ستوكهولم، 12 أبريل 2017
آرون لوند

صحافي مستقل ومحلل متخصص في شؤون سوريا، ومساهم منتظم في إيرين

كان سقوط الأحياء الشرقية من مدينة حلب في أيدي القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد في شهر ديسمبر الماضي نقطة تحول في الحرب وأنهى حصاراً دام ستة أشهر. وبعد مرور أربعة أشهر، بدأت المدينة لتوها تخرج من سنوات الاقتتال الوحشي، بينما لا تزال البلاد غارقة في صراع كبير. لكن الوضع الطبيعي الجديد يستقر ببطء في ثاني أكبر المدن السورية.

في يوليو 2012، استولى مقاتلو المعارضة على النصف الشرقي من حلب، الذي تعرض لسنوات من القصف والغارات الجوية. ووفقاً لما ذكره أحد الخبراء في الشؤون السورية، يتركز ما يتراوح بين 70 و80 بالمائة من الدمار المادي في حلب في أحيائها الشرقية.

وبعد ديسمبر، أصبح هذا الجيب، الذي كان في السابق خاضعاً لسيطرة المعارضة، خالياً تقريباً من السكان، عقب نزوح ثلاثة أرباع سكانه المدنيين إلى غرب حلب بسبب القتال، وتم نقل الربع المتبقي بشكل مثير للجدل إلى جانب مقاتلي المعارضة إلى مناطق ريفية تسيطر عليها المعارضة غرب المدينة.

والآن، يُعاد بناء النصف الشرقي من المدينة ببطء مع عودة السكان، على الرغم من حجم الدمار غير العادي، والظروف الاقتصادية السيئة، وانعدام الأمن الواضح. وفي حين أن المراقبين الخارجيين يميلون إلى النظر إلى الأحداث في شرق حلب من زاوية سياسية فقط، مسترشدين في ذلك بالعنف المروع الذي أدى إلى سقوط جيب المعارضة، يبدو أن العديد من العائدين يتكيفون بشكل عملي مع ظروفهم الصعبة، ويكافحون للتأقلم مع الحياة تحت حكم بشار الأسد تماماً كما فعلوا تحت حكم أعدائه.

روايات متنافسة

ولا تزال الظروف المحيطة بسقوط جيب المعارضة موضع جدل. فحكومات كل من سوريا وروسيا وإيران تنكر بشكل قاطع الطبيعة الوحشية لاعادة غزو شرق حلب. لكن بدلاً من الترحيب بالتحقيق في ما حدث، واصلت السلطات السورية منع دخول الصحفيين والباحثين في مجال حقوق الإنسان بشكل مستقل إلى المدينة.

أما المعارضة السورية والدول المناهضة للأسد، مثل الولايات المتحدة، فقد انغمست من جانبها في مبالغات حول حلب وصلت إلى حد وصفها بخليفة لعمليات الإبادة الجماعية في البوسنة ورواندا. وعلى النقيض من مئات الآلاف من القتلى الذين سقطوا في رواندا، تلقى باحثون من الأمم المتحدة معلومات عن 82 مدنياً لقوا مصرعهم عندما قامت القوات المؤيدة للحكومة بتأمين الأحياء الشرقية في ديسمبر 2016.

وإذا كان هذا الرقم يبدو منخفضاً بشكل مدهش نظراً لشدة المعركة السابقة، فقد يكون السبب في ذلك أن معظم المشاركين في الانتفاضة كانوا قد رحلوا بالفعل عندما فرضت الحكومة سيطرتها - تم نقلهم بالحافلات من بين الـ36,000 شخص الذين غادروا إلى مناطق ريفية تسيطر عليها المعارضة وفقاً لاتفاق بينها وبين الحكومة في 13 ديسمبر.

منع اتفاق 13 ديسمبر نشوب معركة نهائية في الأحياء السكنية المكتظة، وأدى إلى خفض عدد الأشخاص المعرضين لخطر الانتقام من حكومة الأسد، وحد من الاحتكاكات اللاحقة مع السلطات في حلب، على الرغم من أن هؤلاء الـ36,000 شخص محاصرون الآن في منطقة نزاع أخرى. غير أن الاتفاق لا يزال مثيراً للجدل. فقد أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في الجمهورية العربية السورية أن الاتفاق يرقى إلى جريمة حرب تتمثل في التهجير القسري، مضيفة أن المدنيين لم يُمنحوا أي خيار بشأن البقاء أو المغادرة. ولكن على العكس من ذلك، يبدو أيضاً أنه قد منع نتيجة أكثر دموية بكثير.

