حقائق الهجرة في عالم ما بعد الحقيقة

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعقب انتخاب دونالد ترامب، أصبح من الصعب أن يعارض المرء فكرة أننا نعيش الآن في عصر "ما بعد الحقيقة"، الذي غالباً ما تقل فيه قيمة الحقائق الموضوعية عن النداءات العاطفية و"الأخبار الكاذبة" عندما يتعلق الأمر بتشكيل الرأي العام. ولم تكتسب الادعاءات في مرحلة ما بعد الحقيقة قيمة أكبر في أي شيء من تلك التي اكتسبتها في المناقشات حول الهجرة. وفيما يلي بعض الادعاءات الأكثر تأثيراً في مرحلة ما بعد الحقيقة حول الهجرة واللاجئين، والحقائق التي تتعارض معها:

 

 

اللاجئون يشكلون تهديداً أمنياً

تعتبر فكرة أن الارهابيين يتنكرون في صورة لاجئين للحصول على فرصة للدخول إلى أوروبا والولايات المتحدة واحدة من أقوى الادعاءات في مرحلة ما بعد الحقيقة. لقد نجح السياسيون اليمينيون ووسائل الإعلام في الربط بين سلسلة من الهجمات الإرهابية التي وقعت خلال العام الماضي والوصول الفوضوي لعدد غير مسبوق من طالبي اللجوء تجاوز المليون شخص إلى الشواطئ الأوروبية في عام 2015. وجاء معظم طالبي اللجوء من دول مثل سوريا والعراق وأفغانستان، التي ترتبط في أذهان العامة بجماعات متطرفة مثل ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة؛ متغاضين عن حقيقة أن العديد من هؤلاء اللاجئين أنفسهم كانوا هاربين من تلك الجماعات. ووجدت دراسة أصدرها مركز بيو للأبحاث في شهر يوليو أنه في ثمانية من أصل 10 دول أوروبية شملها المسح، كان نصف السكان أو أكثر يعتقدون أن اللاجئين القادمين يزيدون من احتمالات وقوع هجمات إرهابية في بلادهم.

وتنبع العديد من الادعاءات حول تسلل متطرفين ضمن تدفق اللاجئين إلى أوروبا من الهجمات الإرهابية التي استهدفت باريس في نوفمبر 2015 واكتشاف جوازات سفر سورية قرب جثتي اثنين من الجناة. وقد ثبت أن واحداً على الأقل من جوازات السفر كان مزوراً، وتبين أن منفذي هجمات باريس كانوا ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين الذين نشؤوا في فرنسا أو بلجيكا ثم قضوا وقتاً في سوريا بعد انضمامهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية. لكن تلك الهجمات كشفت عن مخاوف حقيقية إزاء عدم وجود فحص أمني في الجزر اليونانية عندما بلغت معدلات وصول اللاجئين الوافدين ذروتها عام 2015. وقد تم التصدي لتلك المخاوف إلى حد كبير من خلال تطبيق إجراءات فحص جديدة ومراقبة الحدود وبناء الأسوار على طول طرق الهجرة الرئيسية عبر أوروبا، ولكن احتمال تسرب عدد صغير من الإرهابيين المحتملين إلى أوروبا وتسجيلهم كطالبي لجوء في عام 2015 لا يمكن إغفاله. وفي شهر سبتمبر، اعتقلت السلطات الألمانية ثلاثة رجال سوريين شقوا طريقهم إلى ألمانيا في العام الماضي، للاشتباه في كونهم جزءاً من خلية نائمة. كما أُلقي القبض على سوري آخر في لايبزيغ يشتبه في انتمائه لجماعة إرهابية، بزعم تبنيه فكر متطرف بعد وصوله إلى ألمانيا، وذلك بعد أن تعرف عليه ثلاثة سوريين آخرين وقيدوه ثم استدعوا الشرطة.

وعلى الرغم من ظهور مثل هذه الحالات، فقد قام بتنفيذ الغالبية العظمى من أعمال الإرهاب في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية متطرفون "محليون"، اعتنقوا الفكر المتطرف عبر شبكة الإنترنت أو خلال رحلات إلى الخارج. ويشير الخبراء إلى أن استخدام الإرهاب كمبرر لزيادة ضوابط الهجرة يزيد من مشاعر الاغتراب داخل مجتمعات المهاجرين ويؤجج كراهية الأجانب تجاههم، وهي حلقة مفرغة من المرجح أن تخلق المزيد من المتطرفين المحليين من دون أن يكون لها أي تأثير على العدد القليل المؤكد من المتطرفين العنيفين الذين يتسللون إلى الدول متنكرين في صورة لاجئين.

