستمر في ليبيا يعني أن هناك سوء فهم عميق للوضع داخل البلاد. ويمكن القول أن الهجرة ليست إحدى الأولويات الرئيسية في ليبيا في الوقت الحاضر. ويشير إعلان مالطا إشارة عابرة إلى الحاجة إلى الاستقرار في البلاد، ويتعهد بتقديم دعم أوروبي قبل توضيح أن نواياه الحقيقية لا تزال متركزة في أولوية الاتحاد الأوروبي للحد من تدفقات الهجرة من ليبيا. وتستعين "الحلول" المقترحة لهذه الأولويات من الخطاب البلاغي الذي تم التدريب عليه جيداً والندم الكاذب على الأرواح التي فُقدت في عرض البحر.

فعلى سبيل المثال، في حين تدعي موغيريني أن قمة مالطا قد أظهرت أن هناك "طريقة أوروبية لإدارة تدفقات الهجرة"، يشير الإعلان عدة مرات إلى "تعطيل نموذج أعمال المهربين"، وهذه عبارة مأخوذة مباشرة من تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي السابق توني أبوت، الذي ادعت حكومته أن إيقاف قوارب المهاجرين يعتبر لفتة إنسانية لإنقاذ الأرواح.

وما لم يتخذ الزعماء الأوروبيون خطوات جادة وسريعة لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة الأفريقية نحو الشمال، ويروجوا لبدائل اقتصادية قابلة للاستمرار على المدى الطويل تُغني عن التهريب، فإن إعلان مالطا سيتحول إلى مجرد قطعة أخرى من الورق في سلسلة من الاتفاقات الفاشلة مع ليبيا.

(الصورة الرئيسية: مهاجرون في مركز احتجاز الخمس في ليبيا. توم وستكوت/إيرين)

mp/ks/ag-ais/dvh