هل سيقود إعصار ماثيو لإعادة صياغة علاقات المعونة في هايتي؟

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

هزّ الزلزال الكارثي الذي ضرب هايتي في يناير 2010 العالم وحشد استجابة دولية واسعة النطاق. والآن، وبعد مرور أكثر من أسبوعين فقط على إعصار ماثيو، الذي خلّف وراءه دماراً هائلاً عبر جنوب غرب البلاد، يبدو أن العالم قد بدأ يلتفت إلى أمور أخرى، على الرغم من التحذيرات حول التأثيرات الشديدة للكارثة.

والجدير بالذكر أن عدد قتلى الإعصار وصل إلى قرابة 546 شخصاً، فيما تتسبب تلوث مصادر المياه وخدمات الرعاية الصحية المدمرة في سرعة انتشار الكوليرا، ناهيك عن أن العاصفة أهلكت الماشية وقضت على المحاصيل في العديد من المناطق التي كان يستعد فيها مزارعو الكفاف لحصد محاصيلهم.

وفي هذا الصدد، قال كونور شابيرو، المدير التنفيذي لمؤسسة سانت بونيفاس هايتي، التي تقدم خدمات الرعاية الصحية المجتمعية وتدير مستشفى في جنوب هايتي أن "عدد القتلى من جرّاء الزلزال كان فظيعاً والإصابات كانت أسوأ بكثير، ولكن من حيث الآثار الدائمة، أعتقد أن كثيراً من الناس يتفقون على أنها قد تكون أسوأ من الزلزال ذاته".

وأضاف: "هل سينظر المجتمع الدولي لهذا الزلزال على أنه كارثة ضخمة كما هي بالفعل؟".

جلب الزلزال مساعدات تقدر قيمتها بحوالي 9 مليارات دولار. ولكن لا يخفى على أحد أن النتائج لا تواكب حجم هذه الاستجابة حتى الآن. وربما يُعزا هذا الأمر إلى أن هناك نقصاً في التنسيق بين المئات من المنظمات غير الحكومية الدولية التي توافدت إلى الدولة في أعقاب الكارثة، والأهم من ذلك غياب التنسيق مع الحكومة والمنظمات غير الحكومية المحلية في هايتي. إضافة إلى ذلك، كان التشاور مع المتضررين من الزلزال عند حده الأدنى، مما عرقل جهود الإغاثة وخلق حالة دائمة من انعدام الثقة تجاه العاملين في مجال المعونة الخارجية. وقد أخفقت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في معالجة المياه الصرف، مما أدى إلى تفشي وباء الكوليرا الذي أودى بحياة مالا يقل عن 10,000 شخص.

الجهوزية للكوارث المستقبلية

وتقول اميلي تروتمان، وهي صحفية حرة عملت في بورت أو برنس في الفترة من عام 2010 إلى 2012، وتقوم الآن بتحرير مدونة خاصة بها بعنوان Aid.Works أن 3.5 بالمائة فقط من المعونة التي تدفقت على هايتي في السنوات الثلاث التي أعقبت وقوع الزلزال، ذهبت لإعداد الدولة لمواجهة الكوارث المماثلة.

وفي السنوات الأخيرة، تضاءل الدعم المقدم من المانحين لهايتي، رغم استمرار الاحتياجات: من الكوليرا إلى الجفاف إلى مساعدة السكان الذين نزحوا من جرّاء الزلزال، حسبما قال إنزو دي تارانتو، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في هايتي. وأشار دي تارانتو إلى أنه لم يتم تمويل سوى 32 بالمائة فقط من خطة الاستجابة الإنسانية لهاييتي لعام 2016 وأن التأهب للكوارث هو أحد المكونات الأكثر نقصاً للتمويل، إضافة إلى المشاريع الرامية إلى تعزيز قدرات الحكومة. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لم تكن هناك بنية متينة للتأهب للكوارث التي كنا نعلم أنها قادمة".

ولم يكن لدى الحكومة خطة طوارئ. ونفذت إدارة الحماية المدنية بالتعاون مع الوكالات الإنسانية عمليات الإجلاء في كثير من القرى الساحلية والجزر الصغيرة التي قال عنها دي تارانتو أنها "أنقذت الكثير من الأرواح".

وقامت الحكومة والمنظمات غير الحكومية المحلية بإذاعة بيانات للجمهور، حذرت فيها السكان المحليين من الإعصار. وقالت مارلين لوني، المدير التنفيذي لمؤسسة الصحة الهايتية، التي يوجد مقرها في منطقة جيريمي، الأكثر تضرراً من الإعصار، أن الكثير من السكان لم يأخذوا تلك التحذيرات مأخذ الجد. وتقول أنه حتى لو أنهم فعلوا ذلك "لست متأكدة ما الذي كان بوسعهم أن يفعلوه". فلم يكن في المنطقة سوى عدد قليل من المباني التي تصمد في مواجهة الإعصار من الفئة الرابعة.

باهاري خوداباندي/إيرين
مدير مدرسة، يجلس وسط ركام أحد الفصول، في مدرسته التي كانت تستوعب 253 طالباً، ولكن الإعصار دمرها تماماً.

وتعليقاً على ذلك، قال شابريو: "أين يمكن للمرء الذهاب إذا كانت البنية الأساسية ضعيفة؟ كانت هناك بعض الملاجئ لكنها لم تكن كافية".

