مشكلة قوافل المساعدات

بن باركر

مدير المشاريع المؤسسية

تليغرام/واتس آب

0044-7484-709472

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

بينما كانت النيران تتصاعد في الخلفية، رفع متطوع من حملة الخوذ البيضاء السورية كيس حفاضات عالياً وقال: "من الأمم المتحدة". ويظهر مقطع الفيديو غير الواضح آثار الهجمة الأكثر فتكاً على عمال الإغاثة في سوريا حتى الآن. لقي 20 شخصاً على الأقل مصرعهم، أثناء نقل المساعدات في ريف حلب، واحترقت جثث موظفي الهلال الأحمر العربي السوري ومخلفات البضائع الإنسانية أو تعرضت للتلف.

 

 

ونظراً لتحطم آمال وضع حد للحرب مراراً وتكراراً، تم تعليق آمال كبيرة على قوافل المساعدات "المشتركة بين الوكالات" التي تقودها الأمم المتحدة ويصل معظمها إلى المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول اليها. وقد سلط الهجوم الأخير مزيداً من الضوء عليها.

ولكن هل تعتبر هذه القوافل - المنسقة بعناية، والمعلن عنها بلهفة، والمنقذة للحياة في بعض الأحيان- أفضل طريقة لإيصال المساعدات إلى السكان اليائسين؟ هل أصبحت أكثر خطورة؟ وهل هي إحدى المظاهر المبالغ في الترويج لها والتي تعكس حالة نظام المساعدات المسيس الذي خذل الشعب السوري؟

أو ربما كل ما سبق؟

لقد حان الوقت لطرح بعض الأسئلة الصعبة حول كيفية إيصال المساعدات في سوريا، وما إذا كانت حقاً تساعد بهذا القدر أم لا.

في البداية

تتكون المساعدات الطارئة إلى حد كبير من السلع وتسافر البضائع على متن شاحنات. كما غالباً ما يفضل سائقو الشاحنات السفر ضمن قافلة. هذه هي طريقة التنفيذ.

ولكن في بداية الحرب في عام 2011، عندما توقع الجميع، عدا المراقبين المخضرمين، أن بشار الأسد سوف يسقط بسرعة، مثل معمر القذافي أو حسني مبارك، ركزت المساعدات التي تقودها الأمم المتحدة في سوريا على اللاجئين العراقيين والفلسطينيين، ولم تلوح قافلة واحدة مشتركة بين الوكالات في الأفق. وكانت بعض منظمات الأمم المتحدة، بالتحديد برنامج الأغذية العالمي، تسلم الغذاء بنفسها.

وبدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر توسع نطاق عملياتها، وأعطت الأمم المتحدة أحياناً بعض البضائع للهلال الأحمر العربي السوري لتوزيعها.

وفي ربيع عام 2012، مع ارتفاع أعداد النازحين والمحتاجين إلى المساعدة (كان الناس قد بدؤوا يتخذون من الحدائق العامة في دمشق مأوى لهم)، نظمت الأمم المتحدة أول قافلة مشتركة بين الوكالات في محاولة لزيادة الكفاءة وتقديم المساعدة لأجزاء جديدة من البلاد.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال مسؤول سابق في الأمم المتحدة، كان مقره في دمشق في ذلك الوقت ولعب دوراً فعالاً في هذه الجهود الأولى، أنه على الرغم من أنها لم تكن سوى أربع أو خمس قوافل مكونة من عدة شاحنات تحمل مواد نظافة فقط، إلا أن تنفيذها كان صعباً

وقال المسؤول أن "كل شيء كان بيروقراطياً للغاية" حتى في هذه الأيام الأولى.

وأضاف قائلاً: "في البداية، كانوا [نظام الأسد] لا يريدون الموظفين الدوليين، ثم وافقوا في النهاية. كان كابوساً إلى حد ما، وضاع الكثير من الوقت، ولكننا نجحنا في نهاية المطاف."

وعلى الرغم من الجدل الذي تطلبه الأمر، فقد قال المسؤول السابق في الأمم المتحدة أن هذه القوافل كانت مفيدة من حيث بناء الثقة بين الهلال الأحمر العربي السوري (الذي يراه الكثيرون، ولكن ليس هذا المسؤول بالتحديد، موالياً للنظام) والأمم المتحدة.

