تعز/عونيقبة/عدن، 1 مارس 2017
إيونا كريغ

صحافية مستقلة

مر ما يقرب من عامين منذ انقطاع المياه والكهرباء عن ثالث أكبر مدينة في اليمن. يدخل الصراع في تعز، التي أنهكها القصف بلا هوادة والقتال من شارع إلى شارع، عامه الثالث الآن. وفي حين تتواصل الأعمال العدائية التي تبدو بلا نهاية، يواجه المدنيون كل يوم معركة أكثر فتكاً من أي وقت مضى، إنها معركة ضد الجوع.

ومحافظة تعز هي واحدة من أكثر المناطق تضرراً في البلاد التي تواجه أكبر حالة طوارئ ناجمة عن انعدام الأمن الغذائي في العالم. يعتبر اليمن على بعد "خطوة واحدة من المجاعة" وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، حيث تشهد المستشفيات والمراكز الطبية زيادة حادة في حالات سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر تصنيفات نقص التغذية.

وقد خلق مزيج من القضايا - القيود التي تعرقل الحصول على الغذاء والرعاية الطبية بسبب الحصار المفروض على المستوى المحلي، وارتفاع تكاليف الغذاء والماء، وزيادة الاعتماد على أجور موظفي الدولة الذين لا يتقاضون رواتبهم - تحدياً هائلاً للبقاء على قيد الحياة كل يوم في تعز، التي شهدت بعض أعنف المعارك وأطولها في بلد دمرته الحرب.

تعز واليمن

وتعز هي واحدة من محافظتين (من أصل 22 محافظة) تواجهان بالفعل مستويات الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي. لكن الأمم المتحدة قالت الأسبوع الماضي أن اليمن بأكمله سيواجه خطر المجاعة في الأشهر الستة المقبلة.

وتعد هذه الأزمة من صنع الإنسان إلى حد كبير، وناجمة عن سنوات من الحرب.

وتجدر الإشارة إلى أن النزاع المسلح بدأ في عام 2014، عندما انضم الحوثيون - وهي حركة شيعية زيدية في شمال اليمن - إلى الوحدات العسكرية الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي تمت الإطاحة به في عام 2012 بعد ثلاثة عقود في السلطة. وأدى هذا التحالف إلى استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.

وبعد خمسة أشهر، توغلت القوات المشتركة داخل مدينة عدن في جنوب البلاد، مستخدمة سلاح الجو لقصف المدينة وإجبار الرئيس عبد ربه منصور هادي على الفرار إلى منفاه في المملكة العربية السعودية. وردت السعودية في مارس 2015 بشن حملة عسكرية مضادة، بدعم من تحالف إقليمي.

وبدأ وسط مدينة تعز معركته الخاصة ضد قوات الحوثيين وصالح في شهر أبريل. وسرعان ما أدت السياسة المحلية والمصالح المتضاربة لشركاء الائتلاف الرئيسيين إلى مستنقع عسكري، وفرض الحوثيون حصاراً على المدينة.

ونظراً لنشوب الاقتتال الداخلي بين عدة مجموعات مختلفة على الجانب المضاد للحوثيين، أصبح الصراع الدائم من أجل السيطرة على تعز أطول معركة في الحرب الأهلية اليمنية. في الوقت نفسه، وبعد أكثر من عام من الجمود على جبهات أخرى متعددة من الصراع البري، تحول تركيز التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في الشهر الماضي إلى الساحل الغربي لمحافظة تعز.

وفي محاولة واضحة للتوجه إلى ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون - وهو مسار رئيسي للإمدادات الغذائية إلى المنطقة الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية - سيطرت قوات التحالف على مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر في وقت سابق من هذا الشهر. وقد دفعت هذه الموجة الجديدة من العنف أكبر مسؤولي الأمم المتحدة في اليمن إلى توجيه نداء الأسبوع الماضي، حيث قال جيمي ماكغولدريك في بيان له: "إنني أشعر بقلق عميق إزاء تصعيد الصراع والنشاط العسكري في الساحل الغربي لليمن. ويأتي هذا بكلفة باهظة بالنسبة للمدنيين ... الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني المزري بالفعل".

