إجلاء السوريين يكسر إرادة المقاومة

توم رولينز

صحافي مساهم في إيرين

تعرضت قافلة مساعدات إنسانية في محافظة حلب لهجوم بالصواريخ ليلة الاثنين. ويأتي ذلك في ظل انهيار وقف إطلاق النار الجزئي الذي تم التوصل إليه بقيادة كل من الولايات المتحدة وروسيا وفي خضم موجة جديدة من الضربات الجوية وتبادل الاتهامات بين الجانبين. وعلى الرغم من أنه لم يتضح بعد من الطرف المسؤول مباشرة عما آل إليه الوضع حالياً، إلا أنه إذا كان يهدف إلى القضاء على أي بصيص أمل لإحراز تقدم دبلوماسي، فقد أحدث على ما يبدو الأثر المطلوب.

استخدمت التكتيكات التي تستهدف في نهاية المطاف كسر إرادة من يقاومون النظام السوري على الأرض منذ أشهر عدة في سوريا، ليس أقلها عمليات الحصار المثيرة للجدل التي قادت إلى المجاعة أو الإجلاء القسري للسكان أو الاثنين معاً.

في صبيحة يوم عيد الأضحى، توقفت سيارتا دفع رباعي لا تحملان أي علامات مميزة أمام مسجد في إحدى ضواحي مدينة دمشق. وظهر الرئيس السوري بشار الأسد وهو يلتحق بالصلاة داخل مدينة داريا، التي تم إخلاؤها مؤخراً.

وفي خطاب ألقاه عقب الصلاة – قبيل ساعات من بدء سريان وقف إطلاق النار - صرح الرئيس لوسائل الإعلام الحكومية أنه "عازم على استعادة كل شبر من سوريا من الإرهابيين".

ولا شك أن اختيار الأسد مدينة داريا للظهور العلني لم يكن من قبيل الصدفة، ذلك أنها واحدة من المدن الأولى التي بدأت الاحتجاجات ضده في عام 2011. ولكن في الشهر الماضي، وعقب ثلاث سنوات من العقاب بالحصار والقصف، وافق عدة آلاف من المدنيين والمقاتلين المتمردين على عملية الإجلاء في اللحظة الأخيرة.

ومنذ سقوط داريا، أشار المسؤولون والمراقبون إلى أنها قد تكون المخطط النموذجي للكيفية التي يخطط بها بشار الأسد للتعامل مع جيوب المقاومة الخاضعة لسيطرة المتمردين في العاصمة وخارجها.

هل يحدث تأثير الدومينو؟

وفي هذا الصدد، حذر المبعوث الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، في جنيف في وقت سابق من هذا الشهر، من إمكانية تكرار هذا السيناريو: "بعد داريا، قد تشهد مدن أخرى المصير ذاته". وقال علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية في حكومة بشار الأسد، كلاماً مشابهاً (ولكن يُفترض أنه بمشاعر مختلفة): "داريا مثل الدومينو، وبعدها، سوف تسقط مدن أخرى".

ومن المتوقع بالتأكيد حدوث المزيد من عمليات الإجلاء.

في يوم الاثنين، تم تأجيل إجلاء عدة مئات من المتمردين من حي الوعر في حمص، المحاصر والمدمر بفعل القصف. وقد هددت الجماعات المتمردة، بما في ذلك أحرار الشام وغيرها من الفصائل الأخرى بإنهاء وقف إطلاق النار الهش بالفعل في ظل التقارير التي تفيد ببدء عمليات الإجلاء هناك، قائلة أن تكتيكات الحصار المتمثلة في "الموت جوعاً أو الاستسلام" و"التطهير الطائفي" التي تمارسه القوات الحكومية قد أبطل عملياً فعالية وقف إطلاق النار. وقال ناشط في حي الوعر أن السكان لن يغادروا دون وجود الأمم المتحدة لضمان المرور الآمن إلى وجهتهم المقررة، إدلب.

ووفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، يوجد ما يقرب من 590,000 سوري يرزحون تحت وطأة الحصار، فيما تشير إحصائيات أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى أكثر من مليون شخص، غالبيتهم تحاصرهم القوات الحكومية وحلفاؤها. كما أن هناك بضعة جيوب في سوريا، بما في ذلك القرى الشيعية الشمالية مثل الفوعة وكفريا، محاصرة في معظمهما من قبل مجموعات المتمردين الإسلاميين.

وقال يان إيغلاند، رئيس فريق الدعم الدولي لسوريا المعني بالوصول الإنساني، لشبكة الانباء الإنسانية (إيرين) أنه يخشى أن تلقى المناطق المحاصرة الأخرى مصير داريا، على الرغم من أن المجتمع الدولي يسعى جاهداً لتجنب هذا.

