الرياض، 8 سبتمبر 2016
آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

قال الفريق الركن فياض الرويلي: "موقفنا قوي للغاية. نحن نضرب أهدافاً عسكرية تابعة [للعدو] ومرافقه وخطوط اتصاله .... وفي نهاية المطاف، سوف يكونون هم الخاسرون".

 

 

كان اليقين الذي اتسم به حديث نائب رئيس أركان القوات المسلحة السعودية وهو يوضح موقف بلاده يبدو غير طبيعي، لاسيما في ضوء العاصفة التي تختمر حول تدخل المملكة في اليمن المستمر منذ 17 شهراً.

حصلت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) على فرصة نادرة لدخول خلايا متخصصة داخل وزارة الدفاع السعودية يتم فيها اتخاذ قرارات الاستهداف، ووجدت انفصالاً صارخاً بين الحسابات الهادئة التي يجريها الجنرالات في الرياض وقتل المدنيين الأبرياء والنساء والأطفال على أرض الواقع.

وطوال جولة إيرين المصحوبة بمرشدين، أصر مسؤولون عسكريون سعوديون أنهم يتوخون الدقة في تحديد الأهداف، ويلتزمون بقواعد الحرب، ويحسنون باستمرار التدابير التي يتخذونها لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين.

وقال الرويلي أن الأرقام التي تنشرها الأمم المتحدة بشأن القتلى المدنيين لا يمكن الوثوق بها.

"نحن لا نقول أنه لا توجد [أي خسائر بين المدنيين]. أي عملية عسكرية ضد [قوات تستخدم حرب] العصابات ستكون لها بعض الأضرار أو الآثار التبعية،" ولكن عدد الضحايا لا يزال عند حده الأدنى، كما أضاف الرويلي.

"نحن نختار أهدافنا بعناية فائقة. وندقق في قائمة الأهداف ... ولدينا قائمة بالأماكن التي يُحظر استهدافها - وهي تضم آلاف المواقع - ونتجنب بالفعل كل هذه الأهداف،" كما أكد.

آني سليمرود/إيرين

ويتم صنع الكثير من القرارات داخل غرفة العمليات التي تحتوي على لوحة، باللغتين العربية والإنجليزية، مكتوب عليها "خلية الاستهداف المشترك". وعلى الرغم من اسمها، لا يبدو أن الخيارات بشأن ما يجب استهدافه تتم هنا، بل فقط ما لا يجب ضربه.

هناك خرائط طبوغرافية على أحد الجدران والمزيد من الرجال الذين يرتدون الزي العسكري أمام أجهزة الكمبيوتر. وتظهر خريطة اليمن على أحد جانبي شاشة كبيرة. وتوضح أيقونات ملونة المدارس والمستشفيات ومواقع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المعروفة. وعند تكبير منطقة صنعاء، يمكن رؤية بعض التسميات: مستشفى، وموقع تابع للهلال الأحمر، وكلية. ويتم تبادل إحداثيات هذه المواقع من قبل المجموعات نفسها.

وقد عُرضت على شبكة الأنباء الإنسانية وثيقة صادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المعونة في حالات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة. وأوردت الوثيقة تفاصيل دقيقة عن قافلة المساعدات المخطط لها: مواعيد القيادة، والإحداثيات الدقيقة، وصور المركبات.

وأوضح أحد الجنود كيفية عملها. إذا كان هناك هدف ثابت على مسافة لا تتجاوز 500 متر من موقع "يُحظر ضربه" أو منطقة مأهولة بالسكان، فإن الطائرات الحربية إما لا تقصفه أو تختار سلاحاً أقل فتكاً. وقيل أن خلية "الاستهداف" هذه تنسق  مع الطيارين المنوط بهم تنفيذ القصف الفعلي على مدار الساعة.

هرع المقدم تركي المالكي من القوات الجوية من مكتبه في الغرفة المجاورة للإجابة على مزيد من الأسئلة حول الواقع الصعب للحرب غير المتماثلة. وقال مازحاً أنه "أكثر رجل مكروه في القوات الجوية" لأنه هو الرجل الذي يضطر لإلغاء بعض الضربات الجوية.