​حالة عونيقبة

في مراكز التغذية العلاجية الأربعة التي زارتها شبكة الأنباء الإنسانية في محافظة تعز، تظهر السجلات أن عدد الأطفال الذين يعالجون من سوء التغذية الحاد الوخيم لديها قد زاد إلى أكثر من الضعف مقارنة بأرقام ما قبل الحرب. ويأتي معظم الذين يتلقون العلاج من جبل صبر، خارج المدينة.

وفي عونيقبة، إحدى القرى النائية في جبل صبر التي لا يتوفر سجل رسمي لعدد سكانها، يكافح السكان بشكل واضح لتدبر أمورهم.

فقد أرباب الأسر هنا وظائفهم بسبب الصراع أو ينتظرون الرواتب الحكومية التي لم يتقاضوها منذ ستة أشهر أو أكثر. وساهمت الطرق المغلقة منذ عدة أشهر من قبل قوات الحوثيين بالإضافة إلى الموجة الجديدة من أعمال العنف في رفع أسعار الغذاء والماء.

ولم يعد سكان قرية عونيقبة قادرين على تحمل تكلفة نقل المياه بالشاحنات، حيث تضعافت الأسعار ثلاث مرات جراء الحصار الذي يفرضه الحوثيون وصالح على مدينة تعز منذ عام 2016. ولذلك يتبع السكان الآن نظام الحصص لتوزيع المياه على الأسر من ينبوعهم الذي يوشك على الجاف. يتم تخصيص ست ساعات لكل ثلاثة منازل لملء جراكن المياه البلاستيكية الصفراء، قبل حلول دور المنازل الثلاثة التالية.

وفي هذا الوقت من السنة، تقترب المياه الجوفية من أدنى مستوياتها، وبالتالي يستغرق ملء وعاء واحد سعة 20 لتراً ما بين ساعتين وثلاث ساعات. ويستمر العمل طوال الليل، حيث تجلس النساء والأطفال تحت الأشجار عند الينبوع على مدار 24 ساعة يومياً لجمع قطرات ثمينة من المياه.

ومع عدم تمكن السكان من ري حقولهم المدرجة، توقفت زراعة الكفاف تماماً وباتت القرية بأكملها تنتظر بترقب هطول أمطار الربيع التي ستمكنهم من زراعة محاصيل لن تكون جاهزة للحصاد قبل شهر أكتوبر.

وحتى ذلك الحين، يعيش الكثيرون منهم على وجبة واحدة في اليوم، ويعتمدون على رواتب أفراد الأسرة الممتدة في المدن البعيدة، حيث تطالب احتجاجات منتظمة بدفع الرواتب المتأخرة.

​احتجاجات وبنك مركزي مصاب بالشلل

يسلم محمد هيثم هو من قدامى المحاربين الذين خاضوا ثلاث حروب في اليمن وواحد من عشرات الجنود الذين ينظمون احتجاجات أسبوعية عن طريق قطع الطرق عند تقاطع رئيسي في مدينة عدن الجنوبية والمقر الحالي لحكومة الرئيس هادي المعترف بها دولياً (ولكن معظم أعضائها لا يزالون في المنفى).

وأمام الاطارات المشتعلة، وبينما يتكئ على عكازيه، يشكو الرجل البالغ من العمر 45 عاماً والذي بترت ساقه من عدم حصوله على راتب منذ منتصف العام الماضي. وحتى أولئك الذين حصلوا على رواتب يقولون أن المبلغ الذي حصلوا عليه لا يغطي سوى شهر واحد فقط من عدة شهور قضوها بلا أجر.

والجدير بالذكر أن الجنود والطواقم الطبية والعاملين في المؤسسات الحكومية هم من بين موظفي الدولة الذين لم يتقاضوا أجراً منذ أغسطس 2016 في جميع أنحاء اليمن. وحيث أن الحرب أجبرت شركات القطاع الخاص على التوقف عن العمل، فإن الأجور التي يحصل عليها موظفو الخدمة المدنية، والتي كانت تستخدم في السابق لدعم أسرة واحدة أو اثنتين على الأكثر، يتم تقسيمها الآن لتلبية احتياجات 20 أو أكثر من أفراد الأسرة الممتدة.

وقد تصاعدت الضغوط الاقتصادية في عونيقبة وتعز الكبرى واليمن ككل جراء نقل البنك المركزي اليمني إلى عدن في شهر سبتمبر الماضي.