كما أن الادعاء الذي أطلقه دونالد ترامب بأن اللاجئين السوريين سيصبحون بمثابة حصان طروادة يعد أقل واقعية في السياق الأمريكي لأن السبيل الوحيد لدخول الولايات المتحدة بالنسبة لمعظم اللاجئين هو عن طريق برامج إعادة توطين اللاجئين الرسمية. وخلافاً لاقتراح ترامب أن فحص هؤلاء اللاجئين غير كاف، فإنه دقيق للغاية ويشمل عمليات تدقيق أمني تضطلع بها وكالات مختلفة ويمكن أن تستغرق عامين. وكشف تحليل أجرته كاثلين نيولاند من معهد سياسة الهجرة في أكتوبر 2015 أن من بين 784,000 لاجئ أعيد توطينهم في الولايات المتحدة منذ عام 2001، تم اعتقال ثلاثة فقط بتهمة التخطيط لأنشطة متطرفة (اثنان لم يخططا لشن هجوم في الولايات المتحدة، ولم تكن خطط الثالث "تحظى بمصداقية تذكر").

وخلصت نيولاند إلى أنه "من بين السبل التي قد يختارها أحد الإرهابيين، برنامج إعادة توطين اللاجئين هو الأقل ترجيحاً".

سرد "الأزمة"

كانت القوارب المكتظة بالمهاجرين وطالبي اللجوء تعبر طريق وسط البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا بمعدل ثابت لأكثر من سنة عندما ازداد الإقبال على طريق شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بين تركيا والجزر اليونانية في منتصف عام 2015، وسرعان ما تفوق على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط من حيث العدد. وفي هذا الوقت، بدأنا نتحدث عن أزمة اللاجئين أو الهجرة، وأصبح هذا المصطلح مترادفاً مع صور الأسر السورية التي تترنح على الشواطئ اليونانية وطوابير المهاجرين واللاجئين الذين يسيرون على الأقدام عبر منطقة البلقان. تحب وسائل الإعلام لأزمات وكانت هذه أزمة تستطيع وكالات الأنباء الأوروبية أن تغطيها بسهولة عن طريق إرسال صحافي واحد إلى جزيرة ليسفوس أو بودابست أو ميونيخ.

ولكن المهاجرين واللاجئين الوافدين في عام 2015 كانوا يشكلون أزمة فقط بالنسبة إلى ما كانت أوروبا قد شهدته من قبل ودرجة عدم استعدادها لتقبل ما هو آت. لقد استوعبت دول مثل تركيا والأردن ولبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين لعدة سنوات، ولذلك فإنها بالتأكيد لم تنظر إلى مأزق أوروبا على أنه يرقى إلى مرتبة الأزمة. وساد هذا الشعور أيضاً في بلدان أفريقية مثل أوغندا وإثيوبيا وتشاد، التي تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين منذ سنوات عديدة.

وساعد سرد الأزمة الأحزاب السياسية الشعبوية اليمينية على دفع جدول أعمال مكافحة الهجرة الخاص بهم (ما عليكم إلا أن تنظروا إلى ملصق حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيء السمعة الذي عرضه نايجل فاراج، والذي يبين حشوداً من طالبي اللجوء على طريق البلقان)، لكنه دفع استجابات سياسة الاتحاد الأوروبي أيضاً. إن العوامل التي تدفع اللاجئين والمهاجرين إلى الذهاب إلى أوروبا معقدة وطويلة الأجل وليست لها بداية أو نهاية واضحة. وكثيراً ما يؤدي تعريف هذه الظاهرة بأنها أزمة إلى سياسات قصيرة المدى وقصيرة النظر، مثل اتفاق الاتحاد الأوروبي المثير للجدل مع تركيا.

مساعدات التنمية تسارع للإنقاذ

في العام الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي عن العديد من المبادرات الجديدة التي تقدم كميات كبيرة من المساعدات التنموية لدول المنشأ الكبرى بهدف وقف الهجرة. وبحسب هذا المنطق، فإن تلك المساعدات تحفز التنمية الاقتصادية، وتخلق فرص عمل جديدة وتحد من حاجة الناس إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.

وقد أكد خبراء  الهجرة والاقتصاد منذ عدة سنوات أن هذا النهج يتعارض مع كل الأدلة التي تشير إلى أن التنمية عادة ما تحفز الهجرة، بدلاً من الحد منها لأن عدداً أكبر من الناس يمتلكون الموارد (والتطلعات) اللازمة لتمويل الرحلة إلى أوروبا أو أي مكان آخر.

مع ذلك، فقد استمر الاتحاد الأوروبي في إنشاء الصندوق الاستئماني للطوارئ من أجل أفريقيا، الذي تم الإعلان عنه في نوفمبر الماضي، بميزانية تبلغ عدة مليارات يورو، وكذلك إطار الشراكة مع بلدان ثالثة الذي تم تدشينه في شهر يونيو من هذا العام. وربما أدرك أن المساعدات التنموية وحدها لن تحقق أهداف الهجرة الخاصة به، ولذلك فإن إطار الشراكة ينطوي على أكثر من سياسة الجزرة والعصا، حيث يتم تقديم حزم من صفقات مساعدات التنمية والتجارة بشرط تعاون البلدان في تنفيذ المزيد من ضوابط الهجرة.

المهاجرون واللاجئون يشكلون عبئاً على الاقتصاد

قد يكون هذا هو الادعاء الأعظم في مرحلة ما بعد الحقيقة، وهو الادعاء الذي استغله دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ودونالد ترامب بفعالية شديدة.

إن مزاعم الصحافة اليمينية الصفراء والسياسيين المحافظين في المملكة المتحدة بأن المهاجرين يأتون إلى البلاد في المقام الأول للاستفادة من الخدمات الاجتماعية (المعروفة باسم "سياحة الفائدة") ليس لها أساس من الصحة على أرض الواقع. في العديد من البلدان، لا يحصل المهاجرون - وخاصة المهاجرون غير الشرعيين - على خدمات اجتماعية. وحتى عندما يمكنهم الوصول إلى نظام الرعاية الاجتماعية، فإنهم أقل احتمالاً للقيام بذلك من السكان المحليين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن نسبة كبيرة منهم من الشباب الأقل احتياجاً إلى الخدمات الصحية والتعليمية. وقد وجدت دراسة أجرتها جامعة كوليدج في لندن أن الضرائب التي يدفعها المهاجرون في المملكة المتحدة أكبر بشكل ملحوظ من المنافع الاجتماعية التي يحصلون عليها.

هل هذان هما مهندسا حقبة ما بعد الحقيقة؟

إن آثار الهجرة على أسواق العمل أكثر تعقيداً وتنوعاً. ففي البلدان المتقدمة، وخصوصاً خلال فترات النمو الاقتصادي، غالباً ما يشغل العمال المهاجرون وظائف تتطلب مهارات متدنية ومنخفضة الأجر لأن المواطنين ليسوا على استعداد للقيام بها. وعلى الرغم من أن المنافسة على هذه الوظائف قد تصبح أكثر شراسة خلال فترات الانكماش الاقتصادي، إلا أن الهجرة يمكن أيضاً أن تخلق فرص عمل من خلال تحفيز النمو الاقتصادي، ولأن الشركات التي يديرها المهاجرون غالباً ما توظف السكان المحليين. وهناك علاقة متبادلة قوية بين معدلات الهجرة ومعدلات النمو الاقتصادي: عندما يتباطأ النمو وفرص العمل، تتباطأ الهجرة.

ويعتمد تأثير اللاجئين وطالبي اللجوء على أسواق العمل والإنفاق العام إلى درجة كبيرة على سياسات البلد المضيف - طول فترة انتظارهم حتى يتمكنوا من العمل بشكل قانوني، البرامج اللغوية والتدريب المتاح لتيسير الإدماج وقابلية التوظيف، ومدى الدعم الذي يتلقونه في شكل علاوات وإسكان. وقد وجدت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاستثمار المسبق في مساعدة اللاجئين على الاندماج من المرجح أن تكون له فوائد على المدى الطويل عندما يدخل اللاجئون إلى سوق العمل في نهاية المطاف ويبدؤون في المساهمة بشكل إيجابي في الاقتصاد.

(الصورة الرئيسية: مهاجرون وطالبو لجوء يصطفون في ميناء ميتيليني على الجزيرة اليونانية ليسفوس في انتظار الحصول على موافقة الشرطة. لويزا غولياماكي/إيرين).

ks/ag-ais/dvh