وقال المالكي أن المملكة تبذل قصارى جهدها للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين وتسعى باستمرار إلى "تحسين العملية". "هل تضمن منهجية الأضرار التبعية التي نتبعها التنفيذ الآمن [للحرب] بالنسبة للمدنيين؟ نعم إنها تفعل ذلك،" كما أكد بثقة.

تحقيق ذاتي؟

وقال السعوديون أنهم عندما يخطئون، فإنهم يتحملون المسؤولية كاملة.

وقال الرويلي: "نحن بشر ونرتكب أخطاءً،" وفي هذه الحالات "لدينا فريق تحقيق مستقل [يفعل] كل شيء، وإذا ارتكبنا خطأ، فإننا ... نعترف به".

وتتم هذه العملية عن طريق ما يسمى الفريق المشترك لتقييم الحوادث. في مطلع شهر أغسطس، أصدر الفريق المشترك لتقييم الحوادث، وهو مجموعة من الخبراء المعينين من منطقة الخليج، تقريراً موجزاً عن ثمانية تحقيقات في مزاعم بشأن هجمات انتهكت القانون الدولي.

في إحدى الحالات - غارات جوية على مجمعات سكنية متصلة بمحطة للطاقة في يوليو 2015 قالت منظمة هيومن رايتس أنها أسفرت عن مقتل 65 مدنياً على الأقل، من بينهم 10 أطفال - خلص الفريق إلى أن معلومات استخباراتية خاطئة أدت إلى توجيه هذه الضربة، ووعد بدفع تعويضات لأُسر الضحايا.

وفي حالة أخرى - قصف مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في صعدة - وجد التحقيق أن قوات المتمردين الحوثيين كانت تستخدم المبنى، لكنه قال أن الجيش كان يجب أن يخطر المنظمة الطبية الخيرية قبل توجيه الضربة.

وفي بقية الحالات، بما في ذلك قصف سوق ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة أنه أسفر عن ما بين 97 و107 حالة وفاة في صفوف المدنيين، بينما لم يجد الفريق المشترك لتقييم الحوادث دليلاً على حدوث أي وفيات على الإطلاق - برأت التحقيقات قوات التحالف. وقال الرويلي أن الفريق المشترك لتقييم الحوادث ينظر الآن في سبع حالات أخرى.

ولكن التحقيق الداخلي ليس كافياً، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنتقدين، الذين يرون أن السعوديين يجب أن ينشروا تفاصيل حول أعضاء الفريق وتقارير كاملة عن كل حادثة. وقد دعت الأمم المتحدة أيضاً إلى إجراء تحقيقات مستقلة.

لكن الرويلي أصر على عدم الحاجة إلى مثل هذه التحقيقات.

وأضاف أن قائد الفريق هو جنرال متقاعد كان يخدم في القوات الجوية "ولم يعد يعمل لدى الحكومة. إنه مستقل".

العودة إلى أرض الواقع

وفي اليوم نفسه الذي زارت فيه شبكة الأنباء الإنسانية مقر إدارة الحرب في الرياض، عقب اقتيادها بعيداً عن حرارة الصحراء بعد توجيه بضعة أسئلة وإجراء مكالمات هاتفية من قبل رجل شرطة عسكرية يرتدي قبعة حمراء، رفعت الأمم المتحدة تقديراتها لعدد القتلى في اليمن إلى 10,000. والجدير بالذكر أن الأرقام الرسمية ظلت عند مستوى الـ6,000 لعدة أشهر. وبالنظر إلى حجم القتال، بدأ هذا الرقم ينافي المنطق.

وحتى شهر يونيو من هذا العام، بلغت نسبة الضحايا من المدنيين اليمنيين 82 بالمائة من الوفيات والإصابات الناجمة عن الغارات الجوية التي يشنها التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وفقاً لمنظمة مكافحة العنف المسلح، وهي مجموعة تراقب العنف المسلح في جميع أنحاء العالم وتحقق في تجارة الأسلحة.

ويعني تصاعد حصيلة الضحايا المدنيين وضع هذه التجارة، عندما يتعلق الأمر بمن يتعامل مع المملكة العربية السعودية، تحت المجهر بشكل متزايد.

