الأجندة الإنسانية للرئيس ترامب

 

لم تحظ قضايا السياسة الخارجية والتنمية والمساعدات الإنسانية بتغطية قوية في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. مع ذلك، سوف تكون هذه الملفات حاضرة على مكتب دونالد ترامب عندما يتسلم منصبه بشكل رسمي في شهر يناير. ولذلك دعونا نستعرض بعضاً من القضايا الأكثر إلحاحاً في هذا المجال:

سوريا والعراق واليمن

كانت البيانات التي أصدرها ترامب بشأن الشرق الأوسط مزيجاً من الانعزالية ووعوداً بسحق ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، مما يجعل ما ينوي القيام به غير واضح.

ويرى الرئيس المنتخب أن تعميق الانخراط في الحرب السورية سوف يتسبب في نشوب "حرب عالمية ثالثة" ويدخل الولايات المتحدة في صراع مباشر مع حلفاء بشار الأسد - إيران وروسيا. مع ذلك، قال ترامب أن "أول شيء يتعين علينا القيام به هو التخلص من [تنظيم الدولة الإسلامية] قبل أن نبدأ التفكير في سوريا". ولذلك من غير الواضح ما الذي يريد ترامب فعله إزاء سوريا والعراق، حيث تجري حالياً المعركة لتحرير مدينة الموصل، لاسيما أن الرئيس المقبل قال أن خططه لمكافحة التنظيم أمر سري. ويأتي هذا في الوقت الذي تقدم فيه البيانات المنشورة على موقعه على الإنترنت وعوداً بالعمل مع الحلفاء والأصدقاء العرب في الشرق الأوسط لهزيمة التنظيم و"مواصلة العمليات العسكرية المشتركة القوية لسحقه وتدميره".

ولم يتحدث أي من المرشحين عن الحرب الرئيسية الثالثة والكارثة الإنسانية في الشرق الأوسط – اليمن – فيما قال البيت الأبيض أنه يعيد تقييم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للحملة الجوية للتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين. وعلى الرغم من أن ترامب أصدر تعليقات توحي بأنه يشعر بالقلق إزاء النفوذ الإيراني في المنطقة ودعم إيران للحوثيين، إلا أنه في ظل التصريحات المربكة مثل هذا، لا أحد يعرف على وجه اليقين ما هي الخطوات الذي ينوي ترامب القيام بها.

الحرب في أفغانستان

سيرث ترامب أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها، الحرب في أفغانستان. من المعروف أن الولايات المتحدة غزت أفغانستان في عام 2001 ودعمت القوى المحلية بغية الإطاحة بحركة طالبان، ومازالت تحتفظ بحوالي 10,000 جندي هناك. وعلى الرغم من أن الرئيس أوباما قد وعد بإنهاء الحرب، إلا أن القوات الحكومية الأفغانية لا تستطيع بمفردها صد الهجمات التي تشنها حركة طالبان والجماعات المسلحة الأخرى، وكثيراً ما ظهرت هشاشة الحكومة إلى حد الانهيار تقريباً.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 113 مليار دولار على المساعدة في إعادة الإعمار في أفغانستان على مدى الـ15 عاماً الماضية. ويشمل ذلك تمويل بناء الجيش الأفغاني، لكنه لا يشمل تكلفة البعثة العسكرية للولايات المتحدة، الذي ستقفز بالفاتورة إلى قرابة التريليون دولار. وعلى الرغم من كل هذه الأموال الأمريكية التي أنفقت والأرواح التي أزهقت، لم تركز الحملة الانتخابية الرئاسية على أفغانستان كثيراً.

ولم يطرح أياً من المرشحين خطة لأفغانستان. وقد يُعزا هذا الأمر إلى أنه ليس لدى السياسيين الأمريكيين فعلياً رؤية حول كيفية إخراج بلدهم مما بات يشبه وبشكل متزايد مستنقعاً وفرصاً ضعيفة للانتصار. ويأتي هذا بعد أن أخفقت استراتيجية أوباما، التي تمثلت في زيادة عدد القوات الأمريكية لقمع التمرد، يعقبها الانسحاب التدريجي ومن ثم ترك حكومة قادرة على الوقوف بمفردها. فهل بوسع ترامب أن يفعل أفضل من سلفه؟

تغير المناخ

من الصعب النظر إلى انتخاب ترامب سوى أنه أمر سيء بالنسبة لقضايا البيئة، إذ يقول رئيس الولايات المتحدة المنتخب في القسم المتعلق بقطاع "الطاقة" على موقعه على الإنترنت، أنه يعتزم "جعل قطاع الطاقة الأمريكية مستقلاً". وسيفعل ذلك بشكل رئيسي من خلال فتح حقول جديدة للفحم والنفط، وهي استراتيجية تبدو متعارضة مع هدفه الرامي إلى "الحفاظ على هواء نقي ومياه نظيفة".

وإضافة إلى ذلك، تعهد ترامب "بفتح مخزونات الطاقة المستمدة من النفط والغاز الصخري" التي يمكن أن توفر إمكانية للوصول إلى المزيد من النفط والغاز الطبيعي من خلال تقنية تُعرف باسم " التصديع المائي". وتنطوي هذه التقنية الجديدة نسبياً على الحفر في الصخور، وحقن الماء والرمل، والمواد الكيميائية لدفع الغاز أو النفط الموجود في الداخل إلى الخارج. وتستخدم تقنية التصديع المائي على نطاق واسع في أمريكا الشمالية، حيث وفرّت وظائف وخفضت الاعتماد على واردات النفط الأجنبية. ولكن دعاة حماية البيئة يشيرون إلى مجموعة من المشكلات بما في ذلك: استخدام كميات هائلة من المياه التي غالباً ما يتم نقلها من أماكن أخرى، ومخاطر التلوث إذا ما تسببت المواد الكيميائية في تلويث مصادر المياه الجوفية، ووجود صلة محتملة بالزلازل. كما يساور النقاد القلق من أن زيادة الاستثمارات في مصادر الطاقة التقليدية من شأنه أن يخصم من رصيد الاستثمارات في تطوير الطاقة المتجددة.

