جرائم الحرب في سوريا: دليل لتجاوز حقل الألغام القانوني

كيف قد تبدو العدالة ولماذا تعتبر "الإبادة الجماعية" تسمية غير مفيدة؟

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

تُعد حلب قصة رعب فوضوية بكل ما في الكلمة من معنى؛ فسكانها المدنيون الباقون على قيد الحياة إما محاصرون أو هاربون أو متمرسون في الاحتماء من الغارات الجوية والقصف.

 

يتعرض ما تبقى من شرق المدينة الذي يسيطر عليه المتمردون لهجوم من قبل القوات المتحالفة مع الرئيس السوري بشار الأسد منذ شهر، وقد ظل تحت الحصار لفترة أطول بكثير. كما لقي أكثر من 110,000 مدني مصرعهم منذ اندلاع القتال في عام 2011، وهو تقدير متحفظ.

وبعد إلقاء البراميل المتفجرة بشكل عشوائي وتسوية المستشفيات بالأرض ومنع دخول المساعدات، تفجر غضب مفهوم لفشل المجتمع الدولي في التوسط لتحقيق أي شيء أكثر من هدنة مؤقتة في بعض الأحيان. ويحذر مراقبون الآن من أن السقوط الوشيك لأخر الجيوب المتبقية في حلب يمثل بداية النهاية للقتال ضد نظام الأسد.

لم يكن العالم يقدر أو يرغب في إنهاء الحرب، ولكن هل سيحاول على الأقل تقديم أولئك الذين ارتكبوا أبشع الجرائم للعدالة؟ لقد تخللت إدانات "جرائم حرب" وحتى "الإبادة الجماعية" بعض التصريحات في السنوات الخمس الماضية، ولكن ما الذي تعنيه هذه المصطلحات فعلياً وهل تنطبق حقاً على هذه الحالة؟

حاولت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) الحصول على مساعدة من بعض الخبراء لفهم تعقيدات القانون الدولي وشرح الوضع القانوني على الطبيعة:

هل هي إبادة جماعية؟

في ظل انتشار الصور ومقاطع الفيديو المؤثرة التي تبين الجثث الملطخة بالدماء تحت الأنقاض في حلب (وغيرها)، لا عجب في أن الكثيرين يعتبرون ما يحدث في سوريا "جريمة الجرائم" - الإبادة الجماعية.

ولكن في معظم الحالات، يقول الخبراء أن سوريا لم تشهد إبادة جماعية، على الأقل وفقاً للمعايير القانونية المنصوص عليها في اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948. ويرجع ذلك جزئياً إلى تأطير هذا القانون مع أخذ حدث معين في الاعتبار، وهو المحرقة.

يتطلب إثبات وقوع الإبادة الجماعية إظهار نية الجاني في تدمير مجموعة عرقية أو إثنية أو وطنية أو دينية.

وبسبب هذا التعريف الضيق، بالإضافة إلى "صعوبات إثبات النية، فإن الغالبية العظمى من الجرائم في سوريا لا يمكن وصفها بأنها إبادة جماعية"، كما أوضح ماركو ميلانوفيتش، أستاذ القانون المشارك في جامعة نوتنغهام.

ولكنه أكد أن "هذا لا يعني أن تلك الجرائم أقل سوءاً أو استحقاقاً للإدانة"، مشيراً إلى أن قتل المثليين أو ذوي الإعاقة أو المعارضين الاجتماعيين أو السياسيين لا يرتقي أيضاً إلى مرتبة الإبادة الجماعية.

ولهذا السبب لم ترق حتى "حقول القتل" في كمبوديا - حيث قُتل أكثر من مليون شخص بسبب طبقتهم الاجتماعية أو معارضتهم المتصورة لنظام الخمير الحمر - إلى مرتبة الإبادة الجماعية.

