إعادة بناء أنقاض سوريا تحت هدير المدافع

آرون لوند

صحافي مستقل ومحلل متخصص في شؤون سوريا، ومساهم منتظم في إيرين

لم يقترب القتال في سوريا من نهايته بعد، مع ذلك، فإن المجتمع الدولي قد بدأ بالفعل يتطلع إلى إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب أو بالأحرى إعادة الإعمار في زمن الحرب. ويعمل كثيرون على افتراض أنه في حين أن البلاد ستظل غارقة في أعمال العنف لسنوات طويلة قادمة، فإن المخطط الأساسي لمستقبل سوريا معروف، ويشمل بقاء الرئيس بشار الأسد كشخصية محورية في البلاد. ولكن السؤال الحقيقي هو: من سيدفع المال اللازم لتنفيذ مثل هذا المشروع المحفوف بمخاطر سياسية.

في عام 2016، حظي الأسد بسلسلة من الانتصارات العسكرية والسياسية التي يبدو أنها قد أنهت أي إمكانية لعودة المعارضة، بما في ذلك فقدان تركيا لإيمانها بضرورة تغيير النظام السوري، والنصر الانتخابي الذي حققه دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وطرد المسلحين السنّة من شرق حلب.

وعلى الرغم من أن قوات الأسد تواجه ضغوطاً تفوق طاقتها وواجهت بعض الانتكاسات، يبدو من المرجح الآن أن تبدأ المقاومة ضد الحكومة في الانزلاق إلى مستويات أكثر إذعاناً. ولا يعني هذا أن النظام سيكون قادراً على استعادة السيطرة على إدلب والقامشلي والرقة بسهولة، أو أن سوريا لن تظل دولة منقسمة في المستقبل المنظور، لكنه يعني أنه من المرجح أن يظل الأسد زعيماً لسوريا في معظم المجالات المهمة: سوف يسيطر على العاصمة والمدن الكبرى الأخرى، والمؤسسات البيروقراطية التابعة للحكومة المركزية، والجزء الأكبر من الاقتصاد، ومعظم سكان البلاد، ومقعد سوريا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، تتضاءل أهمية خصومه السياسيين السابقين وتقتصر على حركات تمرد إقليمية ويتم استغلالهم كوكلاء لحراسة الحدود من قبل الرعاة الأجانب.

وعلى الرغم من أن أعداء الأسد في الداخل والخارج لم يعترفوا بذلك علانية حتى الآن - بينما تتواصل المحادثات حول القتال والسلام على حد سواء - فإن معظمهم قد تخلوا عن فكرة الانتقال السياسي واتجهوا نحو التركيز على تحقيق الاستقرار وإعادة توطين اللاجئين، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الإعمار. ولا زلنا لا نعلم كيف سيتعاملون مع حقيقة أن النظام السوري لم يقم بعد بالإصلاح وأنه غير نادم، ويشكل سماً سياسياً للدول الغربية ودول الخليج، ويصعب التعامل معه بشكل محبط حتى بالنسبة لأولئك الذين يحاولون ذلك، بينما يتحكم بقوة في الطريق إلى التعافي الاقتصادي.

ما لا يمكن شراؤه بالمال

وبعد مقتل مئات الآلاف وتحول نصف السكان إلى لاجئين أو نازحين داخل البلاد، سوف تكون إعادة بناء سوريا مهمة شاقة للغاية نظراً لتحول منازل وشركات لا تعد ولا تحصى إلى أطلال. وتصل التكاليف المقدرة إلى نحو 200 مليار دولار، بينما يقدرها البعض بحوالي 350 مليار دولار. وعلى سبيل المقارنة، تبلغ ميزانية الدولة السورية لعام 2017 نحو 5 مليارات دولار. وستواصل روسيا وإيران بالتأكيد دعم الأسد، كما فعلتا خلال الحرب، لكنهما لن تتحملا هذه التكلفة الهائلة لبرنامج إعادة الإعمار، ولا الصين، التي تساند النظام أيضاً، ولكنها تشتهر بنهج "صافي الأرباح" في العلاقات الدولية.