وقال إيغلاند: "كان الدرس المستفاد من داريا هو أنه بعد أربع سنوات لم يعد هناك أمل ولذلك استسلم السكان...لقد خذلنا جميعاً سكان داريا".

وأضاف: "لكنني آمل من كل قلبي وأعتقد أنه يجب منع هذا النوع من الإجلاء غير الطوعي، الذي يتم في النهاية بالضغط"، قائلاً أن فريق العمل "يعمل على مدار الساعة" لتخفيف الضغط على المناطق المحاصرة وتسهيل الحركات الطوعية فقط للمدنيين.

وأردف بقوله: "يجب أن تكون هناك حرية كاملة لحركة المدنيين داخل وخارج المناطق...وفي هذه الحالات [مثل داريا]، لا يُعد الأمر طوعياً إذا كان الشخص يستسلم خوفاً من الموت جوعاً من دون وجود خيار آخر".

واعترف إيغلاند بتحقيق بعض النجاحات حتى الآن وأنه ليس لدى أي من المناطق المحاصرة الـ 18، [أدرج شرق حلب – التي لم تذكر علناً من قبل الأمم المتحدة أنها تحت الحصار]، "حرية كاملة للحركة".

وفي هذا السياق، أوضحت لمى فقيه، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن عمليات الإجلاء الطوعي "تحدث عندما يكون المدنيون يعيشون في منطقة تواجه تهديداً، ويريدون الانتقال من تلك المنطقة".

ولكن الحالات الأخيرة من عمليات الإجلاء في سوريا، بما في ذلك ما يسمى "ممرات آمنة" للمدنيين التي أنشأتها الحكومة السورية ووزارة الدفاع الروسية أثناء الحصار الأولي هذا الصيف لشرق حلب، تحدث في خضم "سحابة من الممارسات غير المشروعة والقسرية"، حسبما قالت فقيه، التي أشارت أيضاً إلى أن الهدف ليس وصول المدنيين إلى بر الأمان، ولكن تهيئة الظروف داخل المناطق المحاصرة لإجبارهم على الفرار في نهاية المطاف.

وأضافت أن القصف العشوائي وتكتيكات الحصار والقيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية تمثل جميعها "تدابير قسرية فعلياً" بحيث يمكن أن تجعل قرار الإخلاء غير طوعي.

ويرى الخبراء أن هذه التدابير تشكل أيضاً عنصراً أساسياً في استراتيجية الحكومة للتعامل مع المناطق المحاصرة منذ فترة طويلة من قبل المتمردين، مثل داريا والمعضمية والوعر.

حرب تُكسب بالهُدن المحلية؟

وقد ساعد استخدام الهدن المحلية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، تليها عمليات الإجلاء، في قلب ميزان الحرب لصالح بشار الأسد – لاسيما في المناطق المحيطة بدمشق وحمص.

وفي هذا الصدد، يرى فابريس بالانش، وهو باحث زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وخبير في الجغرافيا السياسية في سوريا، أن الحكومة السورية ربما تقوم بانتقاء واستهداف "المناطق الأضعف" التي تخضع لسيطرة المتمردين، لأنها تعرف أنها أكثر قابلية للسقوط.

وقال بالانش لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "[داريا] كانت ذات أهمية استراتيجية للعودة... ورأى النظام أنها تشكل نقطة ضعف".

"الاستراتيجية هي فصل المتمردين عن المدنيين. وللنجاح في الفصل بينهما، فإنه بحاجة إلى استخدام التجويع وتدمير البنية التحتية. بعدها لن يتمكن المدنيون من البقاء، وبالتالي سيخرجون منها".

وربما يجري الآن استخدام الاستراتيجية نفسها في الغوطة الشرقية، إحدى ضواحي دمشق التي تضم بلدات دوما وحرستا وزملكا.

وتجدر الإشارة إلى أن الاقتتال الذي اندلع في مطلع هذا العام بين الفصائل الإسلامية أضعف دفاعات جماعة جيش الإسلام في الغوطة، كما أن مقتل زعيمها الكاريزمي زهران علوش في أواخر العام الماضي قد ترك أثراً عميقاً.

وتعليقاً على هذا، قال بالانش: "إذا كان النظام يستهدف دوما اليوم أكثر مما يفعل في حرستا أو زملكا، فلأن دوما تعيش تحت سيطرة جيش الإسلام وجيش الإسلام ضعيف جداً".

لعبة الأرقام

ويعتمد حصار المناطق المحلية والهدنات وعمليات الإجلاء على مجموعة من العوامل المحلية: التركيبة السكانية، والفصائل المسلحة على أرض الواقع، وخطط الحكومة للمنطقة. وعلى الرغم من أن عدد سكان من المدنيين والمقاتلين صغير نسبياً، إلا أنها تقع بالقرب من مواقع استراتيجية.

