عالقون: كيف تحول شمال غرب سوريا إلى زنزانة لمئات الآلاف من المدنيين

آرون لوند

صحافي مستقل ومحلل متخصص في شؤون سوريا، ومساهم منتظم في إيرين

يبدو أن الحرب السورية تتجه نحو مرحلة جديدة لم يعد فيها حكم الرئيس بشار الأسد مهدداً بشكل خطير، ولكن العنف لا يزال مستمراً بلا هوادة. في شمال غرب سوريا، يعطي تجدد المعارك على أطراف محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها، وهي أهم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، لمحة عن المآسي التي قد تقع في المستقبل، حيث تتصارع القوات التي لا يمكن التوفيق بينها للسيطرة على منطقة اتخذها مئات الآلاف من المدنيين اليائسين مأوى لهم.

 

 

في 21 مارس، اقتحم مسلحون سنيون بقيادة الجماعة الجهادية المعروفة باسم هيئة تحرير الشام مواقع الجيش السوري في شمال حماة، مستأنفين مساعي المعارضة التي بدأت منذ فترة طويلة لاقتحام الجناح الشمالي لرابع أكبر مدينة في سوريا. وتأمل المعارضة الاستيلاء على قمحانة، وهي بلدة سنية في ريف حماة معروفة بميليشياتها الموالية للأسد. وهذا من شأنه أن يحسّن كثيراً من قدرتها على الاستيلاء على عاصمة المحافظة. وستكون السيطرة على حماة، التي تبعد نحو 85 كيلومتراً جنوب إدلب، بمثابة أكبر انتصار لحركة التمرد حتى الآن، وستؤدي إلى سيطرتهم على مدينة قوامها مليون شخص، وتفتح ممراً إلى وسط سوريا، وتحدث شرخاً في الدفاعات الاستراتيجية لنظام الأسد.

ولكن من غير المحتمل أن تحقق المعارضة كل هذه الانتصارات. وتعكف الحكومة السورية بالفعل على إعادة توزيع القوات وإرسال بعضها إلى حماة، وتسارع الميليشيات الموالية للحكومة التي تم تجنيدها في قمحانة بالعودة إلى ديارها من معارك ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في شرق حلب. ومن المحتمل أيضاً أن يشارك حلفاء الأسد الروس والإيرانيون في القتال.

مع ذلك، فإن نكسات النظام توضح ضعف قدرات جيش الأسد المجهد في شمال سوريا، حيث يواجه حوالي 6,000 كيلومتر مربع من الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة في محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها، بما في ذلك أجزاء من محافظات حماة واللاذقية وحلب. وخلافاً للمناطق الأخرى التي تسيطر عليها المعارضة، فإن هذه المنطقة الأوسع في إدلب يستحيل على الجيش السوري غزوها من خلال حرب الحصار والاستنزاف، لأن مقاتلي المعارضة يتلقون دعماً مستمراً عبر الحدود التركية.

وقد اعترف الأسد بهذا في مقابلة مع صحيفة "كومسومولسكايا برافدا" الروسية في شهر أكتوبر من العام الماضي قائلاً: "لا يمكن قطع [الإمدادات التركية] لأن إدلب مجاورة لتركيا، وهي تقع على الحدود السورية التركية مباشرة. ولذلك لا يمكن عزلها، بل ينبغي تطهيرها. يجب الاستمرار في تطهير تلك المنطقة ودفع الإرهابيين باتجاه تركيا للعودة إلى حيث يأتون، أو قتلهم. ليس هناك خيار آخر".

ويبدو أن هذا هو جوهر استراتيجية الحكومة السورية: التطهير والضغط والقتل لتحجيم حركة التمرد، والسيطرة على ما يمكنها الاستيلاء عليه وترك البقية لوقت لاحق، على أمل أن تقرر تركيا في يوم ما قطع الدعم عن المعارضة.

مع ذلك، فإذا كان هجوم المعارضة المسلحة المتجدد على حماة بمثابة مؤشر، فإن أنقرة وحلفاءها ما زالوا عازمين على المقاومة، وإرسال الأسلحة إلى شمال سوريا من أجل تثبيت جيش الأسد، ومنعه من الفوز بالحرب، وزيادة نفوذهم في المحادثات مع حلفائه الروس. والأسوأ من ذلك أن ما يقرب من مليوني مدني سوري قد يكونون محاصرين في المنطقة التي تصطدم فيها هذه القوات التي تقاتل بلا هوادة.

المدنيون يتحملون وطأة النزاع

ويعتبر القتال الذي نشب الأسبوع الماضي في حماة مثالاً مفيداً لما هو على المحك في المعركة من أجل السيطرة على شمال غرب سوريا. يتهم الجانبان بعضهما البعض بقتل السكان المحليين الأبرياء، وذكرت منظمة إنقاذ الطفولة أن أكثر من 10,000 شخص قد أُجبروا على الفرار من ديارهم في الساعات الـ24 الأولى من القتال - ويُعتقد الآن أن 40,000 قد نزحوا بسبب العنف. وبينما تتغير الخطوط الأمامية ذهاباً وإياباً عبر ريف حماة الشمالي، فإنها تُخلف في أعقابها سلسلة من القرى المدمرة وتقتلع المدنيين من ديارهم، وتترك الكثيرين منهم يعيشون في خوف من كلا الجانبين.