سيفيم تركماني/اللجنة الدولية للصليب الأحمر
مباني مهدمة في شرق حلب، حيث ستتطلب إعادة البناء جهوداً كبيرة

وقد عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رغبته في وضع خطة تشبه "مشروع مارشال" لدعم سوريا، وهي طريقة غير مباشرة لقول أنه يريد من الولايات المتحدة وأوروبا دفع الفاتورة إعادة الإعمار فور إلحاق الهزيمة بهما. ويُقال أن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف كان أكثر صراحة عندما أبلغ دبلوماسيين من الاتحاد الاوروبي في وقت سابق من هذا العام أنه سوف تكون هناك حاجة إلى "عشرات الملايين من الدولارات" وأن روسيا "لن تدفع شيئاً".

لا يبدو هذا كعرض مغر، ولكن بطبيعة الحال، بوتين وبوغدانوف يعرفان ما يفعلانه. والجدير بالذكر أن العديد من حلفاء المعارضة السورية لديهم مصلحة أكبر بكثير من روسيا في استقرار سوريا، مع الأسد أو بدونه، لأن عواقب استمرار الحرب - التطرف والصراع الديني والعرقي واللاجئين وعدم الاستقرار - ستؤثر بشكل مباشر على رفاههم. وعلى حد تعبير فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ليس بوسع أوروبا وتركيا والعالم العربي "تحمل وجود ثقب أسود هناك".

وفي السياق نفسه، يريد بعض أعداء الأسد الأكثر ثراءً أيضاً استخدام العقوبات والمساعدات الخارجية بطريقة العصا والجزرة لكسب النفوذ السياسي. وقد حاول وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري اتباع هذا النهج عندما سيطر الأسد على شرق حلب في ديسمبر الماضي، قائلاً أن أموال إعادة الاعمار لن تتاح في غياب تسوية سياسية. ولا أحد يعرف ما إذا كان هذا لا يزال موقف الولايات المتحدة بعد تولي دونالد ترامب مقاليد الرئاسة أم لا، ولكن في 15 ديسمبر، قرر الاتحاد الأوروبي أيضاً أنه "سيقدم الدعم لإعادة إعمار سوريا فقط بعد بدء عملية انتقال سياسي ذات مصداقية".

ولكن المهم هو أنه لن يحدث انتقال سياسي. قد تكون هناك تنازلات طفيفة جداً معروضة، ولكن إذا لم يتخل الأسد عن الرئاسة بعد فقدان عشرات الآلاف من الجنود ومعظم الأراضي السورية، فإنه لن يتخل عن السلطة لفتح صندوق إعادة الإعمار. ولا تعدو الآمال الأوروبية والأمريكية بحدوث العكس كونها خداعاً مريحاً للذات يعكس إحجام الغرب عن الاعتراف بالهزيمة أكثر من قراءته للواقع السوري.

أحاديث المقاومة واقع كئيب

في مقابلة مع قناة الميادين التلفزيونية الشهر الماضي، أصر وزير التجارة والاقتصاد السوري أديب ميالة على أن عقود إعادة الإعمار في المستقبل سوف تذهب في المقام الأول إلى الشركات الروسية والإيرانية والصينية.

وبدا وكأنه في حيرة من أمره وشعر بالإهانة عند اقتراح فكرة أن رأس المال الغربي أو التركي أو العربي يمكن أن يعود إلى سوريا أو يساهم في جهود إعادة الإعمار. وأكد ميالة أنه بالنسبة لهذه الحكومات، "ستكون هناك شروط سياسية واضحة. أولاً وقبل كل شيء، يجب أن تعتذر للشعب السوري. ثم، يجب أن يقبل الشعب السوري اعتذارها، ويجب عليها أيضاً الاعتذار لشعوبها. وأخيراً، يجب أن تُحاسب من خلال صناديق الاقتراع".

وبدلاً من الترحيب بالاستثمار الأجنبي في اقتصادها المحطم، تطالب الحكومة السورية الآن بتحقيق انتقال سياسي في كل دولة كانت تطالب سابقاً بانتقال سياسي في سوريا. قد يبدو هذا كتعريف دقيق لتجاوز مجنون، ولكن لا ينبغي أن يؤخذ غضب ميالة حرفياً أيضاً. إنه تبجح وطني من جانب حكومة لديها أوراق ضعيفة تلعب بها وتأمل في إرهاق أعدائها عن طريق إظهار تعنتها. سوف تتحقق المرونة فيما بعد، عندما، أو إذا، كانت هناك فرصة واقعية لتقديم مكافأة في شكل تخفيف عقوبات أو مساعدة مالية.