ويُقال أن المناطق الأخرى المخطط إجلاؤها تضم عدداً أكبر من السكان المدنيين: عشرات الآلاف في المعضمية، وما بين 75,000 إلى 100,000 في حي الوعر، وما يقرب من 300,000 إلى 400,000 في الغوطة الشرقية (تعتمد هذه الأرقام على الجانب الذي يصدر الإحصائيات).

وأوضح توماس بيريه، الخبير في الشأن السوري والمحاضر في جامعة إدنبرة أن "أحد الجوانب المهمة فيما يتعلق بمدينة داريا هو أن إجمالي عدد السكان كان صغيراً جداً... المدنيون والمتمردون معاً...نحن نتحدث عن رقم ربما يقل من 10,000 شخص".

"إن دوما أكثر بعداً. ربما يصمد النظام لفترة أطول عند الإبقاء على جيب دوما محاصراً .. أنا لا أقول أن دوما ستستسلم غداً، ولكن ربما يحدث هذا في المستقبل".

بافيل كريزيك/اللجنة الدولية للصليب الأحمر
الصورة: قافلة مساعدات وصلت إلى المعضمية في شهر مارس من هذا العام.

ولدى المعضمية، إضافة إلى داريا، هدنة مع الحكومة السورية منذ نهاية عام 2013، كجزء من اتفاق قام المتمردون بموجبه في البداية بتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل الحصول على مساعدات.

مع ذلك، وردت تقارير عن أن المجلس المحلي في المدينة وقع تحت ضغوط متزايدة لقبول شروط الحكومة في أي صفقة مصالحة أو إجلاء في المستقبل، وإلا فسيتحمل العواقب.

وتعليقاً على ذلك، قال أحد النشطاء في المعضمية، الذي يعطي لنفسه اسماً مستعاراً هو داني قباني، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "النظام يتلاعب بالمدينة...في بعض الأحيان، يقول النظام أنه يمكن إجلاء المقاتلين شريطة عدم أخذ أي نوع من الأسلحة [معهم]. وفي أحيان أخرى، يقول أنه يمكن أخذ المدنيين إلى حدود لبنان أو الأردن، إلى جارابلس وخان الشيح، ولكن ليس إلى إدلب. وبعد ذلك، يقول أنه لن يتم إجلاء أي شخص".

وفي وقت سابق من شهر سبتمبر الجاري، تم إجلاء 300 شخص ينحدرون من داريا، بما في ذلك أكثر من 60 من المقاتلين الذين وافقوا على إلقاء أسلحتهم في صفقة عفو رئاسي، من المعضمية وجرى نقلهم إلى بلدة مجاورة، وفقاً لوسائل الإعلام الرسمية.

وأفاد قباني أن الحكومة ترفض حالياً السماح للناس بالمغادرة وتريد إرغام المعضمية على عقد مصالحة معها. وعلى الرغم من أن المقاتلين والمدنيين ربما يشكون في الهدف الحقيقي من وراء ذلك، إلا أن لا خيارات أخرى أمامهم.

وأضاف قباني: "بعد أكثر من أربع سنوات من الحصار، أصبحنا أضعف من أن نقاوم، وليس لدينا خيار آخر سوى القبول...نحن نعلم أن المجتمع الدولي لن يدافع عنا، وأن التحالف الدولي لن يدافع عنا، لن يدافع عنا أحد إذا رفضنا شروط الاتفاق. لذا كان علينا أن نقبله".

تكتيك مشروع أم 'تطهير عرقي'

الحصار ومحو المدن وعمليات الإجلاء ليست ظواهر جديدة. ولكن، كما هو الحال في سوريا، هل تعتبر تكتيكات مشروعة في الحرب أم، كما يشير باﻻنش، ترقى إلى "استراتيجية تطهير عرقي"؟

وعلى الجانب الآخر، ينكر المسؤولون في الحكومة السورية أن تكون هناك أي دوافع ديموغرافية أو طائفية وراء عمليات الإجلاء القسري، حيث أشارت المتحدثة باسم الرئاسة، بثينة شعبان إلى هذه العمليات على أنها "مصالحات محلية".

وختاماً، يتفق بيريه مع باﻻنش ويرى الحوادث التي تقع في مناطق مثل داريا من منظور أكثر طائفية. وبغض النظر عن العوامل الاجتماعية، يقول أنها تمثل "استراتيجية تستهدف جماعات معينة على أساس انتمائهم الطائفي".

"إنه تطهير طائفي بمعنى إعادة الهندسة. النظام السوري بالأساس يقرر أن بعض المجتمعات المحلية ينبغي أن تعيش في أماكن معينة لأنه يمكن السيطرة عليها بسهولة أكبر عندما تعيش هناك... إنها استراتيجية التركيز". 

tr/as/ag-kab/dvh

(الصورة الرئيسية: طوابير من السكان تنتظر توزيع المساعدات في المعضمية. باول كرزيسيك/اللجنة الدولية للصليب الأحمر)