وقد تكون الأقليات، مثل مسيحيي محردة، في شمال غرب حماة، هي الأكثر خوفاً من الإسلاميين الطائفيين الذين يسيطرون على المعارضة. وكثيراً ما يتعهد المعارضون المسلحون بعدم إيذاء الأقليات، إلا أن قلة ضئيلة فقط في المجتمعات غير السنية تثق بهم، على ما يبدو، وقد أدى توغل المعارضة السابق في المناطق المسيحية إلى عمليات اختطاف ونهب ممتلكات وتدنيس كنائس. ويتخذ رجال الدين السلفيون الذين يسيطرون على المعارضة المسلحة في إدلب وحماة موقفاً أشد قسوة تجاه الطوائف الإسلامية غير التقليدية: أُجبرت الطائفة الدرزية الصغيرة في جبل السماق على التخلي عن معتقداتها تحت تهديد السلاح، ويحتفظ كبار رجال الدين من المعارضة بسموم خاصة للعلويين، الذين يصفونهم بأنهم طائفة مرتدة ينبغي تدميرها.

Map of displacement in Hama, Syria

في الوقت نفسه، يبدو أن العديد من السكان المحليين في هذه المنطقة التي تسكنها أغلبية سنية مرعوبين للغاية من الجيش السوري، الذي يعتمد جزئياً على الميليشيات الشيعية والعلوية العنيفة وغير المنضبطة، التي تخوض حروبها باستخدام أساليب وحشية. وتستهدف الطائرات السورية والروسية القرى التي تخرج عن سيطرة الدولة بشكل روتيني، وقد قصفت المستشفيات والمدارس والأحياء المدنية في ما يبدو وكأنه استراتيجية متعمدة للعقاب الجماعي، وأحياناً باستخدام الذخائر العنقودية والقنابل الحارقة. ويُعتقد أن القصف الجوي هو السبب الرئيسي للوفاة والدمار في شمال غرب سوريا، كما أنه سبب رئيسي لنزوح السكان. وفي العام الماضي، ألقت لجنة تحقيق مشكلة بتكليف من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اللوم على الحكومة السورية لشنها هجمات متكررة بغاز الكلور في حماة وإدلب.

ونظراً لشن غارات جوية من قبل الحكومة وهجمات تعسفية بقذائف الهاون والصواريخ من كلا الجانبين، لا توجد مناطق آمنة للمدنيين، سواء على مقربة من جبهة القتال أو في عمق الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة. وفي بلدة اللطامنة التي تسيطر عليها المعارضة، أبلغت مصادرها مؤخراً عن قصف أحد المستشفيات، وعلى الرغم من أن سلطات المعارضة أغلقت المدارس لإنقاذ التلاميذ من القصف الجوي على مناطق بعيدة من بينها مدينة إدلب، لا يزال الأطفال يلقون مصرعهم عندما تتساقط القنابل على المناطق السكنية. وكلما ازدادت حدة القتال، توغل الطرفان في أراضي الطرف الآخر، وكان من المرجح أن تحدث مجزرة أسوأ.

نقطة تجمع

ووفقاً لتقرير حديث أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المساعدات الطارئة التابعة للأمم المتحدة، يقطن محافظة إدلب وحدها 1.78 مليون نسمة، أي حوالي 10 بالمائة من سكان سوريا الحاليين (بدون إحصاء أكثر من 4.9 مليون لاجئ في خارج البلاد). وربما تكون الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة من المحافظات المجاورة، وهي اللاذقية وحماة، وخاصة حلب، تضم مئات الآلاف من الأشخاص الآخرين.

وقد نزح أكثر من نصف السكان الذين تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنهم يعيشون في إدلب من أجزاء أخرى من البلاد، وبرزت المنطقة باعتبارها الملاذ الرئيسي للناشطين المناهضين للأسد والأشخاص المطلوبين من قبل الأجهزة الأمنية. والواقع أن الحكومة تتعمد تشجيع هذا التوجه. وكما يتضح من تعليقات الأسد لكومسومولسكايا برافدا، فقد تقبلت الحكومة نفسها حقيقة أن شمال غرب سوريا سيظل خارج سيطرتها لفترة طويلة قادمة، وهي الآن تستخدم إدلب كمكان لتجميع الأعداء الذين لا يمكنها التوافق معهم.