ويبدو أن العديد من النخب السورية مستعدة لصراع مطوّل قد يتحور بطرق غير متوقعة وليست لديهم أي أوهام حول ما ينتظرهم في المستقبل. وفي لقاء مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في دمشق في نوفمبر الماضي، قدمت شخصية عامة مؤيدة للأسد وذات اتصالات رفيعة المستوى رؤية قاتمة عندما سُئلت عن التوقعات المستقبلية في سوريا، وأصدرت حكمها بلهجة مقتضبة تنم عن الإيمان بالقضاء والقدر.

كان هذا الشخص متأكداً من أن الأسد سيظل في السلطة، وكان أقل تفاؤلاً بشأن التعافي الاقتصادي في سوريا. وقال أن اجتذاب رأس المال الغربي والعربي سيظل صعباً بعد الحرب، وبينما يمكن للدولة أن تتغنى بفضل الدعم الروسي والإيراني، لكن لن يكون لديها قدرة كافية على ترميم البنية التحتية، وبناء مساكن جديدة وخلق فرص عمل وإعادة توطين اللاجئين وجذب الاستثمارات وحل التوترات الاجتماعية والطائفية.

وقال أنه من المحتمل أن تظل سوريا مقسمة وفقيرة وتعاني من هجرة الكفاءات، وأن يعيش سكانها على مساعدات الأمم المتحدة وتحويلات الشتات النقدية في المستقبل المنظور. وهذا بالضبط ما آلت إليه الأمور الآن.

بيئة غير ملائمة للأعمال التجارية

حاول بعض المسؤولين السوريين تبديد فكرة الطريق الاقتصادي المسدود عن طريق الإشارة إلى مجتمع رجال الأعمال المغتربين، قائلين أن السوريين في الخارج سوف يحرصون على العودة والاستثمار في إعادة الإعمار بمجرد رفع العقوبات، واستعادة الأمان، والعفو عن جميع الأطراف. وفي هذا الشأن، قال الأسد في حديث مع القناة التلفزيونية اليابانية TBS في وقت سابق من هذا العام: "لدينا المغتربين، ولدينا اللاجئين الذين غادروا سوريا، وبعضهم في حالة جيدة ويريدون العودة".

ولكن افتراض أن الأموال والخبرات السورية يمكن أن تشكل بداية لجهود إعادة الإعمار في غياب حملة تمويل دولية كبرى يمثل إشكالية، كما قال سامر عبود، الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الدولية بجامعة أركاديا الذي يدرس هروب رؤوس الأموال السورية.

وأضاف عبود في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية: "نحن الآن في مرحلة تحاول خلالها [السلطات السورية] إقناع رجال الأعمال بالعودة، ولكن منذ بضع سنوات كان مسؤولو النظام يدعون إلى ضمهم للقائمة السوداء ويحظرون عودتهم. من المؤكد أن الأمور تتغير، ولكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن رجال الأعمال سيثقون في النظام".

وأشار عبود إلى أن العديد من أصحاب الأعمال السوريين الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير في السابق قد أعادوا استثمار أموالهم في الخارج منذ فترة طويلة وتكيفوا مع الحياة في بلد جديد، وأن هناك عتبة عالية ينبغي تخطيها لاستئناف الأنشطة الاقتصادية في سوريا - وليس فقط بسبب أوامر الاعتقال القديمة التي أصدرتها الشرطة.

ويرتبط جزء كبير من الاقتصاد السوري بشبكات المحسوبية المسيسة والفاسدة التي سيكون من الصعب على مستثمري الشتات أو اللاجئين العائدين الوصول إليها. وأضاف عبود أن "الأشخاص الذين يعتبرون موالين سيكونون في الخط الأمامي. كيف يمكن لرجل الأعمال الذي يعيش في تركيا منذ خمس سنوات أن يحصل على تلك العقود؟"

وبينما لا يزال هناك بالطبع رجال أعمال أثرياء وذوو نفوذ موالين للنظام في سوريا، فقد أشار عبود إلى أن الكثيرين منهم جمعوا ثرواتهم بوصفهم وسطاء سياسيين أو من خلال خرق العقوبات، وليس من خلال التصنيع أو الاستثمار الإنتاجي. وأضاف أنهم "لا يملكون نفس الإمكانات الإنتاجية أو رؤوس الأموال التي كانت تملكها النخب في فترة ما قبل النزاع. وهذا يجعلهم أكثر تطفلاً وأقل احتمالاً لتحفيز الإنتاج. وسيكونون بحاجة إلى رأس المال".