ولا يذكر ترامب تغير المناخ على موقعه على الإنترنت. وفي الواقع، وعد ترامب خلال حملته الانتخابية أنه سينسحب من "اتفاقية باريس" المعنية بتغير المناخ. وتجدر الإشارة إلى أن الجولة القادمة من محادثات تغير المناخ تبدأ يوم الاثنين في المغرب ولكن العملية ربما تفتقر الآن إلى الدعم من الزعيم الأكثر نفوذاً في العالم.

اللاجئون والهجرة

لعل أكبر مجال تتجلى فيه التناقضات الصارخة بين ترامب وكلينتون هو ما يتعلق بالهجرة واللاجئين. ففي حين أن كلينتون قد تعهدت بدفع الإصلاحات التدريجية للهجرة التي من شأنها أن توجد مساراً لحصول قرابة 11 مليون من المهاجرين الذين لا يحملون وثائق على الجنسية في أمريكا، تعهد ترامب بأن يقوم على الفور بإنهاء الأوامر التنفيذية التي أصدرها أوباما التي تمنح عفواً للمهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة كأطفال وللآباء والأمهات الذين لديهم أبناء يحملون الجنسية الأمريكية.

وسوف يتوقع أنصار ترامب أن يفي بالوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية المتمثلة في تسريع اعتقال وترحيل المهاجرين الذين لا يحملون وثائق، والحد من الهجرة القانونية (على الرغم من أنهم قد يضطرون إلى القبول بأن وعد ترامب بتشييد جدار على طول الحدود مع المكسيك قد يصبح إلى حد كبير شئياً رمزياً).

وخلال حملته الانتخابية، علق ترامب على هجمات المتطرفين في سان برناردينو وأورلاندو بالدعوة إلى منع جميع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. غير أن مسؤولي الهجرة والأمن قالوا أن تنفيذ حظر على أساس الانتماء الديني سيكون أمراً مستحيلاً من الناحية العملية نظراً لأن معظم البلدان لا تحدد ديانة الفرد في جوازات سفرهم. ولكن كرئيس، سيكون لدى ترامب سلطة تحديد عدد اللاجئين الذين يمكن قبولهم لإعادة التوطين من مختلف المناطق. وقد أوضح مؤخراً، في يوم الاثنين تحديداً، أنه إذا تم انتخابه رئيساً للبلاد، فسوف يوقف عملية إعادة توطين اللاجئين السوريين بسبب المخاوف الأمنية. في مقابل ذلك، دعا إلى إعادة توطين اللاجئين في "منطقة آمنة في بلدهم الأصلي".

وحتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، (حيث ساهمت بنسبة 40 بالمائة من ميزانيتها في عام 2015). وبالنظر إلى شكوك ترامب المعلنة تجاه المؤسسات المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، من غير الواضح ما إذا كان سيستمر هذا المستوى من الدعم أو كيف ستكون مشاركة الولايات المتحدة في المفاوضات الخاصة بالاتفاقات العالمية المعنية بالهجرة واللاجئين التي انطلقت في مؤتمر القمة الذي عقد في شهر سبتمبر في نيويورك.

المساعدات الأجنبية

وهكذا، فإن نتيجة الانتخابات الأمريكية ستصيب هؤلاء الذين يتطلعون إلى إمكانية توسيع نطاق المساعدات الخارجية الأمريكية تحت رئاسة كلينتون بخيبة أمل. فخلال حملته الانتخابية، شدد ترامب مراراً على أهمية إعادة بناء البنية التحتية في الداخل قبل مساعدة الآخرين في الخارج، محتجاً في شهر يونيو أنه يجب على الولايات المتحدة أن "توقف إرسال المساعدات الخارجية للبلدان التي تحض على كراهيتنا". ومن ثم، أصبح من المستبعد جداً حدوث زيادة في ميزانية المعونة الخارجية، بينما أضحت التخفيضات الآن احتمالاً واضحاً، لاسيما في ظل احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس. كما أن كراهية ترامب لصفقات التجارة قد تهدد أيضاً اتفاقيات مهمة مثل قانون النمو والفرص لأفريقيا، الذي يعتبر بمثابة طوق نجاة، معفى من الضرائب، لتحريك وتحفيز الأعمال التجارية في القارة.

التطرف

إحدى أكثر الأمور المجهولة بالنسبة للمحللين الأمنيين هي ما إذا كان ترامب، عندما يتولى منصب الرئاسة في شهر يناير، سيواصل تعزيز بعض من أكثر المواقف المتشددة وربما الخطرة التي تبناها خلال الحملة الانتخابية: من منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة ، ودعمه للتعذيب (حيث قال "أنا أحب ذلك جداً. لا أعتقد أنها قوية بما يكفي"- في تعليقه على أساليب محاكاة الغرق)، إلى الإبقاء على معسكر غوانتانامو مفتوحاً. جميع المواقف المذكورة أعلاه تساعد المجموعات المتطرفة، من تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى بوكو حرام إلى حركة الشباب، في تطوير الدعاية التي تجلب المزيد من المجندين لها، وتعميق الصراعات والأزمات الإنسانية من شمال نيجيريا إلى شمال العراق.

as-ag-ks-jf/bp-ais/dvh

(الصورة الرئيسية: مخيم الزعتري للاجئين السوريين في شمال الأردن. تصوير: هبة علي/إيرين)