الاعتقالات والنهب والفساد

ومنذ شهر ديسمبر الماضي، يصعب فهم حالة المدنيين داخل حلب، حيث تسارعت الوقائع وتشوهت من جراء الدعاية التي يبثها الجانبان.

وحتى الآن، يبدو أن القاعدة القمعية التي يتبعها الأسد تعيد تأسيس نفسها دون اندلاع عنف كبير أو عمليات قتل جماعي. وقال مصدر عسكري بارز في حلب لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في ديسمبر أنه على الرغم من أن الأشخاص المدانين "بجرائم خطيرة" سيحاكمون ويُحكم عليهم، فإن "الدولة تستقبل بصدر رحب هؤلاء العائدين إلى حياتهم الطبيعية".

ولم يُعرف الكثير عن معاملة المدنيين منذ ذلك الحين. وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن منظمته تدرك أن 891 مدنياً قد اعتُقلوا بعد عودة النظام، لكنه أضاف أن معظمهم من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و40 عاماً وكانوا مطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية وليس لأسباب سياسية.

غير أن عبد الغني أوضح أن الحكومة تواصل "سياستها المنهجية في اعتقال المدنيين ونهب ممتلكاتهم بحجة التعامل مع فصائل المعارضة المسلحة"، مشيراً الى "التحديات والصعوبات الاستثنائية" في جمع المعلومات عن انتهاكات الحكومة.

بسام دياب/إيرين
عاد محمد البالغ من العمر 62 عاماً إلى متجره في حي المشاطية في شرق حلب وبدأ في إزالة الحطام بمساعدة طفليه محمد وإسراء

ويبدو أن الاعتقالات التعسفية وعمليات الاختطاف والنهب التي تقوم بها الميليشيات الموالية للنظام تمثل مشكلة رئيسية في حلب، وخاصة في الأجزاء الشرقية، إلى درجة أن الحكومة نفسها قد اعترفت بالتهديد الذي يتعرض له النظام العام. وفي شهر مارس، نُشر بيان على شبكة الإنترنت منسوب إلى مدير اللجنة الأمنية في حلب، اللواء زيد علي صالح، أمر فيه بخروج الميليشيا الموالية للأسد من المدينة بسبب "أعمال السرقة والنهب والاعتداءات على الممتلكات العامة وحريات المواطنين وممتلكاتهم الخاصة".

وقد نشرت روسيا رجال الشرطة العسكرية في شرق حلب لمراقبة الوضع المحفوف بالمخاطر، وإزالة الذخيرة غير المنفجرة، وتدريب القوات المحلية، وتسيير دوريات في المنطقة إلى جانبهم، ولكن من غير الواضح مدى فعالية ذلك.

من جانبه، قال محافظ حلب حسين دياب في وقت سابق لصحيفة "الوطن" اليومية الموالية للحكومة أن السلطات المحلية ستكثف دورياتها في الأحياء التي استعادت السيطرة عليها وتعتقل عناصر الميليشيات المتورطة في عمليات النهب. كما حرص المحافظ على الظهور في وسائل الإعلام المحلية للتعليق على الحملة الأمنية التي استهدفت العصابات الإجرامية، لكي يثبت، على ما يبدو، أنه يأخذ المسألة على محمل الجد.

مع ذلك، فإن الميليشيات لديها رعاة ذوي نفوذ كبير في الأسرة الحاكمة في البلاد وبين حلفائها، والأرباح الناجمة عن الممتلكات المسروقة والرشاوى التي يتم جمعها عند نقاط التفتيش تأخذ طريقها إليهم، مما يجعل من الخطر على المسؤولين المحليين التدخل في شؤونهم. وتعتمد الحكومة أيضاً على هذه الميليشيات للتعامل مع تحدياتها الأمنية. ولذل بدلاً من محاولة مواجهة المشكلة، استجاب نظام الأسد بطريقته المعتادة: فرض الرقابة على النقد.

