مساعدة ليبيا: المشهد على الأرض

ملاحظة من الكاتب

محمد الشابك هو عامل إغاثة شغل منصب منسق الاستجابة لحالة الطوارئ في ليبيا وتونس في إحدى المنظمات الإنسانية الرائدة خلال الفترة من سبتمبر 2015 إلى يونيو 2016، وهو حاصل على ماجستير في التنمية الدولية وعمل أيضاً في ليسوتو وجنوب أفريقيا وباكستان وأوغندا وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان.

منذ الإطاحة بمعمر القذافي، الديكتاتور السابق الذي حكم البلاد لمدة 42 عاماً، لم تشهد ليبيا استقراراً يُذكر. وفي الأونة الأخيرة، انتقلت الأمور من سيء إلى أسوأ.

 

 

توشك جهود الأمم المتحدة لتحقيق تغيير سياسي على الفشل. وفي 30 مارس، دخلت حكومة الوفاق الوطني التي تحظى برعاية الأمم المتحدة إلى العاصمة طرابلس. ولقيت حكومة الوفاق الوطني ترحيباً على مضض من جانب العناصر العسكرية والسياسية المتباينة في ليبيا، وخاصة من منافسيها الرئيسيين: قدم المؤتمر الوطني العام في طرابلس دعماً محدوداً، بينما رفض مجلس النواب في طبرق سلطتها تماماً. وحتى الآن، لم تتمكن الحكومة الجديدة من ممارسة أي سلطة حقيقية خارج مكاتبها في طرابلس. ولا تزال ليبيا بلداً يعاني من انقسام عميق ويحاول الآن استيعاب ثلاث حكومات.

ويتركز معظم الاهتمام الدولي على عقد صفقات سياسية وعلى كيفية محاربة النمو السريع للتطرف، الممثل في فرع ليبيا من ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. وهناك إهمال شديد لكيفية تطور هذه التعقيدات على الساحة الإنسانية. وقد أصبح الحصول على الضروريات الأساسية، مثل الغذاء والمأوى والسيولة النقدية والكهرباء والماء، صعباً للغاية في معظم أنحاء البلاد من جراء الفوضى التي تعم المشهد السياسي والعسكري. وقد حذر كبير مسؤولي الإغاثة الطارئة التابع للأمم المتحدة في ليبيا من أن 2.44 مليون شخص يحتاجون إلى الحماية وشكل من أشكال المساعدة الإنسانية - بما في ذلك ما يقدر بنحو 425,000 نازح داخلياً.

تقرير ذو صلة

"أين حلف الناتو الآن؟"

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار البضائع والسلع آخذة في الزيادة. ويفتقر نظام الرعاية الصحية إلى الإمدادات الأساسية - تحظر الأطراف المتحاربة إيصال المساعدات – ويقف على حافة الانهيار. وقد أعطت خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2016، التي يعدها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الأولوية لسبعة مجالات هي: الصحة والحماية وانعدام الأمن الغذائي والمأوى والمواد غير الغذائية والمياه والصرف الصحي.

ومن المعروف أن هناك نقصاً في الأموال الدولية التي يتم تخصيصها للعمليات الإنسانية بشكل عام، ولكن على الرغم من حجم الأزمة الليبية، فإنها لا تحظى سوى بالحد الأدنى من الاهتمام.

هناك عدة أسباب لذلك:

أولاً، اعتُبرت ليبيا دولة ذات أغلبية سكانية متوسطة الدخل وتمتلك أصولاً مجمدة تُقدَر قيمتها بنحو 67 مليار دولار. وقبل اندلاع النزاع في عام 2011، كانت ليبيا تمتلك بنية تحتية تشغيلية راسخة، ولا تزال صالحة للعمل من الناحية الفنية على الرغم من وجود أنظمة حكم متضاربة. ونظراً لوجود إداراتين (والآن ثلاثة)، من الضروري وجود قنوات اتصال أكثر انفتاًحاً لتسهيل الخدمات العامة، بدلاً من الترتيبات الإنسانية العشوائية. وكانت إحدى تبعات ذلك هي أن منظمات التمويل تبدو مترددة في تخصيص الأموال الإنسانية النادرة لليبيا، وتفضل اعتماد نهج "الانتظار والترقب" على أمل التوصل إلى اتفاق سياسي ينتج عنه الإفراج عن الأصول المجمدة.

