هل تتكرر المجاعة في الصومال مرتين خلال ست سنوات؟

نعرض لكم آراء 10 من كبار الأكاديميين والمتخصصين في المجال الإنساني

عقب ست سنوات من المجاعة التي أودت بحياة ربع مليون شخص في الصومال، لا تزال البلاد مهددة بوقوع مجاعة أخرى. لكن المجاعات لا تحدث إلا إذا سمح صناع القرار السياسي بحدوثها، ولذلك لا بد من اتخاذ القرارات السليمة الآن. فهل تعلمنا بما فيه الكفاية من أخطاء عام 2011؟

تغير السياق منذ عام 2011، فقد أصبح لدى الصومال الآن حكومة فاعلة، وإن كانت محدودة وهشة. وحصلت بعض من أسوأ المناطق تأثراً بالأزمة الأخيرة استثمارات كبيرة لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الكوارث (على الرغم من أنه لا يُعرف بعد مدى نجاح هذه البرامج في مساعدة الشعب الصومالي على الاستعداد للأزمة الحالية أو مواجهتها).

من ناحية أخرى، تعتبر موجة الجفاف الحالية أوسع انتشاراً من مثيلتها التي حدثت في عام 2011، والتنافس العالمي على الموارد الإنسانية أكثر شراسة. وقد أعلنت أجزاء من جنوب السودان ضمن المناطق التي تعاني من المجاعة بالفعل، ومن المحتمل أن يتفاقم الوضع إلى حد كبير على مدى الأربع أو الخمس أشهر المقبلة، يأتي هذا في الوقت الذي تواجه فيه نيجيريا واليمن تهديداً وشيكاً بالمجاعة أيضاً. وتشير التقديرات إلى أن هناك قرابة 70 مليون شخص عبر العالم يحتاجون لمعونات غذائية طارئة في عام 2017. مع ذلك، هناك مخاوف من أن بعض المانحين، لاسيما الولايات المتحدة، سيقلصون ميزانيات المعونة بشكل كبير هذا العام، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالمساعدات الإنسانية.

أوضاع متدهورة

والجدير بالذكر أن هناك تدهوراً سريعاً في الأمن الغذائي والتغذية والصحة في المناطق المتضررة في هضبة سول في شمال الصومال وفي منطقة ما يعرف باسم "حزام الذرة" في الجنوب. وفي أواخر عام 2016، لم تسقط أمطار موسم "دير" في الجنوب وكانت أمطار موسم "غو" الذي سبقه أقل من المتوسط، مما تسبب في تراجع محاصيل الحبوب الوطنية إلى أدنى مستوى لها خلال عقد من الزمان. كما أن التوقعات بالنسبة لموسم غو المقبلة في المناطق المتضررة ليست متفائلة.

وبالتالي، تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً وانخفضت القوة الشرائية للأسر المعيشية العادية بنسبة 20 بالمائة في بعض المناطق في الشمال، وما يصل إلى 60 بالمائة في المناطق الأشد تضرراً في الجنوب، مما يسهم في تكرار النمط الخطير الذي شوهد في مطلع عام 2011. كما تتعرض الماشية لحالات نفوق جماعي. وفي شهر يناير، جف نهر شبيلي، الذي يوفر مياه الري ويُعد ملجأ للماشية في الجنوب، في بعض المواقع وما زال منخفضاً بشكل ينذر بالخطر.

ولعل أكبر خطر للمجاعة يهدد السكان المهمشين في الجنوب، في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب المتمردة، والسكان الذين يقطنون المناطق النهرية وما بين النهرية الأكثر تأثراً بالمجاعة التي حدثت في الفترة بين عامي 1992 و2011. 

ويتنقل السكان بالفعل بحثاً عن فرص العمل أو المساعدة، ومن المرجح أن تشهد هذه "الهجرة بسبب العوز" زيادة حادة. والأمر الذي يبعث على القلق هو أن 73 بالمائة من الأطفال الذين وصلوا إلى إثيوبيا في شهر يناير وفبراير يعانون من حالة سوء التغذية الحاد الشديد أو المعتدل.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والإسهال والحصبة هي السبب الأكثر شيوعاً للوفيات في حالات المجاعة. وقد لوحظت بالفعل حالات تفشي الكوليرا والإسهال المائي الحاد، ولا تزال عملية التحصين ضد الحصبة ضعيفة في معظم مناطق البلاد. كما من المرجح أن تزداد حالات الإصابة بالكوليرا وأمراض الإسهال في موسم الأمطار القادم.