وفي شهر مارس، على سبيل المثال، حظرت وزارة الإعلام ممارسة المراسل الشهير الموالي للحكومة رضا الباشا، والذي يعمل لدى محطة تلفزيونية لبنانية صديقة للأسد، عمله في سوريا. وفي حين لم يتم تقديم أي سبب، فمن المفترض على نطاق واسع أن يكون ذلك عقاباً على انتقاده العلني لقادة الميليشيات، مثل علي شلة، وهو قائد سيء السمعة مدعوم من قبل المخابرات الجوية ومتهم بالنهب والاختطاف والقتل.

(لم يرد ممثلو الحكومات السورية والروسية والإيرانية على طلبات التعليق على القضايا المثارة في هذه المقالة).

كم عدد النازحين؟

ومع بدء عودة بعض مظاهر الحياة الطبيعية إلى المدينة، يبقى هناك تساؤل حول عدد الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من الجيب الذي كانت تسيطر عليه المعارضة - وهي مسألة نوقشت كثيراً خلال أشهر الحصار.

فقبل الحرب، كان عدد سكان شرق حلب، التي تضم بعض الأحياء الأكثر فقراً واكتظاظاً بالسكان، يصل إلى 1.5 مليون نسمة. وقد بدأ هذا العدد يتناقص بعد هجوم مقاتلي المعارضة في صيف عام 2012، الذي أدى إلى انتشار القتال والقصف وانهيار الظروف المعيشية.

وقد تصاعد هذا الوضع حتى تحول إلى هروب جماعي يكتنفه الذعر عندما كثفت القوات الجوية السورية هجماتها على المدينة في ديسمبر 2013، في حملة كانت تبدو وكأنها تتعمد دفع المدنيين إلى الخروج من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وكانت الآثار دراماتيكية: قيل أن ما يقرب من نصف مليون شخص فروا من ديارهم في غضون بضعة أسابيع فقط في مطلع عام 2014.

وعلى الرغم من انتقال المدنيين النازحين ذهاباً وإياباً، استمر عدد سكان المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة في التقلص بشكل مطرد، حيث لجأت أعداد متزايدة إلى غرب حلب بحثاً عن المأوى، أو إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، أو عبر الحدود التركية. وقد فر عشرات أو مئات الآلاف الآخرين بعد تدخل روسيا لمؤازرة الأسد في سبتمبر 2015 (مما أدى إلى تكثيف القصف الجوي) وتجنب الوقوع في الحصار عندما بدأت القوات الموالية للنظام تطويق المدينة في ربيع وصيف عام 2016.

ولا يزال عدد الذين ظلوا في شرق حلب خلال الحصار، الذي بدأ في منتصف عام 2016، موضع نقاش محتدم. وقد تحدثت مصادر المعارضة عن عدد يصل إلى 325,000 نسمة، في حين ذكرت الأصوات الموالية للحكومة أعداداً تتراوح بين 40,000 و200,000 شخص. وأشارت تقديرات الأمم المتحدة، التي منعتها الحكومة من دخول شرق حلب، إلى أن عدد السكان المحاصرين يتراوح بين 250,000 و275,000 شخص*.

وعندما استعاد جيش الأسد أخيراً السيطرة على ما تبقى من الجيب في شهر ديسمبر، كان عدد السكان أقل بكثير. وفي شهر يناير من هذا العام، تم تسجيل نحو 121,000 مدني نازح حديثاً يعيشون داخل مدينة حلب، التي كانت تخضع تماماً لسيطرة الحكومة في ذلك الوقت. وتم منح 36,000 شخص آخر حق المرور الآمن إلى شمال غرب سوريا الذي تسيطر عليه المعارضة، وفقاً لاتفاق 13 ديسمبر. وبذلك يصل العدد إلى حوالي 157,000 شخص، أو ما يقرب من 10-15 بالمائة من سكان غرب حلب خلال الفترة نفسها.

كم عدد سكان حلب الآن؟

وضعت الحكومة السورية دائماً حملتها في حلب في إطار محاولة لاستعادة الحياة الطبيعية بالنسبة للغالبية العظمى من السكان. وقال مصدر مقرب من الحكومة لشبكة الأنباء الإنسانية في ديسمبر أن "التحرير من الجماعات الإرهابية، وخاصة جبهة النصرة، سيسمح لمئات الآلاف من النازحين بالعودة إلى شرق حلب،" مضيفاً أنه "من المأمول أن يعيد انتصار الجانب الموالي للحكومة المدينة الى مسارها الصحيح لاستئناف نشاطها الاقتصادي والصناعي، ويجعلها ملاذاً آمناً لسكانها الذين يزيد عددهم عن مليوني نسمة".

ومنذ ذلك الحين، تباطأت عودة النازحين، ولا يزال سكان الأحياء الشرقية أقل من عددهم قبل الحصار، ولكنه آخذ في الازدياد. وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة في مارس 2017، استناداً إلى الأرقام التي جمعها الهلال الأحمر العربي السوري والجمعيات الخيرية التي اعتمدتها الحكومة، فقد تم الآن تسجيل نحو 141,000 شخص يعيشون في المنطقة التي كانت تحت سيطرة المعارضة في السابق، مقابل 56,000 في يناير. ويبدو أن هذه الأرقام تشمل كلاً من النازحين خلال العنف الشديد في نوفمبر وديسمبر 2016 وبعض الذين فروا بين عامي 2012 و2016.

حميد معروف/إيرين
بعض الأسر تعود إلى منازلها بعد زيارة نقطة توزيع المساعدات في حي الشعار شرق حلب

وقد كشفت ليندا توم، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في دمشق، لشبكة الأنباء الإنسانية أن العائدين إلى شرق حلب كثيراً ما يجدون حياتهم القديمة محطمة. وأضافت أن "الكثيرين عادوا الى المنازل التي لحقت بها أضرار جزئية أو كلية وإلى أحياء تفتقر إلى خدمات المياه أو الكهرباء اللازمة لإضاءة الشوارع الرئيسية وتوفير الخدمات الاجتماعية، مثل المستشفيات والمدارس".

وذكرت توم أن الذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية قد تسببت في مقتل وإصابة عشرات المدنيين العائدين، من بينهم الكثير من الأطفال.

وقد أسفر النزاع عن وقوع خسائر فادحة بين السكان البالغين من الذكور، حيث قُتل عشرات الآلاف من رجال حلب أو أُصيبوا بتشوهات خلال السنوات الست الماضية. كما جندت الحكومة الكثيرين غيرهم أو أصبحوا يقاتلون في صفوف إحدى الميليشيات العديدة في سوريا، سواء الموالية لنظام الأسد أو المناهضة له. وقد فر آخرون لتجنب التجنيد الإلزامي أو الهروب من الاضطهاد السياسي. واليوم، تعيل النساء ما يقرب من اثنتين من كل خمس أسر في شرق حلب.

دفع فاتورة إعادة الإعمار

وقد يتوقف مستقبل المدينة وسكانها المدنيين على نوع إعادة الإعمار الذي سيتم تنفيذ في نهاية المطاف. لكن تكلفة إعادة بناء حلب تُقدر بما يتراوح بين 35 و40 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز بكثير قدرة حكومة الأسد التي تعاني من أزمة مالية. ولم يقدم حلفاؤه سوى القليل من المساعدات لإعادة الإعمار، ولا تزال الدول المانحة السخية تقليدياً في المعسكر المناهض للنظام غير راغبة في دعم جهود تحقيق الاستقرار وإعادة البناء، إذا كان ذلك يعني أيضاً دعم نظام الأسد، وهو أمر واقعي.

وقد حاولت الحكومة أن تتظاهر بالشجاعة. وفي مطلع شهر أبريل، عقد فرع حزب البعث الحاكم في حلب مؤتمره السنوي الذي حضره الكثير من الوزراء السوريين.

ويبدو أن إعادة الإعمار سيطرت على جدول الأعمال، حيث أعلن الوزراء عن عدة احصاءات لإثبات أنهم يعكفون على إحياء المدينة. وتعهد وزير الأشغال العامة والإسكان حسين عرنوس ببناء 6,000 منزل جديد، بينما أكد وزير الصحة نزار يازيجي أنه سيعيد فتح المراكز الصحية في شرق حلب. ووعد وزير الكهرباء بتوفير الكهرباء. ووعد وزير الموارد المائية بتوفير المياه؛ وخوفاً من أن يتفوقوا عليه، وعد وزير السياحة بإحياء مناطق الجذب السياحي.

وبينما يعتقد البعض أن شرق حلب قد يصبح قريباً الموقع المثالي التالي للاستثمار العقاري الخاص، يبدو أن الكثير من الأعمال التي ينسب الأسد وحلفاؤه الفضل في تنفيذها لأنفسهم قد نفذتها الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة. ووفقاً لآخر الإحصاءات، فقد خصصت الأمم المتحدة بالفعل 19 مليون دولار لإزالة الأنقاض، وبناء أماكن مأوى طارئة، وتوفير الغذاء والمياه والصرف الصحي والتعليم، وغيرها من الاحتياجات المدنية.