وتم تجميد معظم رواتب موظفي الحكومة قبل نقل البنك (عندما كان البنك المركزي اليمني لا يزال تحت سيطرة الحوثيين في صنعاء)، ولكن نتيجة لعملية النقل التي شابها سوء الإعداد، أصبح البنك المركزي اليمني الآن غير قادر على تقديم أسعار الصرف التي عادة ما تكون أكثر انخفاضاً للتجار الذين يستوردون المواد الغذائية إلى البلاد.

وأدى إلغاء ما كان في الواقع دعماً حكومياً للواردات الأساسية - يعتمد اليمن على استيراد 90 بالمائة من احتياجاته الغذائية - إلى ارتفاع أسعار القمح والأرز. وعلى الرغم من أن البنك المركزي اليمني يعتزم تجديد سعر الصرف المضمون بمجرد عودته إلى العمل بشكل كامل، والتي من المتوقع أن تكون في وقت ما في شهر أبريل، فقد عطلت هذه الخطوة بالفعل دخول المواد الغذائية إلى البلاد.

وقد تباطأت الواردات في ميناء الحديدة بشكل كبير خلال الحرب بسبب القيود المفروضة على السفن من قبل قوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بمرافق الميناء جراء الصراع. ويقال أن ميناء الحديدة "يعمل بالحد الأدنى من طاقته" ويتوقع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة نفاد مخزونات القمح والسكر بحلول نهاية أبريل.

وتشكل الآن الطرق البرية المزدحمة غير الموثقة، لاسيما عبر سلطنة عمان المجاورة، خط إمداد متزايد الأهمية يوفر المواد الغذائية والسلع في شمال اليمن. ولكن قطع هذه المسافات الطويلة يسهم في ارتفاع الأسعار. وتشير أحدث الإحصاءات الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي إلى أن متوسط سعر الدقيق قد ارتفع بنسبة 32 بالمائة في شهر يناير مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بعد زيادة تكلفة المواد الغذائية الأساسية في الشهر الأول من عام 2017، وذلك بعد أربعة أشهر من الاستقرار.

التحويلات المالية وانهيار نظام الرعاية الصحية

وفي ظل انعدام مصادر الدخل، تعتمد الأسر في عونيقبة الآن تماماً على التحويلات المالية من المراكز الحضرية في اليمن. "يمكننا فقط شراء نصف الطعام الذي كنا نشتريه قبل [الحرب]،" كما قالت سميرة أحمد البالغة من العمر 30 عاماً، وهي تجلس بجوار ينبوع المياه وترتدي قبعة تقليدية عريضة الحواف من القش، ويكسو وجهها اللون البرتقالي نظراً لتغطيته بطبقة من الكركم - وهو أسلوب تقليدي للحماية من الشمس.

كما أصبحت الرعاية الصحية رفاهية زائدة بالنسبة لسكان الريف. فلا أحد يستطيع أن يدفع 5,000 ريال (حوالي 15 دولاراً) لركوب سيارة أجرة إلى الطريق الأسفلتي الذي يبعد بضعة أميال عبر طريق جبلي، الأمر الذي يجعل الحصول على الرعاية الطبية بعيداً عن متناول الآلاف من الأسر التي تعيش خارج نطاق عمل منظمات الإغاثة في قرى المرتفعات النائية.

وبالإضافة إلى الأعباء اليومية، ازداد عدد سكان عونيقبة نتيجة للصراع. فقد عاد الآباء والأبناء الذين كانوا يعملون في المدن إلى ديارهم في القرية بعد تصاعد أعمال العنف وإغلاق الشركات وفقدان الكثيرين لوظائفهم. وأصبحت القرية أيضاً الملاذ الآمن المحلي للنازحين من المناطق القريبة من الخطوط الأمامية.

لدى هزاع حسن زايد 10 أطفال وهو الآن بلا وظيفة بعد فقدان عمله كبنّاء. وعن ذلك قال: "أعتمد الآن على أخي. لديه ثلاثة أطفال، ولكنني بحاجة إليه حتى نتمكن من شراء الطعام ودفع إيجار الأرض، حتى نتمكن من زراعتها".

عاد العديد من القرويين إلى عونيقبة من مدينة تعز، حيث يعني استمرار الحصار الجزئي المفروض من قبل الحوثيين أن الرحلة التي كانت تستغرق أقل من 15 دقيقة عبر شرق المدينة تستغرق الآن خمس ساعات، على الرغم من تخفيف الحصار المستمر منذ عام كامل. وتضطر الشاحنات التي تنقل الإمدادات وتحاول الوصول إلى المدنيين في الجانب الجنوبي من تعز إلى السفر لفترة طويلة على مجرى نهر جاف - وهو طريق ستقطعه الأمطار عندما تهطل في شهر أبريل.

