عبيد للخوارزمية

بول كوريون

بول كوريون هو كاتب عمود في إيرين واستشاري مستقل للمنظمات الإنسانية عمل في السابق في الاستجابات الإنسانية في كوسوفو وأفغانستان والعراق وتسونامي المحيط الهندي

بدأ العالم محمد بن موسى الخوارزمي الوسع المعرفة، الذي عاش في القرن التاسع، كتابه الأكثر شهرة بالعبارة التالية: "عندما فكرت في ما يريده الناس من الحساب بشكل عام، وجدت أنه دائماً ما يكون رقماً". وبعد مرور ألف عام، يريد الناس الكثير من الحسابات، ولحسن الحظ، منح الخوارزمي اسمه لمفهوم رياضي بسيط يساعدنا على تلبية هذه الحاجة: الخوارزمية.

 

 

والخوارزمية ليست سوى مجموعة من الإرشادات التفصيلية لتنفيذ مهمة ما. على سبيل المثال، وصفتي لعمل جوز التسمين (Plumpy'Nut) هي الخوارزمية التي أتبعها عندما أستضيف يان إيغلاند لتناول العشاء. (يان، إذا كنت تقرأ هذا المقال، أرجو أن تكون أفضل حالاً). مع ذلك فإن الخوارزميات أقوى من ما كانت عليه عند ظهورها لأول مرة. البحث على الإنترنت باستخدام غوغل؟ مبني على الخوارزميات. توصيات الكتب على موقع أمازون؟ مبنية على الخوارزميات. خدمة الأخبار على موقع فيسبوك؟ هيا خمّن.

وليست حياتنا على الإنترنت فقط هي ما يتأثر كثيراً بالخوارزميات، فلهذه الإرشادات تدخل ضخم ومتزايد في سوق الأسهم، وإنفاذ القانون، وضوابط الهجرة، وحتى حياتنا الجنسية. قد يكون من المسيء أن أقترح ذلك، ولكن المطربة بيونسيه كانت على خطأ: الفتيات لا يحكمن العالم، بل تحكمه الخوارزميات. وهذا يقلق الكثير من الناس، وينبغي أن يقلقك أنت أيضاً، لأن هذه الخوارزميات ليست قوية فقط – بل هي مبهمة أيضاً.

هناك أدلة متزايدة على أن الاعتماد على الخوارزميات لاتخاذ قرارات يمثل إشكالية بسبب التحيز الكامن. لا أحد يعرف كيف تعمل أي من الخوارزميات المذكورة أعلاه في الواقع، باستثناء عدد قليل من الناس في المنظمات التي تقوم بتطويرها. وفي بعض الأحيان، حتى هؤلاء لا يعرفون. تعلم الآلة يؤدي على نحو متزايد إلى تطور تلك الخوارزميات بطرق ليس من السهل التنبؤ بها. لماذا يحدث هذا، وماذا يعني ذلك بالنسبة لصناعة المعونة؟

في عام 2011، كتب المستثمر مارك آندريسن مقالاً بعنوان "لماذا تأكل البرمجيات العالم"، قدم فيه حجة مقبولة على نطاق واسع أن "شركات البرمجيات تستعد للاستيلاء على مساحات واسعة من الاقتصاد". وصناعة المعونة ليست محصنة؛ فالمنظمات الإنسانية تتبع اتجاهات في قطاعات مثل الصحة والتعليم تأكلها البرمجيات بالفعل، ولكن أكبر وأقدم أثر من المرجح أن يكون على التحويلات النقدية.

حتى عندما يتم توزيع الأموال النقدية، تسهل تكنولوجيا المعلومات إجراء هذه التحويلات؛ وفي المستقبل لن تكون معظم التوزيعات نقدية، بل ستتم عن طريق الهاتف المحمول أو البطاقة المصرفية. وهذا جزء من ثورة واسعة النطاق في التكنولوجيا المالية، وسوف تكون البيانات التي تنتجها التحويلات النقدية ذات فائدة كبيرة، لأن البيانات هي النفط الجديد. لقد أصبح اللاجئون السوريون بالفعل شريحة من السوق لمقدمي الخدمات المالية.

وحتى التوزيعات النقدية هي أساساً توزيعات رقمية، وأن تؤكل من قبل البرمجيات يعني حقاً أن تؤكل من قبل شركات البرمجيات. وإذا بدأت شركات البرمجيات تحل محل المنظمات الإنسانية، فلن يتصدى لهذه التحديات عمال الإغاثة المتخصصون، بل علماء الكمبيوتر. وهذا هو لب المشكلة. وكما قال بيدرو دومينغوس في كتابه الأخير الخوارزمية الرئيسية: "في علوم الكمبيوتر، لا يتم حل مشكلة حقاً حتى يتم حلها بكفاءة".

