أبوجا، 1 ديسمبر 2016
ماوسي سيغان

باحثة نيجيرية في منظمة هيومن رايتس ووتش

لطالما شكّل اختطاف فتيات المدارس والتفجيرات الانتحارية ملامح الصورة الدائمة للصراع بين جماعة بوكو حرام والحكومة النيجيرية. أما الآن، فقد أضحى للصراع وأعمال العنف آلاف الوجوه الجديدة: إنها وجوه الأطفال الجوعى.

 

والجدير بالذكر أن الدولة لم تشهد صوراً مثل هذه منذ الحرب التي وقعت في الفترة بين عامي 1967  و1970 مع حركة بيافرا الانفصالية.

وفي هذا الصدد، يفيد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأن هناك ما يصل إلى 4.5 مليون شخص بحاجة إلى المعونات الغذائية في شمال شرق البلاد. ويحذر من أن بعضاً من الأماكن البعيدة في المنطقة ربما تكون تعاني من "ظروف أشبه بالمجاعة".

ونقص الغذاء هو النتيجة الحتمية لحركة التمرد المتواصلة منذ سبع سنوات، التي تسببت أيضاً في نزوح أكثر من 2.5 مليون شخص.

وقد شهدت مواسم زراعية عدة تراجعاً في النشاط الزراعي في الولايات المتضررة: يوبي وبورنو واداماوا. وعلى الرغم من أنه من الصعب الوصول إلى مناطق الصراع، إلا أن هناك تقارير تلمح إلى وجود تدمير متعمد للإنتاج الزراعي من الجانبين على حد سواء، فضلاً عن استهداف المدنيين.

القيود

وتركيز الحكومة النيجيرية على الرد العسكري فقط تقريباً يجعل بوكو حرام في حالة فرار مستمر. وقد تمكنت السلطات -بمساعدة الدول المجاورة، تشاد والكاميرون والنيجر، من استعادة السيطرة على معظم الأراضي التي كان يحتلها المتمردون في السابق.

ومن ضمن المشكلات الرئيسية في هذا الصراع هو أن هذا النجاح العسكري لم يقترن ببرنامج جاد لإزالة الألغام. والخوف من ألغام بوكو حرام يعني عدم إعادة كافة الأراضي للإنتاج، لاسيما أننا نتحدث عن منطقة خصبة للزراعة.

إضافة إلى ذلك، يشكل المتمردون أيضاً تهديداً مستمراً في المناطق الريفية، خارج نطاق القرى والبلدات، مما قلّص من الاستجابة الإنسانية لهذه الأزمة، وعرقل إعادة الخدمات الحكومية للسكان.

وعلى الجانب الآخر، قيدت السلطات بشدة من الحركة حول المستوطنات التي استعادتها خوفاً من تسلل المتمردين. كما قامت السلطات بإجلاء السكان، معظمهم من النساء والأطفال، وإيوائهم في مخيمات تخضع لإشراف صارم من قبل قوات الأمن. وهذا يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد الريفي، فضلاً عن حرية الحركة للسكان.

دعونا نأخذ بلدة باجا، مستوطنة صيد في شمال ولاية بورنو، على سبيل المثال. استعادت القوات الحكومية هذه البلدة في أبريل 2015، بعدما تعرضت لدمار شبه كامل على يد جماعة بوكو حرام. ولكن القيود الأمنية التي يفرضها الجيش تسببت في توقف الصيد ومنع السكان من مزاولة التجارة مع المجتمعات المحلية. والنتيجة هي أن الغذاء ينفد من باجا.

اعتقال

وقد أضحت مخيمات النازحين والمستوطنات المؤقتة في ولاية بورنو، معظمها متكدسة في مايدوغوري عاصمة الولاية، بمثابة مراكز اعتقال ضخمة. فالإمدادات الغذائية من المحاصيل الضئيلة في المناطق الأقل تأثراً بالصراع والمواد الإغاثية التي تبرعت بها منظمات المعونة الدولية والمحلية أقل بكثير من احتياجات السكان النازحين.

وكأن المشكلات الناجمة عن نقص المواد الغذائية ليست سيئة بما يكفي، إذ تشوب عمليات توزيع المواد الإغاثية شبهات الفساد، وسوء الإدارة، والغش، والسرقة الصريحة من قبل المسؤولين الحكوميين.

وبدلاً من إجراء تحقيقات شفافة والعمل على معالجة المشكلات، أصدرت السلطات على المستوى المحلي والفيدرالي المسؤولة عن المخيمات بيانات نفي عامة وغامضة.

أو فاغان/أوتشا
طفل مصاب بسوء تغذية حاد يتلقى العلاج في عيادة في بلدة بانكي

الحاجة إلى الشفافية

وفي شهر يوليو، قالت لي مسؤولة حكومية في مدينة مايدوغوري أنها لا تستطيع أن تناقش موضوع إمدادات الغذاء للنازحين لأن الحكومة تعتبر هذه المسألة "سراً من أسرار الدولة".

ويتسق هذا الرد مع إنكار وكالة إدارة الطوارئ الوطنية للتقرير الذي أصدرته منظمة أطباء بلا حدود في يونيو، الذي يسلّط الضوء على الأزمة الصحية بين النازحين في بلدة باما، ويفيد بأن هناك ما يصل إلى 30 شخصا يموتون يومياً بسبب الجوع والمرض.

من ناحية أخرى، اتهم رئيس وكالة إدارة الطوارئ الوطنية، الوكالة الفيدرالية المسؤولة عن الاستجابة للأزمات الداخلية، منظمة أطباء بلا حدود بأنها تستخدم التقرير حيلة لجلب التمويل من الجهات المانحة.

ولذلك فإنه مما يثلج الصدر أن نرى الحكومة الفيدرالية ترد بسرعة وبشكل إيجابي على تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الذي يسرد بالتفصيل حالات الاستغلال والاعتداء الجنسي على النساء والفتيات النازحات من قبل المسؤولين الحكوميين. وسارعت السلطات بتكليف ضباط من الشرطة وجهاز الاستخبارات بالتحقيق في الأمر.

ينبغي أن تكون هذه الاستجابة بداية جيدة لتحسين سلوك كافة المسؤولين المكلفين بحماية الأشخاص النازحين ودعمهم. كما أنها تقدم فرصة كبيرة لمأسسة الإصلاحات المتعلقة بعمليات فحص الموظفين وتدريبهم، الإصلاحات التي تعطي الأولوية للمساءلة.

لا يزال الطريق طويلاً

ويجب أن تشمل برامج المعونة أخذ النوع الاجتماعي والتوعية بحقوق الإنسان في الاعتبار، والسماح برصد دقيق وتحقيق شامل في حالات سوء المعاملة وسوء السلوك، بما في ذلك في توزيع المواد الغذائية.

لكن الطريق لا يزال طويلاً، إذ تفيد آخر الأخبار الواردة من مايدوجوري أن سلطات الولاية –غير الراضية على ما يبدو عن الدعاية السلبية التي أعقبت التقرير الذي صدر حول حالات الاعتداء الجنسي – قد شددت القيود حول المخيمات.

وبدلاً من تعزيز حماية حقوق النازحين، فرضت السلطات على وكالات المعونة المحلية والدولية متطلبات جديدة لممارسة عملياتها المتواصلة في بورنو.

وعلى الرغم من أن نيجيريا هي أكثر دول أفريقيا ثراء، إلا أنها تحتاج إلى جميع أشكال المساعدة التي يمكن حشدها للتغلب على هذه المأساة الإنسانية الضخمة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يتم تمويل سوى 37 بالمائة فقط من النداء الإنساني الدولي الذي يهدف إلى جمع 488 مليون دولار.

وختاماً، عندما تثار مخاوف حول سوء إدارة عمليات الإغاثة، يحق للأشخاص الذين يعتمدون في معيشتهم على هذه المعونات المطالبة باستجابة أكثر صدقاً وقوة.

يجب أن لا تكون الشفافية والمساءلة محلاً للتفاوض.

ms/oa/ag-kab/dvh