ثانياً، ينبغي أن تتبع العمليات الإنسانية سرد المساعدات المعتاد عن الحياد وعدم التحيز، لأنه من المعتقد أنهما ضروريان لضمان الوصول والقبول. إن الصراع في ليبيا سياسي بامتياز - يتسم بمشهد دائم التغير، مع تحالفات تتبدل باستمرار وفقاً للمصلحة والظروف.

وتضطر منظمات الإغاثة إلى مخالفة القواعد وعقد تحالفات لضمان إيصال المساعدات، مع احترام خط رفيع من الاختلافات القبلية والعرقية. ويرى بعض عمال الإغاثة أن مثل هذه الحلول الوسط، التي تؤثر على كفاءة و"نزاهة" المساعدات، ضرورية للوصول إلى من هم في أمس الحاجة إليها. ولكن البعض الآخر يفسر هذا النوع من التدخل على أنه رشوة تعزز الانتهازية. وفي سياق شديد الاستقطاب وتسيطر عليه الميليشيات، يخشون أن يُعرّض ذلك عمال الإغاثة للخطر.

ثالثاً، على الرغم من واقع الاحتياجات الإنسانية، فإن متطوعي الإغاثة في ليبيا يكافحون من أجل تحديد مجالات التدخل ذات الأولوية. وتشمل الأسباب الرئيسية القيود الثقافية والحواجز الاجتماعية، حيث أن التواصل مع الفئات الضعيفة من السكان لا يزال يشكل تحدياً. وفي السياق الليبي، تضم هذه المجموعة المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين الذين تقطعت بهم السبل، ومعظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وكذلك النازحون داخلياً، لاسيما مجموعات من النساء والأطفال.

والجدير بالذكر أن النازحين من ضحايا الحرب بحاجة إلى الدعم النفسي، ولكنهم قد لا يلتمسون المساعدة الإنسانية بسبب الكرامة والأعراف الاجتماعية. "إنهم يختفون؛ نسمع عنهم ولكننا لا نراهم،" كما ذكر أحد عمال الإغاثة. في ليبيا، يبدو أن معظم النازحين يبحثون عن مأوى في منازل في المناطق والمدن الهادئة نسبياً. وبشكل عام، فإن الحاجة الإنسانية ليست واسعة النطاق، ولكن المساعدة في مجال الصحة العقلية ضرورية. يمكن أن يأتي هذا الدعم في المرحلة الثانية من التدخل عندما تتحسن الظروف ويتطلب الأمر نوعاً مختلفاً من الدعم على المدى الطويل.

رابعاً، للأسف تُعتبر ليبيا مثالاً واضحاً على كيفية إساءة استخدام المساعدات لتحقيق بعض المساعي السياسية. والتمويل الإنساني في ليبيا في جوهره ليس محدوداً فحسب، بل مصمماً لدعم أهداف سياسية أيضاً. فعلى سبيل المثال، يدعم الاتحاد الأوروبي وحكومات غربية رئيسية أخرى بنشاط الحوار الذي تقوده الأمم المتحدة بين الأطراف الليبية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية وهي على استعداد لدعم حكومة الوفاق الوطني. وسوف يسمح تشكيل وشرعنة حكومة الوفاق الوطني بتدخل لتهدئة اثنين من المخاوف الدولية الرئيسية، وهما الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا والتسلل المريب لتنظيم الدولة الإسلامية. وفي الوقت الحاضر، يماطل الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الرئيسية الأخرى في تقديم المساعدات الإنسانية من أجل الضغط على الأطراف المتحاربة الأخرى لتأييد حكومة الوفاق الوطني.

ويمكن رؤية العواقب غير المباشرة لهذا الأمر في شح السيولة النقدية ونقص المستلزمات الطبية. وهذا يعيد التركيز مرة أخرى على قضايا الحياد الإنساني وعدم التحيز، لأن المساعدات والجهات الفاعلة الإنسانية تعتمد على الخطط الأمنية والسياسية التابعة للجهات المانحة الغربية.

ومن الواضح أن المساهمين يهتمون بخطط التنمية الطويلة الأجل لتحقيق استقرار الحكم والأمن وقضايا الهجرة أكثر من اهتمامهم بالبرامج الإنسانية قصيرة المدى في هذا البلد الغني بالنفط. ولكن من الأهمية بمكان عدم استبعاد الجهات الفاعلة الإنسانية، والاعتراف بهذه المخاوف بشأن مصداقية وموضوعية العمل الإنساني في ليبيا.

me/as/ag-ais/dvh

الصورة: اليونيسف