باختصار، في حين أن الصومال لم يدخل حالة المجاعة بعد، غير أن الوضع الإنساني المتطور على أرض الواقع يزداد خطورة.

هل فات الأوان للاستعداد؟

إذا كان هناك درساً مستفاداً مما حدث في عام 2011، فهو أهمية الوقت لاتخاذ إجراءات سريعة قبل أن يتدهور الوضع إلى حدوث مجاعة، ذلك أن الإطار الزمني للتحرك المبكر لمنع وقوع حالات وفيات كبيرة في عام 2017 بدأ ينفد، بل إن الوقت بالفعل بات متأخراً لمحاولة التخفيف من حدة الأزمة.

وقد أصدرت الأمم المتحدة تحذيراً من حدوث مجاعة في 2 فبراير، وأعلنت الحكومة الصومالية عن كارثة وطنية في 28 فبراير. وسيتعين على العديد من الأطراف القيام بأدوارهم في الاستجابة لهذه الكارثة، بما في ذلك الحكومة التي انتخبت مؤخراً في مقديشو والسلطات الإقليمية في جميع أنحاء البلاد، فضلاً عن الصوماليين في الشتات ورجال الأعمال.

في السياق ذاته، أظهرت البحوث التي أجريت عن مجاعة عام 2011 أن مجموعة متنوعة من الجماعات الصومالية المحلية والدولية لعبت دوراً محورياً في الجهود الرامية إلى حماية الأرواح وسبل كسب الرزق في تلك الأزمة، وكلها نشطة حالياً. ولعل الأمر الأساسي المطلوب من المجتمع الدولي الآن هو تجنب تقويض هذه الجهود وتقديم الدعم لها، حيثما كان ذلك ممكناً.

ولكن للمنظمات الإنسانية الدولية دوراً حاسماً تقوم به أيضاً. فرغم المساهمات الكبيرة الأخيرة التي قدمتها الجهات المانحة مثل وزارة التنمية الدولية البريطانية، لم يتم توفير سوى حوالي ثلث المبلغ المطلوب، 825 مليون دولار، لمعالجة أزمة هذا العام، في الوقت الذي يتعين فيه زيادة المساعدات بشكل عاجل.

وبالإضافة إلى القيود التي تعرقل سبل الوصول للسكان المتضررين، هناك حدود للقدرة اللوجستية على الأرض في الصومال. فقد لعبت التحويلات النقدية جزءاً رئيسياً من الاستجابة في عام 2011 ومن المتوقع أن تلعب دوراً حاسماً مرة أخرى في عام 2017. وسوف يشكل حجم اعتماد هذه الاستجابة على التحويلات النقدية اختباراً رئيسياً "للصفقة الكبرى" التي وافقت عليها الجهات المانحة والحكومات في القمة العالمية للعمل الإنساني في العام الماضي. 

ومن بين الأولويات الآن، إضافة إلى التحويلات النقدية، برامج التغذية، والتدخلات في مجال الصحة العامة التي تتضمن إدارة حملات مكافحة الكوليرا، وحملات التحصين ضد الحصبة، والمياه والإصحاح.

كما يجب أن تكون الجهات الإنسانية الدولية والسلطات المحلية جاهزة للتعامل مع حالات نزوح واسعة النطاق بين السكان وأن تتوقع وجهاتهم المحتملة. فقد سُجل أعلى معدل للوفيات خلال الأزمة السابقة في عام 2011 بين النازحين.

ماذا بعد القيود المفروضة على الموارد؟

إن إمكانيات الوكالات الإنسانية وقدراتها على الوصول إلى السكان المتضررين – والأهم من ذلك، وصول هؤلاء السكان إلى المياه والأسواق والمعونة – محدودة للغاية، لاسيما في الجنوب. وقد ترفع حركة الشباب القيود عن حركة السكان، ما يُمكّن بعضهم من التماس المساعدة، وربما توفر هي نفسها بعض الإغاثة، ولكن الجماعة لا تزال تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، خاصة أمام الوكالات الخارجية. ويواجه معظم المانحين الغربيين قيوداً تتعلق بمكافحة الإرهاب تهدف إلى منع وقوع المعونة في أيدي جماعات مثل حركة الشباب.