وقد أثبتت أن الأمم المتحدة "لم تكن تتوقع من المنظمات الوطنية (مثل الهلال الأحمر العربي السوري) أن تضع نفسها على الخطوط الأمامية"، كما قال المسؤول، مشيراً إلى أن أحد أسباب انضمام موظفي الأمم المتحدة الدوليين إلى القوافل هو الاعتقاد بأنهم يمكن أن يوفروا حماية للموظفين السوريين.

"في ذلك الوقت، لم أكن أعتقد أن هذه القوافل ستُستهدف عمداً،" كما أضاف المسؤول.

عملية آخذة في التوسع (ومبالغ في أهميتها؟)

لقد تغير الزمن. وأفاد آخر تحديث عام صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المعونة التابعة للأمم المتحدة، أن 115 قافلة مشتركة بين الوكالات قد وصلت إلى المناطق المحاصرة أو التي يصعب الوصول إليها هذا العام، بما في ذلك 32 قادتها الأونروا، وهي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

وعادة ما تتكون كل قافلة من هذه القوافل البارزة من بضع عشرات من الشاحنات، التي تحمل بضائع مختلطة، من بينها المواد الغذائية والسلع المنزلية ومستلزمات النظافة والصحة المقدمة من وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسف. مع ذلك، كثيراً ما يتم حظر الأدوية والمستلزمات الجراحية أو إزالتها من قبل المسؤولين السوريين.

ويتبعها على الدوام تقريباً صدور بيانات صحفية وموجة عارمة من التغريدات على موقع تويتر، ولكن على الرغم من بروزها وشهرتها، اتضح أن القوافل المشتركة بين الوكالات التي تقودها الأمم المتحدة وتُكتب عليها شعارات ويرافقها موظفون وسيارات دفع رباعي، هي الاستثناء في استجابة المعونة الشاملة في سوريا، وليس القاعدة.

أفاد برنامج الأغذية العالمي أنه يرسل 3,000 شاحنة شهرياً (بمتوسط 100 يومياً) كجزء من عمله لتوفير الغذاء لأربعة ملايين شخص في جميع أنحاء البلاد.

وذكرت منظمة ميرسي كوربس، وهي على الأرجح أكبر مورد لمواد الإغاثة عبر الحدود من تركيا، أن شحناتها الشهرية تصل إلى أكثر من 600,000 شخص، وهذا يعني أنها قد تصل إلى مئات آخرين كل شهر، بالإضافة إلى ما يقدمه برنامج الأغذية العالمي. وعند إضافة عدد كبير من منظمات الاغاثة الأخرى والعمليات التي تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري المنفصلة عن الأمم المتحدة، فإن الأعداد ترتفع أكثر وأكثر.

وبحسب تقديرات شبكة الأنباء الإنسانية، تم إيصال 35,000 شاحنة محملة بمساعدات الإغاثة على الأقل إلى جميع أنحاء سوريا في عام 2016. ووفقاً لهذه الحسابات غير الرسمية، فإن القوافل المشتركة بين الوكالات، التي يتم إرسالها إلى المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها وتضم في المتوسط 30 شاحنة لكل منها، تشكل أقل من 10 بالمائة من إجمالي المساعدات التي يتم شحنها، وربما أقل من ذلك بكثير.

وكما قال مسؤول كبير بالأمم المتحدة مطلع على العمليات في سوريا: "لقد تضاءلت قوافل مساعدات الأمم المتحدة وأصبحت وسيلة رمزية (وليست ذات مغزى أو كافية) لدعم المحتاجين، وخاصة في المناطق المحاصرة".

أداة في العملية السياسية؟

والأمر لا يقتصر على مجرد أن القوافل ليست كافية، فقد ابتليت عملية الإغاثة منذ أيامها الأولى باتهامات تدعي أن الأمم المتحدة تخضع لتأثير حكومة الأسد أكثر من ما ينبغي. ولكن هذه القصة لا تتوقف عند هذا الحد.

في هذه الأيام، يتخذ فريق العمل الإنساني الذي يتفاوض على حركة القوافل مقراً له في جنيف، ويرتبط بالمجموعة الدولية لدعم سوريا.

ومن المفترض أن تكون المساعدات الإنسانية محايدة وغير متحيزة ومستقلة - وهي ثلاثة من المبادئ الإنسانية التوجيهية الأربعة. إن القوافل التي يُسمح بمرورها فقط خلال وقف إطلاق النار المتفاوض عليه، أو المرتبطة بحالات "الإخلاء" (مثل داريا)، تجد صعوبة في الوفاء بهذه المثل العليا. ففي 29 سبتمبر، أخبر رئيس قطاع المساعدات في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على سبيل المثال، أن إيصال المساعدات المتزامن والقائم على مبدأ "واحدة بواحدة" إلى مضايا وثلاث بلدات أخرى تعاني من أربع حالات حصار منسقة "غير مقبول".

"تغذي آلة السياسة بالدم والعَرَق والدموع الإنسانية"

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قالت مسؤولة سابقة ثانية كانت تعمل مع الأمم المتحدة في دمشق أن وضع فريق العمل الإنساني في جنيف، كهيئة فرعية تابعة لمنبر سياسي، "يجعل من الواضح جداً أن الاعتقاد بأن الاستقلال والحياد وغيرها من المبادئ [الإنسانية] متوفرة هناك يُعد مغالطة".

ويعتقد محلل في وضع جيد يؤهله للتعليق على الوضع في سوريا أن عمليات مثل قافلة حلب المنكوبة "تغذي آلة السياسة بالدم والعرق والدموع الإنسانية". ودائماً ما يكون هذا الدم سورياً.

إيرين/تويتر
لقد أصبحت القوافل المشتركة بين الوكالات موضوعاً متكرراً في سوريا
ويرى المحلل أن القوافل التي تمر عبر خطوط النزاع والإنزال الجوي للمساعدات تُستخدم كبديل عن التقدم السياسي. وفي نهاية المطاف، فإن هذه القوافل البارزة لا تعدو كونها "قطرة صغيرة في المحيط"، وقد "تشبعت عمداً بشرعية وهمية" للتعويض عن عملية إغاثة متعثرة وعدم وجود إرادة سياسية أو عسكرية، كما أضاف المصدر. وقال أيضاً أن "الجميع يعلمون أن نظام [المساعدات] معطوب للغاية"، والقوافل التي تحظى بتغطية إعلامية كبيرة تمثل "ذريعة للمساءلة"، من أجل طمأنة الجهات المانحة بأننا "نعرف أين تذهب المساعدات".

لم يرد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على طلبات شبكة الأنباء الإنسانية للتعليق، ولم تستجب اللجنة الدولية للصليب الأحمر أيضاً، التي تنضم إلى هذه القوافل. وفي الواقع، لم يوافق أي من مسؤولي الأمم المتحدة أو رؤساء وكالات المعونة الكبرى الأخرى على التحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية بشكل رسمي.

لكن بياناً أصدرته في شهر أبريل مجموعة من المنظمات غير الحكومية الرئيسية، بما في ذلك ميرسي كوربس ومؤسسة كير الدولية والعديد من المنظمات السورية المحلية، أعرب عن تحفظات جدية حول تسييس قوافل.

"حتى الآن، من الواضح أن الموافقة على قوافل الأمم المتحدة عبر خطوط النزاع ترتبط تماماً بالمفاوضات السياسية،" كما أفاد البيان، مضيفاً: "نحن قلقون من أن التصريح بمرور القوافل يُستخدم كوسيلة لإغراء مجموعات سكانية على الدخول في اتفاقيات هدنة محلية أو الحفاظ عليها، وفي نفس الوقت معاقبة المجموعات التي ترفض ذلك".

وحتى أوبراين يبدو وكأنه يعترف بأن القوافل تحصل على غالبية الاهتمام كجزء من استراتيجية لتركيز الاهتمام على المناطق التي لا يمكن الوصول إليها، وليس لأنها تحقق أقصى استفادة.

وقال في خطابه أمام مجلس الأمن: "على الرغم من حقيقة أن الأمم المتحدة وشركاءها يدعمون ملايين الناس بالمساعدة كل شهر من خلال برامج منتظمة وأنشطة عبر الحدود، فإن أولئك الذين في هم أمس الحاجة إلى المساعدة يكونون في كثير من الأحيان من لا يمكن الوصول إليه بأي من هاتين الطريقتين. وبينما نركز الكثير من الاهتمام على ضمان وصول المساعدات الإنسانية عن طريق القوافل عبر خطوط النزاع، فإن هذا لا ينتقص من الطرائق الأخرى المسؤولة عن غالبية التسليم الفعلي للمساعدات، ولكن لضمان تركيز الاهتمام على المواقع التي لا يمكننا الوصول إليها بطرق أخرى".

هل لديك فكرة أفضل؟

وترى المسؤولة السابقة الثانية أن الأمم المتحدة ببساطة تفتقر إلى الإبداع.

وأوضحت أن "القوافل ليست هي الحل الصحيح لكل شيء. بعد مرور خمس سنوات، كل ما يمكنك عمله هو القوافل. هناك شيء خاطئ. هل هو عدم وجود خيال؟"

وأشارت إلى أن الأمم المتحدة قد فشلت في أخذ خيارات أخرى بعين الاعتبار - لماذا لا تفكر في المزيد من التوزيعات النقدية (إحدى طرق تسليم المساعدات التي تكتسب شعبية) أو تقديم تمويل مباشر للمنظمات غير الحكومية المحلية التي يمكنها القيام بهذه المهمة بهدوء، كما تساءلت؟ ماذا عن دفع ثمن شاحنة واحدة أو شاحنتين في وقت يتيح لهما الدخول بشكل خفي؟

"إن الأمر يتعلق بالتفكير في استراتيجيات أخرى، وبصراحة، ينبغي أن يتعلق الكثير منها بإيجاد طرق لجعل المعونة محلية جداً ... وبعدم وجود فرق في دمشق تتولى إرسال القوافل،" كما أفادت.

وتجدر الإشارة إلى أن إنزال المساعدات جواً هو خيار كثيراً ما يُطرح، ولكنه صعب ومكلف. تبلغ زنة الإنزال الواحد 18.2 طناً، أي نفس حمولة شاحنة من المواد الغذائية تقريباً، ويكلف ما يقرب من 250,000 دولار.

ويقول نقاد آخرون أن التركيز على القوافل يقلل من أهمية الحاجة إلى خدمات حيوية مثل القبالة. وفي هذا الشأن، يقول بيان المنظمات غير الحكومية الصادر في شهر أبريل الماضي أن "الإفراط في التركيز على القوافل ينتقص من أنواع أخرى من المساعدة المطلوبة على وجه السرعة، بما في ذلك خدمات الطب والصحة والمياه والصرف الصحي والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي وحماية الطفل".

هل شيء ما أفضل من لا شيء على الإطلاق؟

وهذا لا يعني أن هذه القوافل التي تحظى بدعاية هائلة ليس لديها دور تلعبه. إنها تهدف إلى بناء الثقة وإظهار هدف مشترك بين وكالات الأمم المتحدة والحركة الدولية للصليب الأحمر، وكشف خداع المفاوضين المخادعين. والمقصود من تسليط الضوء المتعمد للغاية عليها، من الناحية النظرية، هو أن يصبح ذلك شكلاً من أشكال التأمين ضد الهجوم وإثناء أطراف النزاع عن النكوث بالاتفاقيات.

وفي نهاية المطاف، يرى المحلل أن المرء "يجب أن يستمر في المحاولة ... بعض المساعدات أفضل من لا شيء. هذا أساساً هو ما يؤول إليه الأمر".

وكما قال المسؤول الحالي بالأمم المتحدة: "إن القوافل، حتى لو كانت تبدو ضئيلة، توفر بصيصاً من الأمل لأولئك الذين ينتظرون المساعدات. [لكن] عندما تستهدف الضربات قوافل المساعدات، مثل تلك الموجودة في حلب، فإنها تقضي على هذا الأمل جنباً إلى جنب مع أي مساعدات ملموسة".

وتكمن المشكلة في إضفاء ما يصفه المحلل بأنه "لمعان يائس" على القوافل قد يشتت الانتباه ويمنع التوصل إلى حلول أكثر ابتكاراً لتقديم المساعدة.

لقد حان الوقت للتفكير خارج صندوق الأمم المتحدة.

as-bp/ag-ais/dvh

(الصورة الرئيسية: قافلة من الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية تنتظر في آخر نقطة تفتيش قبل مضايا. عمر/اليونيسف)