إذا قلصت أمريكا الدعم الإنساني في عهد ترامب، هل ستقوم الصين بملء الفراغ؟

"ورقة بيضاء" جديدة تظهر أن بكين تتصور دوراً دولياً أكبر لنفسها

جاريد فيري
محرر شؤون آسيا

تُعد أخر "ورقة بيضاء" أصدرتها الصين مؤشراً آخر على قرار البلاد لعب دور أكبر في الشؤون العالمية. ويأتي إصدار الورقة في أعقاب تصريحات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، التي تشير إلى أنه سيقود بلاده نحو التراجع عن الأممية. ولكن هل تستطيع الصين أن تملأ الفراغ المحتمل في العمل الإنساني؟

 

 

وتجدر الإشارة إلى أن الحكمة المتصورة هي أن الديناميات الداخلية للصين تحد من قدرة البلاد على التحول إلى رائد حقيقي للعمل الإنساني، ولكن هناك مؤشرات على أنها قد تسعى لرفع مكانتها في بعض المجالات، وخاصة حفظ السلام، وربما تغير المناخ.

"تركز الورقة البيضاء على التنمية، لكنها لا تتضمن أي وعود بشأن الديمقراطية والحرية الشخصية وحقوق الإنسان،" كما أفاد شو غوكي، أستاذ التاريخ في جامعة هونغ كونغ الذي يؤلف كتاباً بعنوان فكرة الصين.

وقال أن عدم رغبة الصين في تعزيز تلك المثل في البلاد يقوض قدرتها على الاضطلاع بدور قيادي في الشؤون العالمية.

وتساءل قائلاً: "كيف يمكن للحكومة الصينية أن ترتقي بدورها في العمل الإنساني الدولي، بينما في الوقت نفسه لا تجرؤ على شجب الأنظمة غير الديمقراطية التي تعتبر مسؤولة الى حد كبير عن الأزمات العالمية في العمل الإنساني".

 وقال كيري براون، مدير معهد لاو الصين في كلية كينغز كوليدج في لندن، أن تحركات الصين باتجاه زيادة التعددية "معقدة".

 "من المؤكد أن الصين ترغب في لعب دور إقليمي أقوى وأكثر هيمنة، ولكنها لا تريد أن تُفرض عليها مسؤوليات ضخمة في العالم الأوسع،" كما أشار.

 مع ذلك، فقد أشار إلى أن أموراً كثيرة تعتمد على ما ستفعله الإدارة الأمريكية الجديدة.

 ويرى براون أن "[موقف] إدارة ترامب بشأن تغير المناخ وعدد من المجالات الأخرى تدفع الصين نحو خيار وحيد، وهو القيام بدور أكثر نشاطاً في القضايا الدولية، بسبب الفجوة التي ستخلقها الانعزالية الأمريكية التي تتوخى المصلحة الذاتية".

 التخبط الدبلوماسي

 ولا تزال هناك أسئلة عديدة حول طبيعة السياسة الخارجية التي سيتبعها ترامب، على الرغم من أن تصريحاته حول الشؤون الدولية لم تكن مطمئنة للكثيرين حتى الآن.

 والجدير بالذكر في هذا الشأن أن ترامب تسبب في ضجة دبلوماسية عندما أجرى حديثاً هاتفياً مع رئيسة تايوان تساي إنغ ون في 2 ديسمبر، وهو أمر لم يقدم عليه أي رئيس أمريكي فعلي أو منتخب منذ عام 1979. في ذلك العام، توقفت الولايات المتحدة رسمياً عن الاعتراف بتايوان كحكومة مستقلة، وبدلاً من ذلك، بدأت تعترف بالحكومة الصينية في بكين التي تعتبر تايوان إقليماً منشقاً ينتهك سياسة "صين واحدة"، التي روجت لها بقوة في جميع أنحاء العالم.

وردت الصين بإصدار تحذير شديد اللهجة. فبعد يوم واحد من إجراء المكالمة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية غنغ شوانغ للصحفيين: "نحن نحث الجانب الأمريكي ذي الصلة على احترام الالتزام بسياسة صين واحدة".

وأعقب ترامب ذلك بإطلاق تغريدات على موقع تويتر تتهم الصين بإدارة عملتها بطريقة من شأنها أن تضر بالشركات الأمريكية، وتدين تشييد بكين لقاعدة عسكرية في بحر الصين الجنوبي، حيث توجد مطالب إقليمية متداخلة لمجموعة من الدول.

 كما أن تصريحات ترامب بشأن تغير المناخ تثير القلق. فقد وصف ظاهرة الاحتباس الحراري في تغريدة على موقع تويتر في عام 2012 بأنها مفهوم "أنشأه الصينيون لخدمة مصالحهم الخاصة بهدف إفقاد التصنيع الأمريكي قدرته على المنافسة".