وفي هذا السيناريو، سوف يستند العمل الإنساني الخوارزمي على برمجيات تحدد هوية المستفيد ونوع المساعدة المقدمة له وتقييم ما إذا كانوا يستخدمون تلك المساعدة على النحو الملائم - كل ذلك بهدف تحقيق الكفاءة. ولكن على الرغم من ما قد يريدك المانحون أن تعتقد، "الكفاءة" ليست هي المبدأ الإنساني الأساسي.

ويسير المستقبل الخوارزمي أيضاً جنباً إلى جنب مع موجة عارمة من الأتمتة - السيارات ذاتية القيادة، على سبيل المثال، تعتمد على الخوارزميات - التي من المتوقع أن تدمر فرص العمل على نطاق غير مسبوق. وفي محاولة عقيمة لجعل الأسياد من الروبوتات أقل ترويعاً، يقترح البعض أن تأثير الأتمتة على الوظائف التي تعتمد على العلاقات الإنسانية، مثل رعاية كبار السن أو المرضى، من المحتمل أن يكون هو الأقل. وسيكون من السهل أن نتصور أن العمل الإنساني يندرج تحت نفس الفئة، ولكن عندما استجابت المساعدات للبيئة المتغيرة، أصبحت أقل تعلقاً بالعلاقات، وأكبر تعلقاً بالمعاملات التجارية.

من الناحية المثالية، يكون الاقتصاد الإنساني علائقياً، وقائماً على أساس التضامن. ولهذا السبب، تحاول منظمة أطباء بلا حدود الاستمرار لفترة طويلة بعد رحيل الجميع؛ ليس فقط لتوفير الرعاية الطبية، ولكن أيضاً لكي تكون شاهدة وتفصح عن ما تراه. لا يمكن بناء التضامن إلا على أساس العلاقات الإنسانية، ولكن الأتمتة تهدد بتقويض هذا الأساس من خلال تسريع عملية انتقال الاقتصاد الإنساني من نموذج العلاقات إلى نموذج المعاملات التجارية.

ولا يمكن بناء نموذج المعاملات التجارية على أساس التضامن: بل يُبنى على أساس العقود. التضامن يعني الثقة، بينما تشير العقود إلى انعدام الثقة. وبالتالي، فإن نموذج المعاملات التجارية لابد أن يكون مبنياً على المعايير الفنية ومؤشرات الأداء الرئيسية والأطر المنطقية - وكلها أمور مرغوب فيها، ولكن لا يكفي أي منها لتلبية الواجب الإنساني، الذي يواجه خطر الانجراف.

إن الخوارزميات بالإضافة إلى الأتمتة سوف تزيل الطابع المادي عن المساعدة الإنسانية. على سبيل المثال، بدأت المنظمات الإنسانية تتعامل مع حقيقة أن بعض البرامج الإنسانية - توزيع المواد الغذائية، على سبيل المثال – ستنهار عندما يصبح التوزيع النقدي أوسع انتشاراً. هذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً، بالنظر إلى المشاكل التي يمكن أن يتسبب فيها توزيع المواد الغذائية، ولكن ما يأخذ مكانه من المحتمل أن يكون مزيجاً مثيراً من رأسمالية المنصات ورأسمالية المراقبة ورأسمالية الكوارث.

لقد توقع كارل ماركس حدوث هذا، وقدم لنا البيان الشيوعي رؤية واضحة لنهاية دولة الرأسمالية البرجوازية: " كل ما هو صلب يذوب متناثراً فى الهواء وكل ما هو مقدس يدنس وأخيراً يضطر الإنسان لمواجهة أحواله المعيشية الحقيقية وعلاقاته مع بني جنسه بحس ووعي رزين". الأطفال يحبون ماركس ليس فقط بسبب لحيته المسايرة للموضة، ولكن أيضاً بسبب لهجته المروعة: سوف تذوب منظماتنا في الهواء، وسوف تُدنس مبادئنا، ونحن مضطرون لمواجهة الطبيعة الحقيقية لعلاقاتنا مع الناس الذين ندعي مساعدتهم.

لا يجب أن يكون العمل الإنساني الخوارزمي مروعاً للقطاع الإنساني، ولكن فقط إذا استثمرنا في ضمان أن تعكس خوارزمياتنا قيمنا. وهذا يعني أنه بدلاً من أن تسيطر علينا شركات البرمجيات، قد نحتاج لأن نصبح نحن شركات برمجيات - وإلا فإن عدم إلمامنا بالحاسوب سيعني ترك الترميز لخيال مبرجي الكمبيوتر المفرط في النشاط.

ويمكن أن تكون النتيجة النهائية أسوأ بكثير من تطبيقات الجوال التي يتم الترويج لها بشكل مفرط والضعيفة الأداء والسيئة للغاية: يمكن أن تكون إنسانية جوفاء تقوض إنسانيتها الجوهرية "ماكينات نعمة المحبة".

pc/bp/ag-ais/dvh

الصورة الرئيسية: بايرون مايفيلد [ CC BY-SA 3.0 أو GFDL]، عبر ويكيميديا كومنز