وعلى الرغم من أن برنامج الأغذية العالمي قد خزّن أغذية تكفي لإطعام 300,000 شخص قبيل موسم الأعاصير بثلاثة أشهر، إلا أنه تم تخزين معظم هذه المساعدات في العاصمة بورت أو برنس. ونظراً لصعوبة نقل الإمدادات على طول الطرق المدمرة إلى المجتمعات النائية في الجنوب، لم يستطع برنامج الأغذية العالمي حتى 18 أكتوبر سوى الوصول إلى 77,000 شخص فقط من إجمالي 806,000 شخص الذين يحتاجون إلى المعونة الغذائية بشكل عاجل.

وفي الأسبوع الماضي، وصل الإحباط إزاء البطء في إيصال المعونة إلى منتهاه. وتعرضت عدد من شاحنات المعونة للهجوم وتعرضت نقطة توزيع الأغذية في تشامبيلون إلى إطلاق النار، حسبما أفادت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في هايتي.   

ومن الواضح أنه تم استخلاص الدروس من الفوضى التي أعقبت الزلزال، إذ تبدو وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية أكثر دراية بأهمية تقديم المساعدات عبر المؤسسات الحكومية، ولكن الإعصار ضرب البلاد قبيل الانتخابات الرئاسية التي تم تأجيلها، مما ترك التعافي الفوري للدولة في أيدي حكومة مؤقتة وهشة.

وتعليقاً على ذلك، قال دي تارانتو "هناك إرادة لدى اللاعبين الرئيسيين لتمكين السلطات الوطنية حتى تستطيع التوقف عن الاعتماد على الشركاء الخارجيين، ولكن هذا صعب بعض الشيء لأنه لا يمكنها القيام بذلك إلا إذا كانت لديها القدرة بالأساس".

نحو علاقة جديدة

ويرى بعض المراقبين مثل جوناثان كاتز، الكاتب والمراسل السابق في هايتي، أن تدخل المنظمات غير الحكومية الأجنبية هو الذي ساهم في إضعاف المؤسسات والحكومة في هايتي وأنها يجب أن تتحرك الآن نحو إقامة شراكات محلية طويلة الأجل وتمكين الهايتيين من قيادة عملية التعافي بأنفسهم.

وكشف البحث الذي أجراه مارك شولر، الأستاذ المساعد في جامعة نورثرن إلينوي ومؤلف كتاب "التداعيات الإنسانية في هايتي"، في ثمانية مخيمات، لا يزال يعيش فيها الأشخاص الذين نزحوا بسبب الزلزال، أن أقل من خمسة بالمائة من الذين جرى استطلاع رأيهم يعرفون الأسباب التي تدفع المنظمات غير الحكومية الدولية إلى توجيه المعونات إلى بعض المناطق. 

وتوضيحاً لذلك، قال شولر لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يجب صياغة علاقة جديدة في عملية صنع القرار ويجب أن تكون علنية، وليس إلى جهات مانحة محتملة فقط، بل إلى السكان الذين يعيشون على أرض الواقع لأن المستفيدين ليس لديهم أي فكرة عن الأسباب التي تدفع المنظمات غير الحكومية الدولية لاتخاذ القرارات التي تتخذها".

ولا تصدر الدعوات التي تنادي بمزيد من الشراكة من المراقبين الخارجيين فقط، فقد حذر بيان صادر عن الحركة الشعبية الديمقراطية، إحدى منظمات المجتمع المدني في هايتي، عقب أيام من الإعصار، من أنه يتعين على الحكومة "ألا تتسامح أو تسمح لأي منظمة دولية، أو متعددة الأطراف أو ثنائية أو غير حكومية، بتخطي سلطة الدولة أو المنظمات المحلية في التنسيق والإدارة في المكان الذي تعمل فيه".

من ناحية أخرى، أصدرت السفارة الهايتية في واشنطن العاصمة، قائمة "أفضل الممارسات لجهود الإغاثة من الكوارث في هايتي" تحث الراغبين في تقديم المساعدة على "العمل تحت إشراف مسؤولي الحكومة المحلية و/أو مع المنظمات التي... لديها بالفعل نظم فاعلة على الأرض".

وفي السياق ذاته، قال شولر أنه يجب التعامل مع الشعب الهاييتي "ليس على أنهم ناجون أو ضحايا بل كخبراء وقادة أيضاً، ذلك أنهم هم أفضل من يعرف إلى أين يجب أن توجه المساعدات، ويجب أن يكونوا موضع ثقة لاتخاذ القرارات ... لكن في الوقت الحاضر هناك حاجة ماسة للموارد، ولذا ينبغي علينا توفيرها".

وحتى الآن، لم يجمع النداء العاجل الذي أطلقه القطاع الإنساني في هايتي بالتعاون مع الحكومة، سوى مبلغ 26.5 مليون دولار فقط من أصل 119.8 مليون دولار التي تحتاجها خطة الاستجابة الطارئة.

وختاماً، قال شولر "ما نسمعه حالياً هو أن الناس لا يطلبون أن يتم وضعهم في مخيمات في حالة تبعية...إنهم لا يريدون ملاجئ مؤقتة، بل يريدون إعادة الإعمار باستخدام مهاراتهم".

 (الصورة الرئيسية: امرأة عند مدخل يختصر ما تبقى من منزلها في منطقة ليز كايز. ولدى هذه المرأة خمسة أطفال وليس لديها الموارد لإعادة تشييده. باهاري خوداباندي/إيرين)

ks/bp-kab/dvh