ولكن قد تكون هناك حالة إبادة جماعية واحدة في سوريا - فقد خلصت لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا في يونيو 2016 إلى أن ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية قد ارتكب إبادة جماعية ضد اليزيديين. ووثقت اللجنة أعمال القتل والاستعباد الجنسي والتعذيب وغيرها، وقالت أنها كانت محاولة لتدمير تلك المجموعة العرقية - وخلصت إلى أنها ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية.

ويُعتبر ويليام شاباس، أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس في لندن، واحداً من كبار خبراء الإبادة الجماعية في العالم.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أنه يكن الاحترام لعمل لجنة التحقيق الدولية، إلا أنه لا يعتقد أن الوضع اليزيدي يلبي المعيار القانوني. وأوضح أن الإبادة الجماعية "ترفع درجة الحرارة وقيمة الصدمة". ولهذا السبب غالباً ما تستخدم المنظمات غير الحكومية هذا التعبير - وبالطبع يريد الضحايا اعترافاً بما حدث لهم.

وأضاف شاباس أنه يعتقد أن "من المهم أن يفهم الناس أن تسمية الأحداث بالإبادة الجماعية لا يعطيها أي قيمة مضافة" من حيث جعل المحاكمة على ارتكاب الجرائم أسهل أو أكثر وضوحاً. ويرجع ذلك في رأيه إلى أن "تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية [في سوريا] واضحة وجلية".

واتفق معه في هذا الرأي روجيه بارتل، الموظف القانوني في دوائر المحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من أنه قال أن هناك بعض الأدلة على أن العقوبة قد تكون أكبر عند إرفاق تسمية الإبادة الجماعية.

"بالنسبة لي ... في نهاية المطاف، ما يهم هو عدم الإفلات من العقاب، وتقديم الأشخاص إلى العدالة ومعاقبتهم إذا ثبتت إدانتهم باتباع سلوك غير قانوني،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية.

ماذا تبقى إذاً؟

وتوجد ثلاث فئات من الجرائم في القانون الدولي يمكن توجيه المساءلة الجنائية للأفراد على ارتكابها، وهي: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

لا يمكن ارتكاب جرائم حرب إلا خلال النزاعات المسلحة - وقد بدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تشير صراحة إلى الحرب في سوريا على هذا النحو في يوليو 2012، على الرغم من أن هذا بدا واضحاً لكثير من المراقبين قبل ذلك التاريخ بكثير، على الأقل على المستوى الغريزي.

منظمة أطباء بلا حدود
تدمير سيارتي إسعاف في الغوطة الشرقية أثناء غارة جوية في وقت سابق من هذا الشهر، بينما كانتا متوقفتين بالقرب من مستشفى مؤقت

وبمجرد نشوب نزاع مسلح، تصبح أساسيات ما يمكن وما لا يمكن القيام به في الحرب هي المدونة في اتفاقيات جنيف، فضلاً عن نظام روما الأساسي الذي استند إليه تأسيس المحكمة الجنائية الدولية.

وتبدو بعض الأساسيات مألوفة جداً في المشهد السوري: إنها جريمة حرب أن تشن هجوماً على المدنيين. إنها جريمة حرب أن تتعمد الهجوم على المرافق الطبية. إنها جريمة حرب أن تشن هجوماً على قوات حفظ السلام أو العاملين في المجال الإنساني.

ويمكن أن يشكل حادث منعزل، على سبيل المثال حالة سوء معاملة واحدة أو قتل أسير حرب، جريمة حرب.

وأوضح جون سيرون، أستاذ القانون الدولي الزائر في جامعة تافتس، أن هذا "خلافاً للجريمة ضد الإنسانية، التي بحكم تعريفها ينبغي أن تحدث في سياق جنائي أكبر - وهذا السياق الجنائي الأكبر هو هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين".