وقد كانت هذه القيود على سبل الوصول للسكان المتضررين من بين الأسباب الرئيسية لتأخر الاستجابة الخارجية لأزمة عام 2011، بل ولغيابها تماماً في بعض المناطق. وفي حين أن هناك حديثاً عن اتخاذ بعض التدابير العلاجية اللاحقة، مثل تراخيص المساعدة الإنسانية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية، إلا أن الوكالات ما زالت تتعامل بحذر شديد فيما يتعلق بالمخاطر التي تهدد أمنها وسمعتها.

ولذلك لا بد أن تضمن استجابة فعالة تقوم على أساس الاحتياجات تحقيق مستوى "مقبول" من المخاطر التي تهدد السمعة. ويجب إقناع حركة الشباب بمنح حق الوصول للوكالات الإنسانية التي تعمل وفقاً لمبادئ الحياد وعدم التحيز. في الوقت ذاته، يجب على الجهات المانحة الإعلان عن نواياها بشفافية تامة للمنظمات - الصومالية والدولية على حد سواء - فيما يتعلق بالمخاطر القانونية.

علاوة على ذلك، يتعين على الحكومات الغربية أن تضمن أن الإجراءات القانونية لا تحد من تدفق الأموال من المغتربين الصوماليين إلى بلدهم. وعلى الرغم من أن التحويلات المالية من هؤلاء شكلت جزءاً كبيراً من الاستجابة الشاملة للمجاعة في عام 2011، لكن منذ ذلك الحين، تم قطع العلاقات بين العديد من شركات تحويل الأموال الصومالية والمصارف الغربية بسبب المخاوف الأمنية. ولا شك أن فرض المزيد من القيود يمكن أن يكون كارثياً: ما لم تحظر القيود القانونية ذلك، فإن نقل الأموال من الصوماليين المغتربين إلى المجتمعات المحلية المتضررة سيكون عنصراً مهماً بالنسبة لقدرة الكثير من الأشخاص على النجاة من هذه الأزمة.

مع ذلك، لا يتمتع جميع الصوماليين بصلات قوية بشبكات تحويل الأموال ورجال الأعمال. والقطاع الذي يشكل مصدر قلق خاص الآن، نظراً لضعفه في مواجهة الصدمات، هو الفئات المهمشة تاريخياً والأقليات التي تعيش في المناطق الريفية في جنوب الصومال التي تسيطر عليها إلى حد كبير حركة الشباب.

النزوح

وحتى إذا تم تكثيف الاستجابة بسرعة، فمن المحمل أن تشهد الاتجاهات الحالية لنزوح السكان زيادة حادة على مدار الأسابيع المقبلة. وسوف يذهب البعض إلى المراكز الحضرية ومستوطنات النازحين داخل الصومال، ومن المرجح أن يفر آخرون عبر الحدود الدولية، مثلما فعلوا خلال عام 2011 والأزمات السابقة.

غير أن الخبر الجيد في هذا السياق هو سماح إثيوبيا للصوماليين بدخول أراضيها. ونظراً لطبيعة حالة الطوارئ الحالية القاسية، يجب على كينيا أن تنظر بعناية في الآثار المترتبة على سياساتها المتعلقة بقبول اللاجئين الصوماليين. وينبغي أن يكون القرار الأخير الذي أصدرته المحكمة العليا الكينية بمنع الإعادة القسرية للاجئين موضع ترحيب من الجميع.

في 23 مارس، قالت الحكومة الكينية إنها ستفتح حدودها مع الصومال لتعزيز التجارة والسماح بتدفق الاشخاص بين البلدين. غير أن الأمر الذي لم يتضح بعد هو كيف سيؤثر هذا على تدفق اللاجئين إلى كينيا، وعلى وصول اللاجئين إلى مخيمات داداب في ظل القيود الصارمة للغاية المفروضة عليها. وهذا قد يرفع مخاطر حدوث عدد كبير من الوفيات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كينيا نفسها تعاني من آثار الجفاف الإقليمي أيضاً حيث سجلت المقاطعات الشمالية الثلاث معدلات سوء تغذية حاد أعلى من 30 بالمائة، وتشير التقديرات إلى وجود قرابة 100,000 طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد بينما يواجه قرابة 3 ملايين شخص أزمة أمن غذائي ويحتاجون إلى المساعدة.