وعندما يتم إخضاع بلدة في منطقة أخرى من سوريا للسيطرة، عادة ما يعرض الجيش على المقاتلين المحليين ونشطاء المعارضة اختيار البقاء والاستسلام - الأمر الذي من المفهوم أن الكثيرين يخشون القيام به - أو المغادرة مع أسرهم إلى إدلب. وقد اختار عدة آلاف الخيار الثاني. ويستضيف شمال غرب سوريا الآن نحو 36,000 شخص من شرق حلب، وأكثر من 2,000 مقاتل ومدني من وادي بردى وآلاف آخرين. وبينما يميل أفراد المعارضة المسلحة بين هؤلاء المنفيين الداخليين للانضمام إلى الفصائل المحلية من أجل مواصلة القتال، الأمر الذي من المفترض أنه يضيف إلى تعنت المعارضة في شمال غرب البلاد، يكافح المدنيون للتكيف مع الحياة في إدلب المثقلة بالأزمات. كما كان الكثيرون يأملون في الذهاب إلى تركيا، لكن الحدود مغلقة ومن المرجح أن تظل على هذا النحو. وفي نهاية المطاف، سيرجع هذا القرار إلى أنقرة، التي من الواضح أنها تلقى تشجيعاً هادئاً من القادة الأوروبيين الذين يريدون من تركيا منع طوفان اللاجئين من الوصول إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن دون وسيلة للخروج أو العودة، أصبح السكان محاصرين، ولكن من غير الواضح أيضاً أنهم يستطيعون البقاء. ويعتمد ثلاثة من كل أربعة أشخاص في محافظة إدلب تقريباً، أو 1.3 مليون نسمة، بالفعل على المساعدات الإنسانية المقدمة من الأمم المتحدة أو المنظمات الخيرية الأجنبية. ولكن هذه المنطقة تقع تحت تأثير الجماعات المتمردة التي يعتبرها معظم المجتمع الدولي إرهابية ومتطرفة، وخاصة منذ إنشاء هيئة تحرير الشام في وقت سابق من هذا العام. وقد دخلت هذه المجموعة بالفعل في صدام مع منظمات المعونة الأجنبية حول السيطرة على توزيع الأغذية، وفي حالة إنقاص أو منع المساعدات في نهاية المطاف، لن تتبق لسكان منطقة إدلب الأوسع أي وسيلة لتلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم.

نفاد الخيارات

وفي الوقت الراهن، تتخذ الحكومة السورية موقفاً دفاعياً في شمال غرب البلاد، ولكن من المرجح أن يتغير ذلك الوضع، وبغض النظر عن من يمضي قدماً، فإن طريقة إدارة الحرب تعني استمرار استهداف المدنيين الأبرياء.

وبعد ست سنوات من إراقة الدماء دون توقف، ومع سيطرة المتشددين على كلا الجانبين، لا توجد فرصة تذكر للتوصل إلى تسوية أو تهدئة ملموسة في منطقة إدلب.

ومن المرجح أن تواصل العديد من فصائل المعارضة القتال حتى في غياب أي أمل للنصر، مع إيلاء اهتمام ضئيل للخسائر التي تتكبدها المجتمعات المحلية التي لا ينتمون إليها. كما يسعى النظام السوري إلى تدمير المقاومة تدميراً جذرياً، ونادراً ما يتظاهر حتى بالقلق على المدنيين المساندين للعدو.

وبينما يمزق هؤلاء المتنافسون المجتمعات على الأرض، تجوب الطائرات بدون طيار القاتلة والطائرات الهجومية التابعة لثلاث قوات جوية على الأقل - روسيا وسوريا والولايات المتحدة - سماء شمال غرب سوريا الآن لكي تتعقب أعداءها وتسقط أطناناً من المتفجرات الفتاكة على البلدات المدنية كل يوم. وترد تقارير عن المآسي الجديدة بانتظام يحير العقل، في وقت لا تظهر فيه نهاية في الأفق.

وتجدر الإشارة إلى أن الحرب في الركن الشمالي الغربي من سوريا بدأت أصلاً في عامي 2011 و2012 كإحدى جبهات الصراع على رئاسة الأسد، ولكن العنف لا يزال مستمراً بلا هوادة حتى بعد أن بدأت هذه المسألة تتلاشى من جدول الأعمال السياسي. وبعد تفشي التنافس الإقليمي بالوكالة ومهام مكافحة الإرهاب العنيفة وغير المقيدة من أي شكل من أشكال السياسة الطويلة الأجل، تحولت إدلب والمناطق المجاورة لها إلى منطقة إطلاق نار حر تتعرض للهجوم من كافة الأطراف المتحاربة تقريباً.

في الوقت نفسه، فإنها بمثابة زنزانة احتجاز تضم مئات الآلاف من المدنيين العزل، بما في ذلك العديد من النشطاء والسجناء السابقين الذين يبدون على استعداد للقيام بأي شيء تقريباً لتجنب الوقوع في الأسر مرة أخرى. وحتى إذا تخلوا عن الحرب، فلن يكون لديهم أي مخرج، ولا أحد يحاول إيجاد مخرج لهم. إنهم محاصرون بين مجموعة من الجهاديين المتطرفين، وهي دكتاتورية مستعدة لاستخدام أي قدر من العنف لاستعادة السيطرة، في وقت يبدو فيه المجتمع الدولي راضياً عن الحرائق التي تلتهم شمال غرب سوريا.

(الصورة الرئيسية: النازحون الذين فروا من شرق حلب في أواخر عام 2016. سناء طرابيشي/اللجنة الدولية للصليب الأحمر)

al/as/ag-ais/dvh