 واقترح ترامب أيضاً خلال حملته الانتخابية انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، الذي يتطلب أن تقوم البلدان بتخفيض حاد لاستخدام الوقود الأحفوري من أجل التخفيف من آثار ظاهرة الاحتباس الحراري.

 وقالت الصين في ورقتها البيضاء أنها قد بذلت "جهوداً كبيرة للدفع باتجاه اعتماد وسريان اتفاقية باريس حول التخفيف من انبعاثات غازات الدفيئة،" وفقاً لوكالة الأنباء الحكومية، شينخوا.

التركيز على حفظ السلام

وقد شملت الورقة البيضاء أيضاً قسماً خاصاً عن عمليات حفظ السلام، التي تُعد المساهمة الإنسانية الصينية الأكثر وضوحاً. تعهدت الصين بمواصلة توسيع نطاق التزامها بتقديم القوات والتمويل.

 "في السنوات الخمس القادمة سوف تقوم الصين بتدريب 2,000 جندي على العمل ضمن قوات حفظ السلام في دول أخرى، وإطلاق 10 برامج مساعدة في كسح الألغام، وتقديم 100 مليون دولار في صورة مساعدات عسكرية لا تُرد إلى الاتحاد الأفريقي، وتخصيص جزء من صندوق الصين والأمم المتحدة للسلام والتنمية لدعم عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة،" كما ذكرت شينخوا.

 من جانبه، قال براون أن عمليات حفظ السلام تخدم أغراضاً متعددة بالنسبة للصين.

 "إن المشاركة في بعثات حفظ السلام تساعد على الأقل في إعطاء الصين فرصة للتأكيد على أنها تبذل كل ما في وسعها لتهدئة واستقرار مناطق مختلفة، يعتبر الكثير منها من موردي التجارة أو الموارد. وهذه أيضاً وسيلة جيدة نسبياً وغير مكلفة لإثبات التزام الصين بالمواطنة العالمية وتحسين صورتها الدولية".

 في السياق نفسه، قالت يون سون، وهي خبيرة في السياسة الخارجية الصينية في مركز ستيمسون الذي يتخذ من واشنطن العاصمة مقراً له، أن الصين تساهم في عمليات حفظ السلام باعتبارها وسيلة لإقحام نفسها في ميزان القوى العالمي.

"بما أن الأمم المتحدة هي منصة متعددة الأطراف، فإن الصين تنظر إليها باعتبارها الوسيلة الأكثر شرعية وفعالية للسيطرة على الأحادية الغربية أو التدخل العسكري،" كما أوضحت.

لاعب ثانوي

وباستثناء عمليات حفظ السلام، لم تكن الصين حتى الآن إحدى كبار الدول المانحة للمساعدات.

وذكرت الورقة البيضاء أن الصين قد قدمت 58 مليار دولار في صورة مساعدات دولية على مدار العقود الستة الماضية - وهو رقم وجدت وكالة رويتر للأنباء أنه أقل من مساهمة الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في عام 2015 وحده.

ولم تقدم الورقة تفاصيل عن كيفية إنفاق الـ58 مليار دولار، ولكن هذا الرقم يشمل بالتأكيد المنح والقروض المخصصة لمشاريع التنمية، وكذلك أي تمويل لمواجهة الكوارث الإنسانية.

في الواقع، كانت مساهمة الصين في الاستجابة الإنسانية ضئيلة بالمقارنة مع مكانتها باعتبارها الدولة الأكثر سكاناً في العالم وثاني أكبر اقتصاد على وجه الأرض.

وكانت شبكة الأنباء الإنسانية قد ذكرت في شهر يونيو الماضي أن الصين ساهمت فقط بـ54 مليون دولار في المساعدات الإنسانية في عام 2014، وفقاً لمبادرات التنمية، التي حللت بيانات من مصادر عديدة، من بينها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي. وتبين خدمة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة، والتي توثق تدفقات المعونة الإنسانية العالمية، أن مساهمة الصين قد انخفضت في عام 2015 إلى 37 مليون دولار فقط.

 إذا تراجعت الإدارة الأمريكية القادمة بشكل ملحوظ عن تقديم الدعم الإنساني، يمكن أن تفتح الباب أمام الصين للعب دور أكبر، لكن الخبراء حذروا من أن هذا لن يحدث إلا إذا وجدت بكين فوائد ملموسة في القيام بذلك.

 وفي هذا الصدد، قال براون: "الصين ليست لاعباً يتسم بالإيثار البحت. بل يسعى وراء المصلحة الذاتية. لكن لديها من الموظفين والموارد ما يكفي للقيام بالكثير إذا أرادت".

jf/ag-ais/dvh

 (الصورة الرئيسية: قوات حفظ السلام الصينية في جنوب السودان. تصوير: جيه سي ماكيلوين/ بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان)