خطة "المنطقة العازلة" لقرابة 70,000 لاجئ سوري تقطعت بهم السبل

تحقيق لشبكة الأنباء الإنسانية يكشف تفاصيل حل وسط لاستئناف توزيع المعونة ولكن بعيداً عن الحدود الأردنية

نظراً لمنعهم من دخول الأردن، يقيم قرابة 70,000 سوري في مخيمات تقع قرب معبر حدودي يعرف باسم الركبان، وهو أحد موقعين يعيش فيهما اللاجئون وملتمسو اللجوء الذين تقطعت بهم السبل، محاصرين في منطقة منزوعة السلاح على بضعة كيلومترات، رسمت بحواجز رملية، تفصل بين الحدود السورية الأردنية.

بدأ السوريون يصلون إلى هذه المنطقة النائية، التي تعصف بها الرياح الصحراوية في يوليو 2014. ومع رفض الأردن دخول أغلبيتهم، تمدد المخيم حتى أصبح موطناً لمزيج من المهربين والجماعات المتمردة والمتطرفين المسلحين، فضلاً عن القوات الأردنية والأجنبية المتحالفة التي تنشط في المنطقة.

العملية الانتحارية التي تبناها ما يعرف باسم تنظيم الدولة الإسلامية، وأسفرت عن مقتل سبعة من أفراد الأمن الأردنيين في قاعدة الركبان العسكرية في 21 يونيو، دفعت الأردن إلى تشديد الإجراءات الأمنية. وتسبت ذلك في تخفيض المعونة إلى لا شيء تقريباً، وظلت الأمم المتحدة والجهات المانحة لأسابيع تبحث للتوصل إلى عقد اتفاق. حصلت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بشكل حصري على خطة الركبان، التي صاغتها الأمم المتحدة بالتشاور مع الجيش الأردني، والتي يوجد نصها في شكل اتفاق مؤقت، وتقدم في ما يلي المزيد من المعلومات عنها من إحاطات الدبلوماسيين والمسؤولين عن تقديم المعونة.

لمحة موجزة:

  • إيصال المعونة إلى اللاجئين ولكن بموجب ظروف جديدة.
  • من المتوقع أن تمول الجهات المانحة حزمة من التدابير الإنسانية بمبلغ 39 مليون دولار، فضلاً عن تقديم دعم أمني إضافي للأردن.
  • لن تسمح الحزمة بدخول مزيد من اللاجئين إلى الأردن.
  • يتم نقل نقطة توزيع المعونة الجديدة إلى منطقة أعمق في المنطقة المنزوعة السلاح، ربما داخل سوريا فقط، على أمل أن ينتقل النازحون السوريون إلى شمال غرب موقعهم الحالي.
  • تقوم دوريات من حراس الأمن السوريين المدربين في الأردن بتأمين نقطة التوزيع الجديدة، مع وجود سياج وتدابير أخرى بهدف احتواء الحركة.
  • لا تشمل الخطة 7,000 سوري آخرين في الحدلات، وهي نقطة عبور تقع على بعد 90 كيلومتراً إلى الغرب.
  • تظهر صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها منظمة غير حكومية أعمال حفر جديدة في المنطقة المنزوعة السلاح.

يأتي هذا الاتفاق، الذي تمت الموافقة عليه من حيث المبدأ من قبل الأمم المتحدة ولكن لم يتم قبوله رسمياً من قبل رئيس الأركان الجديد للقوات المسلحة الأردنية، اللواء محمود فريحات، بعد ثلاثة أشهر ونصف من تسلل المهاجم إلى الأردن من خلال منطقة التوزيع وتفجير سيارته، ومن ثم تعليق معظم المساعدات.

وتجدر الإشارة إلى أن إمدادات المساعدات إلى منطقة الحاجز الرملي لا تزال متقطعة في أفضل الأحوال. فمنذ وقوع الهجوم، لم يتم توفير سوى قدر ضئيل من المياه - أقل بكثير من الحد الأدنى من المعايير – وإسقاط دفعة واحدة من الغذاء بواسطة رافعة.

الأمن

والأمن هو الشغل الشاغل بالنسبة للأردن، حليف الولايات المتحدة والحصن السلمي ضد التطرف في المنطقة. وبالتالي فإن السهولة التي تمكن بها المسلح من دخول البلاد من بين المدنيين إلى الحاجز الرملي وتنفيذ العملية الانتحارية أثارت فزع السلطات الأردنية.

وتعليقاً على هذه العملية، قال العميد محمد المواجدة، مدير الشؤون العسكرية -المدنية في القوات المسلحة الأردنية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "جاءت السيارة من مخيم الركبان، وفي أقل من دقيقتين، نفذوا عمليتهم". وشدد على أن الأردن يحتاج مزيداً من الوقت للاستجابة إلى التهديدات المحتملة.

وقال دبلوماسيون حضروا المفاوضات أنه عقب الهجوم الذي وقع في شهر يونيو، كانت هناك بعض المقترحات التي تشمل نقل السوريين خلف الحاجز الرملي الشمالي، إلى داخل سوريا. لكن المنظمات الإنسانية اعترضت على احتمال إرغام اللاجئين على العودة إلى مناطقهم الأصلية، بالقرب من مناطق المعارك المشتعلة. وكان هذا سيتعارض مع القانون الدولي الإنساني ومبدأ ما يعرف بعدم الإعادة القسرية، الذي يحظر النقل القسري للاجئين إلى مواطن الاضطهاد.

بيتر بيرو/إيكو
طفل سوري يعيش في مخيم الركبان في الحاجز الرملي على الحدود بين سوريا والأردن
وفي نهاية المطاف تم التوصل إلى حل وسط يقضي بنقل نقطة توزيع المساعدات الرئيسية داخل منطقة الحاجز الرملي ولكنها ستصبح أقرب إلى الحرب السورية. يقع الموقع الجديد على بعد نحو 7 كيلومترات شمال غرب نقطة التوزيع الحالية، وعلى بعد قرابة 9 كيلومترات من القاعدة العسكرية التي تتمركز فيها القوات الأردنية وقوات التحالف. ويأمل مسؤولو الأمم المتحدة في حدوث ما أُشير إليه في الاجتماعات بأنه "حركة تلقائية من اللاجئين إلى نقطة توزيع جديدة".

وأضاف المواجدة أن هذا من شأنه أن يقدم ما يحتاجه الأردن: "تحرك هؤلاء الناس إلى الشمال سوف يعطينا الوقت الكافي للاستجابة. كما أن الموقع الجديد سيعطينا مساحة مفتوحة لمراقبة الحركة نحو حدودنا وتقييم أي تحرك غريب، سواء كان ذلك ودياً أو غير ذلك".

من ناحية أخرى، وصفت خيرونيسا دهالا، الباحثة في شؤون اللاجئين في منظمة العفو الدولية استئناف المساعدات بأنها "موضع ترحيب"، ولكنها حذرت من إجبار السوريين على الانتقال:

"يجب أن تتوافق أي جهود تقوم بها الأمم المتحدة والأردن لتقديم المساعدات مع المعايير الدولية، وتضمن عدم إجبار اللاجئين الموجودين في منطقة الحاجز الرملي بشكل مباشر أو غير مباشر على التحرك من أجل الحصول عليها، إذ يشكل إجبارهم على الانتقال إلى المناطق التي قد يكونون فيها أكثر عرضة للخطر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي".

"قضية عسكرية"

وبشكل غير رسمي، عبر عدد من الدبلوماسيين في عمّان من المطلعين على المفاوضات عن هذه المسألة بشكل أكثر صراحة.

وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى: "لقد تخلى الجميع عن مبدأ الحق في طلب اللجوء، وبعد ذلك تخلوا عن الحق في المساعدة الإنسانية. لقد أصبحت هذه قضية عسكرية، والولايات المتحدة لن تتخلى عن استقرار الأردن. الأمر كله يتعلق بهذا الأمر".

"لقد تخلى الجميع عن مبدأ الحق في طلب اللجوء"

ووصف دبلوماسي أوروبي آخر الخطة بأنها "إنشاء منطقة عازلة": "ما يتم عرضه هو حل وسط بين ما يريده الأردن وما يمكن أن يتعامل معه المجتمع الدولي".

ووفقاً لمسودة الخطة التي سُربت إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، سيتم تخصيص 26 مليون دولار، من إجمالي مبلغ 39 مليون دولار المخصص للإنفاق من سبتمبر حتى ديسمبر، لنفقات متعلقة بالأمن. يشمل هذا 20 مليون دولار لإنشاء طريق جديد من الكرامة إلى الركبان، و5.1 مليون دولار لإنشاء مراكز حدودية إضافية في المنطقة، ومليون دولار لإنشاء منطقة خدمة معززة مؤقتة. وسوف يقام هناك أيضاً مركز لصحة المجتمع، ربما يكون أقرب إلى الأراضي الأردنية.

وأوضح دبلوماسي رفيع المستوى ممن حضروا المفاوضات أن الأردن، بالإضافة إلى خطة الأمم المتحدة المتعلقة بالخدمات الإنسانية، سوف يحصل أيضاً على دعم من المانحين لتنفيذ مجموعة من التحسينات الأمنية الأخرى ذات الصلة، بما في ذلك إقامة أبراج مراقبة وبدلات لموظفي الأمن وعربات مدرعة.

عمليات عن بُعد

ولن يقدم موظفو وكالات المعونة مساعدات مباشرة. ونظراً لغياب القانون وعدم اليقين بشأن موقع خط الحدود بالضبط، ربما يصبح خطر إرسال الموظفين خلف الحاجز الأردني عالياً جداً، حتى حال موافقة الأردن عليه.

وتوضيحاً لذلك، قال مدير رفيع المستوى في إحدى وكالات المعونة: "من المستحيل أن تسمح الوكالات الإنسانية بدخول الموظفين إلى هناك".

يونوسات/إيرين
توسع مخيم الركبان كما يبدو من صور الأقمار الصناعية

والحل، الذي يتمثل في التعاقد مع مقاولين للتحرك داخل المنطقة وخارجها، وتقديم السلع والخدمات ومراقبتها، يثير أسئلة أخرى.

وفي هذا السياق، قالت مصادر متعددة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن منظمة اليونيسف سوف تتعاقد مع شركة الولاء لخدمات الإعاشة الأردنية لتوزيع المياه في منطقة الخدمة الجديدة.

وسوف تبدأ العديد من الشركات الأخرى في تقديم خدمات في الركبان في المستقبل القريب.

وستشمل هذه الخدمات توفير المواد الغذائية والرعاية الطبية والإشراف على فريق سيتم تعيينه قريباً من ضباط الأمن السوريين، الذين سيتم تدريبهم، وفقاً لمسودة الخطة، في مركز تدريب عملية السلام في الأردن للقيام بدوريات و"ضمان الاستقرار في الجانب السوري من الحاجز الرملي".

وقد أثار إدراج مقدمي خدمات من القطاع الخاص في الاستجابة الإنسانية حفيظة بعض العاملين في المنظمات الإنسانية المعنية.

وتعقيباً على هذا، قال مدير إحدى المنظمات الإنسانية الإقليمية: "هذه عمليات تهدف للربح .... هل يمكنك أن تتخيل كمية الأموال التي يربحونها؟ إنها بمثابة جرة عسل ... إنهم يتربحون على حساب هؤلاء الناس".

وعلى الرغم من أن جميع المسؤولين الذين تحدثت معهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) اعترفوا بأن لدى الأردن مخاوف أمنية مشروعة، إلا أن البعض ينظر إلى الاتفاق على أنه غير مقبول.

وتوضيحاً لذلك، قال مسؤول آخر رفيع المستوى في وكالات المعونة في عمّان: "لا تطلقوا عليها اسم مساعدات إنسانية، لأنها لا تشبه المساعدات الإنسانية في شيء. إنها مساعدة فقط".

"هذا النهج لا يلبي الاحتياجات بشكل صحيح. إذا تم نقل نقطة التوزيع في المنطقة المنزوعة السلاح ولم يسمح للجيش بالدخول، ما الذي يمنع الناس من الاتجاه جنوباً وإطلاق الصواريخ؟"

وفيما رفضت مختلف وكالات الأمم المتحدة- بما في ذلك منظمة اليونيسيف، (ذراع تنسيق المعونة) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، التعليق على الخطة كونها لا تزال قيد التفاوض، قال إدوارد كالون، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في الأردن لصحيفة "جوردن تايمز" في وقت سابق من الأسبوع أن الأمم المتحدة تعمل على "الانتهاء من الخطة التنفيذية مع القوات المسلحة الأردنية".

هل ستنجح؟

وبعد أشهر من المفاوضات العالية المستوى، قد تتعثر الخطة عند عرضها على الطرف الوحيد الذي لم يكن حاضراً على الطاولة: السوريون أنفسهم الذين يقيمون عند الحاجز الرملي.

ووفقاً لتقرير وكالة أسوشيتد برس مؤخراً، لا يبدو أن النازحين السوريين في الركبان متحمسين للتحرك. وبعد إعلام قادة المجتمع المحلي بالخطة، نظم السكان احتجاجات ورفعوا لافتات كتبوا عليها: "أين يمكننا الذهاب؟ الجوع والحرمان أمامنا، والقنابل والقتل خلفنا".

وعلى الرغم من أن بعض الـ70,000 شخص في الركبان، غالبيتهم من النساء والأطفال، يرغبون في دخول الأردن، إلا أن هذا لا ينطبق عليهم جميعاً. فقد قالت العديد من الأسر في مقابلات أجريت مع اللاجئين الذين قبلوا في الأردن من الركبان في ربيع عام 2016، لشبكة الأنباء الإنسانية أنهم ذهبوا إلى هناك طلباً للغذاء والماء، ولكن الأكثرية قالت أنها جاءت بالأساس بحثاً عن الأمن المتصور بسبب قرب المكان من الحدود الأردنية.

والجدير بالذكر أن الكثير من الأشخاص يقيمون في الركبان منذ أشهر وبعضهم منذ أكثر من عام وقد عانوا من الفوضى والصراع بحثاً عن قدر ولو قليل من الأمن في تلك الصحراء الصخرية. إذاً لا عجب والحال كذلك، أن اللاجئين الذين وصلوا الآن إلى مخيم الأزرق في الأردن، داخل الحدود فقط، يقولون أن البقع الممتازة في الركبان، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال، هي تلك الأقرب إلى الحاجز الرملي الأردني، التي تقع على مرأى من القوات الأردنية.

التفاصيل لا تزال قيد المناقشة، ولكن عقب مرور أكثر من شهر على آخر زيارة قام بها ستيفن أوبراين، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ إلى الأردن ووصف الظروف في الحاجز الرملي بأنها "قاسية"، تدرك وكالات الأمم المتحدة تماماً أنه حتى لو لم يكن هذا الاتفاق مثالياً، فإن كل يوم من التفاوض هو يوم يعاني فيه 70,000 شخص من الحرمان.

وختاماً، قال أحد الخبراء في المجال الإنساني: "لا أستطيع أن أصف مدى معاناة هؤلاء الناس."

(الصورة الرئيسة: سوريون على الحاجز الرملي على الحدود مع الأردن، يونيو 2016. تصوير: بيتر بيرو/إيكو)

sw/as/bp/ag-kab/dvh