ولكن توجد مشكلة صغيرة، فهناك نوعان من النزاعات المسلحة - الدولية وغير الدولية. باختصار، توجد قائمة قصيرة من جرائم الحرب التي تنطبق على النزاع المسلح غير الدولي، مثل النزاع السوري، الذي يمكن من الناحية القانونية أن يعتبر غير دولي. ويرجع ذلك في الأساس إلى أن الحكومة السورية لم تعترض رسمياً قط على القصف الخارجي لمواقع تنظيم الدولة الإسلامية، أو التدخل الروسي.

وقد يبدو للمراقبين أن وصف النزاع بأنه غير دولي أمر مخالف للبديهة نظراً لعدد الجهات المشاركة، ولكن هذا ببساطة فارق بسيط يقول خبراء القانون أنه قد لا يكتسب أهمية كبيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن التجويع ليس جريمة في النزاع المسلح غير الدولي. ولكن كما يقول بارتل: "إذا نظرت إلى الوضع السوري، ستجد [الكثير من الجرائم المحتملة] - الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمدنيين والمستشفيات التي قد يكون من الأسهل إثباتها ... ولذلك فإن هناك حالات محددة جداً وجرائم محددة قد يكون توجيه اتهام بشأنها أكثر صعوبة [إذا ما اعتُبرت سوريا نزاعاً غير دولي]. ولكن عموماً بالنظر إلى ما يحدث، لن تكون لديهم صعوبة في العثور على جرائم".

المحاكمة؟

ومن الواضح أن القانون لا يمثل رادعاً قوياً في الحرب السورية، ولكن هذا لا يعني أنه لن تتم محاكمة المجرمين في نهاية المطاف. وقد لا يكون ذلك من خلال المحكمة الجنائية الدولية.

ويرجع ذلك إلى أن سوريا ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وبدون عضوية، يتطلب الأمر إحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي لإجراء تحقيق - وقد حاول المجلس إجراء مثل هذا التحقيق في مايو 2014، ولكن روسيا والصين، اللتين تتمتعان بحق الفيتو، صوتتا بالرفض.

وفي ضوء تحالف روسيا مع الأسد، وتدخلها بقوة في النزاع الآن، فإن استخدام حق النقض في المستقبل سيكون شبه مؤكد، إذا حاول أحد أن يسلك هذا السبيل.

سناء طرابيشي/اللجنة الدولية للصليب الأحمر
نازحون سوريون جنوب حلب يقيمون في ملاجئ جماعية

والشيء نفسه ينطبق على المحاكم المخصصة، مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا اللتين تطلب إنشاؤهما دعم مجلس الأمن.

والجدير بالذكر أن الأفراد الوحيدين الذين من المحتمل أن يتم التحقيق معهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية هم الأجانب الوافدون من دول وقعت على اختصاص المحكمة - الرعايا الأوروبيون الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية ويقاتلون على الأراضي السورية، على سبيل المثال.

ولكن "هؤلاء الأشخاص عادة ما يلعبون أدواراً ثانوية جداً. عندما نتحدث عن محاكمة، فإننا نتطلع إلى أمثال ايخمان، وليس الأشخاص ذوي المستوى المنخفض،" كما قال شاباس في إشارة إلى مهندس المحرقة أدولف ايخمان.

ولكن سيرون يرى إمكانية "إحالة ضيقة جداً [إلى المحكمة الجنائية الدولية]" بشأن قضية الأسلحة الكيميائية، مع ذلك ساورته مخاوف بشأن قدرتها على الاستمرار.

وهناك خيارات خارج إطار المحكمة الجنائية الدولية: يمكن أن توجه المحاكم الوطنية التي تقبل ما يسمى "الولاية القضائية العالمية" اتهاماً لأفراد بارتكاب جرائم دولية - جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وحتى الإبادة الجماعية - في محاكمها. ولكن أي بلد ستكون لديه الإرادة السياسية لمتابعة مثل هذه الاتهامات بعد انتهاء الصراع؟

أما بالنسبة للعدالة داخل سوريا نفسها، فلا يمكن التكهن الآن بما قد تبدو عليه سوريا بعد الحرب أو بكيفية تعاملها مع الرعب السائد في السنوات القليلة الماضية. ويمكن أن تشمل محاولات العدالة الانتقالية إجراء محاكمات، أو قد يحاول الأسد إذا كان لا يزال في السلطة مقاضاة أعضاء المعارضة.