وتجدر الإشارة إلى أن الغارات الجوية ليست الوحيدة التي تتسبب في المعاناة. فقد حولت الحرب الوضع في اليمن من ما كان بالفعل أزمة إنسانية قبل القتال إلى ما يشبه كارثة كاملة الأركان الآن. فأكثر من نصف سكان البلاد البالغ عددهم 26 مليون نسمة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وقد نزح 2.8 مليون شخص (أكثر من 10 بالمائة من جميع اليمنيين) من ديارهم، وقطاع الرعاية الصحية الحيوي لا وجود له تقريباً.

المقداد مجلي/إيرين
آثار قصف نفذته قوات التحالف في الأشهر الأولى من الحرب

واتهمت جماعات حقوقية قوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية بقتل المدنيين واستهداف البنية التحتية المدنية. وأبرز تقرير صدر في مطلع شهر أغسطس عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان تفاصيل الضربات التي استهدفت أعراس ومنازل وأسواق والبنية التحتية المدنية. وذكر أيضاً انتهاكات من قبل الحوثيين والأطراف الأخرى في النزاع، الذي لم يعد معركة بين جانبين اثنين فقط.

وببساطة، أصبح تجاهل الوضع في اليمن أكثر صعوبة. وقد ثار سخط شديد في الآونة الأخيرة عندما أزالت الأمم المتحدة الائتلاف من قائمة منتهكي حقوق الأطفال، تحت تهديد المملكة العربية السعودية بسحب تمويلها للبرامج الإنسانية الحيوية.

تحالف مهترئ

ووراء جدران وزارة الدفاع المرتفعة التي تبدو بيضاء تحت الشمس المشرقة في الرياض، حيث تدير قيادة الأركان العامة الحملة الجوية في اليمن، يبدو كل شيء هادئاً ومطابقاً للسياسة الرسمية، ووفقاً للمسؤولين، يعمل كالساعة.

ولكن الأحداث على الأرض تحكي قصة مختلفة للغاية. فقد أسفر قصف الحوثيين لتوه عن مقتل صبي يبلغ من العمر ثلاث سنوات في مدينة نجران الحدودية السعودية؛ ووقعت "مجزرة" في مدينة عدن في جنوب اليمن بسبب تفجير انتحاري أعلن ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنه. كما أعلنت منظمة أطباء بلا حدود للتو عن انسحابها من شمال اليمن بعد تعرض منشأة أخرى تابعة لها للقصف.

وكان الرويلي، الذي شغل في السابق منصب قائد القوات الجوية الملكية السعودية، رابط الجأش بشكل واضح. يرتدي نظارة طبية ولديه لحية قصيرة، ويرافقه عدد من زملائه الذين يرتدون الزي العسكري، وشرح بطريقة لا لبس فيها حالة أول حرب كبرى تخوضها مملكته على الإطلاق، وكان أسلوبه عملياً وخالياً من العواطف.

وعلى الرغم من الانتقادات المتزايدة لمبيعات الأسلحة البريطانية (التي لم ترتفع قط إلى مستوى الضجة الحالية)، فقد أعرب عن ثقته بأن حلفاء المملكة العربية السعودية لا يزالون يدعمونها: "نحن نقدر دعم ومساعدة المجتمع الدولي، ويأتي على رأس القائمة أصدقاؤنا الأمريكيون والبريطانيون".

وأضاف قائلاً: "إنهم يفهمون أسباب القيام بهذه العملية ... ويقدرون الوضع [وما] نقوم به".

وفي مستهل الحرب، كان هذا يبدو صحيحاً بالتأكيد.

شنت المملكة العربية السعودية أول غاراتها الجوية على اليمن في أواخر مارس 2015 بدعم من ائتلاف مكون من 10 دول، بما في ذلك جميع دول الخليج، بعد وضع الرئيس المعترف به دولياً، عبد ربه منصور هادي، قيد الإقامة الجبرية من قبل المتمردين الحوثيين في العاصمة صنعاء (هرب في نهاية المطاف ووجد ملاذاً آمناً في المملكة العربية السعودية).

وعندما قالت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها أنهم سوف يتدخلون بناءً على طلب من "الحكومة الشرعية في اليمن"، وهو مصطلح لا يزالون يستخدمونه، أعربت الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم بلدان المجتمع الدولي (باستثناء إيران)، عن تأييدها. وتصور المملكة السنيّة الحوثيين الشيعة أيضاً على أنهم وكيل إيران الخطير الذي يمثل تهديداً لحدودهما المشتركة - فيما أشار الرويلي إلى التهديد الذي يشكله "حزب الله آخر".