الأولويات

وعند هذه النقطة، يجب اتخاذ القرارات التي تحدد أولويات التدخلات المنقذة للحياة لفئات السكان الأكثر ضعفاً. وهذا يعني أنه يتعين على الجهات الدولية المانحة والمنظمات الإنسانية والحكومات والسلطات المحلية التفاوض بشأن سبل الوصول، فضلاً عن زيادة حجم المساعدات وتوقع المناطق التي ستكون فيها الاحتياجات أكثر من غيرها، خاصة مع بدء خروج السكان من المناطق الأكثر تضرراً.

وعلى الرغم من أن ميزانيات المساعدة الإنسانية قد ازدادت في السنوات الأخيرة، لكنها لم تواكب مستوى الاحتياجات. ويبدو أن المشاعر الشعبية في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى هذا العام هي: "أنا أولاً" ("ويمكن لبقية العالم أن يتولى أمره بنفسه"). مع ذلك، يتحرك الناس لمد يد العون للآخرين في أوقات الشدة، ونحن اليوم بحاجة ماسة لهذا التضامن لأنه من دون وجود دعم شعبي، لن تكفي المساعدة الإنسانية الدولية لمواكبة الاحتياجات. وإضافة إلى الحاجة إلى المساعدة المالية على المدى القصير، ما نحتاج إليه على المدى الأطول هو الإرادة السياسية للتصدي للأسباب الأساسية للصراعات وغيرها من العوامل المسببة للأزمات.

نحن نعلم حجم الأزمة التي يواجهها الصومال وشدتها وعواقبها المحتملة، والأمر ذاته ينطبق على جنوب السودان واليمن ونيجيريا ودول أخرى. ولكننا نعلم أيضاً كيفية منع هذه الأزمات. لقد حان الوقت الآن للعمل، فالإطار الزمني لمنع حدوث عدد هائل من الوفيات ينفد بسرعة. الحلول السياسية مطلوبة، ولكن الحاجة إلى توفير الموارد واضحة، كما الحاجة إلى احترام جميع الأطراف للقانون الدولي الإنساني وضمان حصول الناس على المساعدة المنقذة للحياة. 

دانيال ماكسويل
أستاذ "كرسي هنري ج. لير" في مركز فينشتاين الدولي للأمن الغذائي، كلية فريدمان لعلوم وسياسات التغذية، جامعة تافتس، بوسطن.
بيتر هيلي
مدير مركز التغيير في المجال الإنساني، نيروبي.
عبد الله خليف*
مستشار شؤون الأمن الغذائي الإقليمي، مكتب القرن الأفريقي للوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (الرئيس السابق لشبكة نظم الإنذار المبكر بالمجاعة في الصومال)، نيروبي.
نزار ماجد
باحث زائر، مركز فينشتاين الدولي، جامعة تافتس، بوسطن.
روب بيلي
مدير أبحاث الطاقة والبيئة والموارد، معهد تشاتام هاوس، لندن.
أندرو سيل
محاضر أول في التغذية الدولية، معهد الصحة العالمية، جامعة لندن.
فرانشيسكو كيكي
أستاذ علم الأوبئة والصحة الدولية، كلية لندن للصحة والطب المداري، لندن.
غرونيا مولوني*
رئيس، قسم التغذية، مكتب منظمة اليونيسف في كينيا (الرئيس السابق لوحدة تحليلات الأمن الغذائي والتغذية)، نيروبي.
نانسي بلفور
مدير مركز التغيير في المجال الإنساني، نيروبي.
محمد جيلي
باحث مشارك، معهد الصحة العالمية، جامعة لندن.
(* آراء عبد الله خليف وغرونيا مولوني الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظرهما ولا تعكس وجهة نظر الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون أو منظمة اليونيسف).