بناء على أي دليل؟

وعلى افتراض تحقيق نوع من العدالة، سوف تكون المحاكم بحاجة إلى أدلة. وهذا هو الشيء الوحيد الذي من المحتمل أن يتوفر لديها.

وتعكف جماعات مثل لجنة العدالة والمساءلة الدولية على جمع وتخزين الأدلة بدقة بهدف استخدامها في ملاحقات قضائية في المستقبل - وقد هرّبت وحدها أكثر من 600,000 وثيقة من سوريا.

وقال ستيفن راب، السفير الأمريكي المتجول لقضايا جرائم الحرب، في حديث مع مجلة نيويوركر أن وثائق لجنة العدالة والمساءلة الدولية "أغنى بكثير من أي شيء رأيته، وأي شيء لاحقته قضائياً في هذه المنطقة" - وقد عمل راب في محاكمات في رواندا وسيراليون. كما أن لجنة العدالة والمساءلة الدولية ليست المنظمة الوحيدة التي تجمع أدلة.

وقال بارتل من المحكمة الجنائية الدولية لشبكة الأنباء الإنسانية أن المحاكم الدولية كان لديها في الماضي "أدلة وثائقية قليلة جداً"، وكانت تضطر إلى الاعتماد على شهادات الشهود، التي يمكن أن تكون غير موثوقة مع تلاشي الذكريات وتضارب الروايات.

وأضاف أن جبل الأدلة الذي تم جمعه حول سوريا "مفيد وربما يمكن استخدامه" ولكن "يجب أن يفي بمعايير الأدلة العادية".

من جهته، أشار ميلانوفيتش من جامعة نوتنغهام إلى أن الأدلة التي تم جمعها خلال الصراع "قُبلت أمام محاكم أخرى".

لتحقيق أي هدف؟

ويشعر ميلانوفيتش، على سبيل المثال، بالقلق من أن "الإفلات الجماعي من العقاب عن الجرائم المرتكبة في سوريا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إلى حد بعيد، على الأقل في العقود القليلة القادمة".

"قد نرى بعض المحاكمات المنعزلة من قبل بعض الدول على أساس الولاية القضائية العالمية، إذا وضعوا أيديهم على متهمين محددين. ولكن ... يبدو أنه من غير المرجح للغاية أن يكون هؤلاء المتهمون من كبار المسؤولين،" كما أفاد.

أما شاباس فكان أكثر تفاؤلاً بعض الشيء. "يجب أن نرى ذلك [المحاكمة] كاحتمال حقيقي جداً، ويجب أن نكون حذرين جداً بشأن التوصل إلى استنتاجات حول قدرتنا على ملاحقة جرائم الحرب ببساطة بسبب الإحباط الناجم عن التعامل معها خلال فترة الصراع،" كما أضاف.

وأكد أنه "من المحتمل جداً أن يقع بعض الأشخاص في أيدي أولئك الذين يرغبون في رؤيتهم يخضعون للعقاب".

لكن بالنسبة لأولئك الذين سيفلتون، فإن قائمة الاتهامات الطويلة التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية بلا جدوى تشهد على حقيقة أن اعتقال المشتبه بهم في كثير من الأحيان يكون أصعب من توجيه اتهامات لهم.

وربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو كيف يمكن تحقيق العدالة عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي ارتكبتها شخصيات بارزة في نظام الأسد إذا كان لا يزال في السلطة؟

(الصورة الرئيسية: تعرضت سيارة إسعاف كانت متوقفة أمام مستشفى في شرق حلب لقصف أثناء غارة جوية في أواخر نوفمبر، ولم يتبق منها سوى الإطار المعدني. كرم المصري/منظمة أطباء بلا حدود)

as/ag-ais/dvh