وضع طبيعي جديد؟

وبينما يناقش الناشطون والسياسيون الأرقام من بعيد، تظل الأوضاع في شرق حلب غامضة وخاضعة للتفسيرات المتضاربة. وقد ينظر السوريون على الأرض إلى الوضع بشكل مختلف عن المراقبين الأجانب لأن إنتهاء الأعمال العدائية يوفر لهم قدراً من الأمن الشخصي والاقتصادي، وهو أمر من المفهوم أنه الأولوية القصوى لكثير من المدنيين.

وحتى استسلام مقاتلي المعارضة في ديسمبر، كانت الحياة في شرق حلب تشبه حمام الدم، مع قصف مستمر وهجمات على المدارس والمستشفيات. وحتى الآن، لا تشبه آثار هذه المعركة الوضع في سريبرينيتسا وبالتأكيد لا تشبه رواندا، بل هو شيء أقرب إلى نسخة شوهتها هجمات وحشية من سوريا قبل الحرب. وسيكون المستقبل حافلاً بالصعوبات والمشاكل - ولكنه أيضاً مستقبل مألوف.

وفي السياق نفسه، قالت شخصية بارزة مؤيدة للنظام لشبكة الأنباء الإنسانية في نوفمبر الماضي: "لقد عاش الناس مع بشار الأسد لمدة عشر سنوات قبل هذا. إنهم يعرفون كيف كانت طبيعة الأمور. لقد كانت الحياة أفضل بالنسبة لهم في ذلك الوقت مما هي عليه الآن".

ولكن مع الحرب التي لا تزال مستعرة حول المدينة، لابد أن الشعور الأعمق بالحياة الطبيعية، الذي قد يوفره السلام ومرور الوقت، يبدو بعيد المنال. في حلب، تقاتل الجيران، وسوف تكون المدينة مليئة بالصدمات العاطفية والمظالم التي لم تجد حلاً لعقود قادمة. وعلى الرغم من أن الأعداء السابقين يجب أن يتعلموا الآن أن يعيشوا جنباً إلى جنب مرة أخرى، يبدو أن خطاب الحكومة الرنان حول المصالحة ليس سوى غطاء هش لاستمرار الحكم بالقوة. وفي نهاية المطاف، من المحتمل أن تقع على عاتق المجتمع المدني السوري المقسم الذي تعرض لهجمات وحشية والمتعثر سياسياً محاولة التغلب على الإرث المرير للحرب، ولكن بصعوبة بالغة لا يمكن إنكارها.

_________

* قال بريتا الحاج حسن، وهو أحد زعماء المعارضة الذي كان يرأس المجلس المحلي لمدينة حلب حتى فبراير 2017، لشبكة الأنباء الإنسانية أن عدد السكان انخفض إلى 325,000 نسمة بحلول يوليو 2016، عندما تم قطع طرق الخروج من شرق حلب. وأعلن مسؤول في الأمم المتحدة أن عددهم بلغ 300,000 شخص في يوليو 2016، لكن معظم هيئات الأمم المتحدة قدرت عدد سكان شرق حلب في وقت لاحق ما بين 250,000 و275,000 شخص. وقد أعطت المصادر الحكومية إجابات متنوعة، عادة ما تقترب من الحد الأدنى للإحصاءات. وفي لقاء مع شبكة الأنباء الإنسانية وصحافيين آخرين في أكتوبر 2016، قال الرئيس بشار الأسد أن الأحياء الشرقية تضم 200,000 نسمة، وهو أيضاً الرقم الذي قدمه السفير الروسي الراحل لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين. مع ذلك، فقد صرح وزير خارجية الأسد وليد المعلم بأن العدد يبلغ 97,000 نسمة، في حين أبلغ مصدر آخر مطلع في النظام شبكة الأنباء الإنسانية أن العدد النهائي للمدنيين في شرق حلب "لن يتجاوز 100,000". مع ذلك، قال مصدر حكومي آخر لمعلق سوري-أمريكي لديه صلات جيدة أن العدد ربما يتراوح بين 40,000 و60,000 نسمة.

al/as/ag-ais/dvh