داخل هذا الجيب، لا تزال حتى المناطق "المحررة" من المتمردين الحوثيين هادئة بشكل مرعب، وتحذر إشعارات مكتوبة على أبواب البيوت والجدران من الشراك الخداعية والألغام. هجر السكان الخائفون من العودة منازلهم إلى أجل غير مسمى، بعد سماع قصص عن العائدين الذين لقوا مصرعهم جراء انفجارات عند فتح الباب الأمامي لمنزلهم، ولم يتم العثور على جثثهم إلا بعد عدة أيام.

وعلى مقربة من الخطوط الأمامية، تمتد قطع القماش المشمع عبر الشوارع الضيقة - لحجب الرؤية عن المسلحين الحوثيين - وترافقها إشارات تنبه المارة الشجعان إلى وجود قناصة ينتظرون لاصطياد الضحية التالية: الأطفال الذين يحضرون الماء والرجال الذين يحملون البقالة - لا أحد في مأمن من القناصة المختبئين في مبان على بعد أمتار قليلة.

إيونا كريغ/إيرين
رجل يصلح لوحة شمسية أمام القماش المشمع الذي يستخدم لحجب الرؤية عن القناصة الحوثيين في تعز

وكما هو الحال في بقية اليمن، انهار نظام الرعاية الصحية أيضاً.

كان المستشفى اليمني السويدي المدعوم من قبل منظمة أطباء بلا حدود أفضل منشأة رعاية صحية أولية في تعز للأطفال، ولكن الدمار لحق به بعد احتلاله من قبل قوات الحوثيين وصالح بغرض الإقامة داخل المبنى في بداية الحرب. وفي الوقت الذي تلوح فيه مجاعة في الأفق، فقدت تعز وحدة عناية مركزة حيوية للأطفال ومركز تغذية بعد التخلي عن طابقين بسبب الأضرار الواسعة النطاق. ويعمل مركز تغذية الأطفال المصابين بسوء التغذية في المستشفى الآن من خلال ستة أسرة محشورة في غرفة واحدة صغيرة في الطابق الأرضي.

كانت رؤود التي تبلغ من العمر خمسة أشهر والقادمة من جبل صبر، واحدة من المرضى. كان جلدها مترهلاً على يديها الهزيلتين. فقد ولدت مصابة بسوء التغذية وأحضرتها أمها النحيلة بشكل واضح وهي تزن ثلاثة كيلوغرامات فقط، أي أقل من نصف الوزن المتوقع لطفل يتمتع بصحة جيدة في سنها.

"إن الوضع اليائس في تعز يجسد ما يحدث في اليمن ككل،" كما أكدت مديرة الطوارئ في مكتب منظمة أطباء بلا حدود في اليمن، كارلين كليجر، في بيان أصدرته في أواخر الشهر الماضي. وغالباً ما يكون الأطفال الصغار مثل رؤود من يعاني أولاً.

ووفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، يعاني 460,000 طفل في اليمن حالياً من سوء التغذية الحاد. وقد أجبر نقص التمويل برنامج الأغذية العالمي على خفض الحصص الغذائية في اليمن إلى أقل من النصف منذ العام الماضي. خلّف الصراع نحو 10,000 قتيل، وهذا تقدير متحفظ، ولكن مما لا شك فيه أن تأثير الحرب السلبي على المدنيين أعلى من ذلك.

وحيث أن تصاعد العنف على الساحل الغربي للمحافظة قد أجبر عشرات الآلاف على الفرار من منازلهم منذ يناير الماضي، وما لم يحدث تغيير جذري في مسار الصراع في اليمن خلال الأشهر المقبلة، من المرجح أن تكون محافظة تعز - بما في ذلك سكان قرية عونيقبة - أول المناطق التي تحصل على تصنيف "المجاعة" غير المرغوب فيه.

تم إعداد هذا المقال بدعم من مركز بوليتزر للإبلاغ عن الأزمات

(الصورة الرئيسية: قياس علامات سوء التغذية على أحد الأطفال في تعز. أحمد الباشا/إيرين)

ic/as/ag-ais/dvh