وفي اليوم الأول من الضربات الجوية، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي أن هذا العمل يهدف إلى "الدفاع عن الحدود السعودية وحماية الحكومة الشرعية في اليمن". ووعدت الولايات المتحدة بتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي للعمليات، وحذت بريطانيا حذوها. كما عرض الفرنسيون المساعدة أيضاً.

وعلى الرغم من عدم حدوث أي تغيير في سياسة واشنطن أو لندن، فإن الضغوط الداخلية تتزايد على كلتا الحكومتين وهناك دلائل على أن التحالفات السياسية والعسكرية قد بدأت تتفكك مع ارتفاع أعداد القتلى المدنيين.

الحرب الدعائية

ولكن في حين يبدو القلق إزاء الحرب واضحاً في العواصم الأجنبية، لم يكن له أي أثر في المقر السعودي، حيث كانت السياسة الصارمة هي أن هذه الحرب لصالح، وليس ضد، الشعب اليمني.

وقال الرويلي في إشارة إلى ما بين 3 و4 ملايين يمني يعيشون في المملكة العربية السعودية ويرسلون تحويلات مالية إلى وطنهم: "نحن هناك لمساعدة الشعب اليمني".

وأضاف قائلاً: "أعتقد أن غالبية أفراد الشعب اليمني ينظرون إلى عملياتنا على أنها مصممة لمساعدتهم، ولتحقيق الاستقرار في اليمن، ولخلق يمن مزدهر يحكمه اليمنيون - يحكمه شخص يختارونه".

وفي حين أن بعض اليمنيين قد يساندون الحملة العسكرية السعودية، من الواضح أن البعض الآخر بحاجة إلى قليل من الإقناع.

وتحقيقاً لهذه الغاية، عُرضت على شبكة الأنباء الإنسانية منشورات في غرفة العمليات. وأوضح المسؤولون أنه يتم إسقاط هذه المنشورات لاستمالة السكان المحليين، بالإضافة إلى أخرى تحذر المدنيين للابتعاد عن أهداف عسكرية محددة.

منشور/إيرين
منشور سعودي يصور الرئيس السابق علي عبد الله صالح وهو "ينهب" اليمن

وتأخذ الدعاية أو مستلزمات العمليات النفسية التي شاهدتها شبكة الأنباء الإنسانية شكل الرسم الساخر السهل الفهم. وفي منشور مقسم إلى قسمين، يظهر القسم الأول رجلاً يبتسم ابتسامة عريضة ويضع الخنجر اليمني التقليدي في حزامه. وفي الخلفية فتاة مبتسمة تحمل حقيبة على ظهرها وصبي مبتهج بنفس القدر ويحمل بالوناً.

ويقول التعليق: "قبل انقلاب الميليشيات الحوثية".

وفي الإطار الثاني، نفس الرجل لديه لحية خفيفة ويكسو وجهه تعبير كئيب يبرز أسنانه، وملابسه رثة والخنجر اختفى، والمباني التي كان الطفلان يسيران أمامها تشتعل فيها النيران.

ويقول التعليق: "بعد انقلاب الميليشيات الحوثية".

منشور/إيرين
أمثلة من المنشورات التي يلقيها التحالف السعودي في اليمن

إنها ليست رسالة غامضة. وليس المقصود أن تكون كذلك.

وفي "خلية الاستهداف المشترك"، كان أحد المنشورات لافتاً للنظر بشكل خاص. من أسفل الصفحة، يرتفع ذراع يكتسي بالألوان الأحمر والأسود والأبيض، وهي ألوان العلم اليمني. ومن أعلى، يأتي ساعد مكسو باللون الأخضر السعودي، واليدان متشابكتان معاً.

ويمثل هذا الرمز الطريقة التي ترغب المملكة العربية السعودية أن ينظر الجميع من خلالها إلى عملية عاصفة الحسم في اليمن، لكنها تبدو بعيدة كل البعد عن واقع الحرب في شوارع صنعاء وتعز وعدن.

(الصورة الرئيسية: عينة من منشورات الجيش السعودي التي تلقيها القوات الجوية في اليمن. منشور/إيرين).

as/ag-ais/dvh