ويبدو أن الحكومة السورية عازمة على السيطرة على عملية إعادة الإعمار، وأن رؤيتها للمستقبل تميل إلى مدرسة حزب البعث الاشتراكية القديمة أكثر من أي خطة لجذب المستثمرين. في سوريا المستقبل، "لن تكون هناك شركات أو مؤسسات مالية قوية، بل على العكس،" كما أوضح ميالة، وزير الاقتصاد، في مقابلته مع التلفزيون اللبناني، مساوياً بين الاستثمارات والقروض الدولية والتدخل السياسي.

وإذا حكمنا من خلال مثل هذه التصريحات، ربما يكون فريق الأسد الاقتصادي، الذي كان في السابق مؤيداً لاقتصاد السوق، قد قبل، على الأقل الآن، أن سوريا يجب أن تقنع في الوقت الراهن بلعب دور ميانمار البحر الأبيض المتوسط: دولة عسكرية معزولة وغير فعالة تتغذى على مساعدات إنسانية ومالية هزيلة، وفي الوقت نفسه غارقة في صراع دائم مع دول أجنبية ومناطق متمردة حول الاستثمار والمساعدات والموارد.

نزاعات لم يبت فيها تعرقل عملية إعادة الإعمار

وفي غياب تسوية سياسية أو نصر عسكري واضح في سوريا، من المرجح أن تكون جهود إعادة الإعمار الدولية بطيئة وفوضوية ومجزأة.

بل إن بعض الدول قد تتخذ غياب توافق الآراء بشأن كيفية ومكان المساعدة كذريعة للتهرب من تخطيط إعادة الإعمار. وقد تولد الأولويات الدولية المختلفة أيضاً أنواعاً جديدة من الصراع وتساهم في تفتيت سوريا. وتقع مناطق سورية عديدة الآن بالفعل تحت الحماية الدولية: القوات الجوية الأمريكية تحلق فوق المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا؛ وتركيا تسيطر على منطقة الشريط الحدودي شرق حلب؛ وروسيا تدعم حكومة الأسد. وإذا استمرت هذه الانقسامات وامتزجت بتيارات منفصلة من التمويل الأجنبي الذي يهدف إلى خلق مناطق متنافسة بمعزل عن بعضها البعض، فإن التقسيم الطويل الأجل لهذا البلد يبدو نتيجة محتملة.

مع ذلك، ومن حيث وجود هدف مشترك يتمثل في استعادة الاستقرار الأساسي في سوريا، من الواضح أن نظام الأسد له اليد العليا بسبب سيطرته على غالبية السكان، وبيروقراطية الحكومة المركزية، ووجود مؤسسي عميق في مناطق المعارضة.

وتجدر الإشارة إلى أن خطط التعمير التي تسعى إلى تجاوز المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والتركيز بدلاً من ذلك على المناطق الريفية القليلة السكان التي تسيطر عليها المعارضة قد تبدو جذابة من الناحية السياسية لصناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن سيكون له تأثير محدود جداً على الانتعاش الاقتصادي العام في سوريا. وإذا كان الهدف هو تحقيق الاستقرار في سوريا وجعل الحياة المدنية محتملة عن طريق خلق فرص عمل، وإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة خدمات الرعاية الصحية والتعليم، وتسهيل عودة النازحين أو إعادة توطينهم، فإنه سيكون من المستحيل بالنسبة للجهات المانحة الأجنبية أن تتجاهل حكومة الأسد المركزية أو الأراضي التي تقع تحت سيطرتها.

وكيفية التعامل مع هذه الحقيقة هو خيار سياسي. وقد تبدو كافة الخيارات غير مستساغة بطريقتها الخاصة، لكن إذا كنت تبحث عن خيارات سارة، فقد أتيت إلى الحرب الأهلية الخاطئة.

(الصورة الرئيسية: مدينة حمص في سوريا تحمل ندوب النزاع. بافل كرشيشيك/اللجنة الدولية للصليب الأحمر)

al/as/ag-ais/dvh