وكالات المعونة تقيّم المخاطر في جوبا

بن باركر

مدير المشاريع المؤسسية

تليغرام/واتس آب

0044-7484-709472

تعكف وكالات المعونة في جنوب السودان على تقييم خياراتها وذلك عقب اندلاع معارك عنيفة في العاصمة أسفرت عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف، وكان من بين القتلى والجرحى العديد من الجنود من الفصائل المتناحرة. وقد أمضت وكالات المعونة في جوبا الأيام القليلة الماضية محاصرة إلى حد كبير، حيث مكث الموظفون في منازلهم أو اضطروا إلى النوم في مكاتبهم.

 

 

ولم تستطع بعض وكالات المعونة الأكثر ضخامة التأكد من سلامة جميع موظفيها، وهي مهمة ساهم في تعقيدها زيادة الضغط على شبكات الهاتف. وقالت مصادر في المنظمات غير الحكومية أن بعض العاملين في مجال الإغاثة تعرضوا لمضايقات وتهديدات عند الحواجز الأمنية على الطرقات. وقد أعلنت الهيئة الطبية الدولية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها أن جناحها الخاص بالأمومة في مخيم للنازحين داخلياً في جوبا قد تعرض لهجوم مباشر خلال تلك المعارك.

وأصبحت بعض مُجمعات وكالات المعونة ملاجئ مؤقتة للمدنيين من المدينة، جنباً إلى جنب مع الكنائس وغيرها من الأماكن العامة. وأفاد متحدث رسمي باسم برنامج الأغذية العالمي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن البرنامج يستضيف 3,000 شخص من النازحين في أحد المجمعات الخاصة به في جوبا.

وقال شهود عيان الثلاثاء أن الرحلات المستأجرة قد استؤنفت من مطار جوبا، وأنه يتم إجلاء بعض الدبلوماسيين وموظفي وكالات المعونة الأجانب. وأعلن متحدث عسكري أن الجيش الأوغندي قد يقوم بمرافقة المواطنين الأوغنديين إلى وطنهم عن طريق البر، في الوقت الذي أرسلت اليابان طائرة عسكرية إلى المنطقة لدعم إجلاء رعاياها.

ورغم ضراوة القتال الدائر، فقد تكون هناك "رغبة في عدم الإجلاء" بين المنظمات الإنسانية، وفقاً لمحلل أمني. ويقول المراقبون أن الاحتياجات الفورية للجرحى والنازحين تمثل حاجة إنسانية ملحة وأن حياتهم معرضة للخطر.

وفي هذا الصدد، صرحت ماتيلدا مويو، المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا)، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الوضع الإنساني خطير والاحتياجات هائلة". وفي ظل إغلاق المطار فعلياً حتى صباح هذا اليوم، وكون أن الانتقال عبر الطرق البرية يشكل مخاطر كبيرة جداً، لم يحاول التحرك حتى الآن سوى عدد قليل من عمال الإغاثة. ويتركز التخطيط حالياً حول كيفية خفض عدد الموظفين والحد من المخاطر. وقالت مويو أنه "طُلب من جميع منظمات [الأمم المتحدة] إعداد قائمة بالموظفين غير الأساسيين للتخطيط لإجلائهم في حال زيادة تدهور الحالة الأمنية".

سينيسا مارولت/ برنامج الأغذية العالمي
نازحون يلجؤون إلى مجمع برنامج الأغذية العالمي في جوبا

وقال المحلل الأمني للمنظمات غير الحكومية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن بعض المنظمات غير الحكومية الأصغر حجماً لديها بالفعل اتفاقات لنقل فرقها إلى مجمعات محمية بشكل أفضل لدى الوكالات الأكبر حجماً. وأضاف المحلل أن ارتفاع معدل تبدل الموظفين الأجانب في جنوب السودان يشكل مصدر قلق، وضعف الخبرة النسبي والافتقار إلى المعرفة المحلية يمكن أن يؤديا إلى "رد فعل مبالغ فيه" في البيئات الشديدة الخطورة.

"الحساسية"

في ديسمبر 2013، فوجئت المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة في جوبا إلى حد كبير بالمعارك وعمليات قتل المدنيين التي أعقبت الصراع المفتوح على السلطة بين الرئيس سيلفا كير ورياك مشار نائب الرئيس.

في السياق نفسه، قالت أديل هارمر، الباحثة في مؤسسة النتائج الإنسانية "Humanitarian Outcomes" لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لم يكن هناك وعي قوي بوقوع صراع وشيك". والجدير بالذكر أنها تبحث هي واثنان من زملائها هما آبي ستودارد وشعيب جيلاني، عمليات المعونة في مناطق النزاعات، بما في ذلك جنوب السودان، وذلك ضمن مشروع بحثي مدته ثلاث سنوات، يطلق عليه اسم "تأمين الوصول في البيئات المتقلبة".

وأضافت هارمر أنه في عام 2013، كانت هناك عملية "سحب سريعة جداً...بما في ذلك للموظفين الأساسيين". وعندما عادت وكالات المعونة مرة أخرى "كانت بطيئة في رفع مستواها"، واقتصرت الكثير من الاستجابات العملياتية، باستثناء حماية مواقع المدنيين الذين يخضعون اسمياً لحراسة قوات حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة، على الاستجابة السريعة المتمثلة في عمليات توزيع الأغذية وغيرها من المستلزمات، ولم تقدم برامج مستدامة.

"هناك وجود كبير لوكالات المعونة في جنوب السودان، ولكن كما النمط الذي وجدناه في دراستنا لأربعة بلدان، لا توجد عمليات معونة في المناطق الأكثر خطراً... حيثما يكون الاحتياج أشد".

ورغم أن المنظمات الإنسانية في هذه المرة "على دراية قوية بالوضع المتقلب"، إلا أن هارمر تقول أن السؤال يكمن فيما إذا كانت تلك المنظمات "ستتحلى بالثقة بما يكفي لإبقاء الموظفين الأساسيين في جوبا في خضم الصراع" للاستجابة للاحتياجات المستجدة ومن ثم يكون بقاؤها ذو قيمة. المنظمات "في هذه المرة، لديها معلومات أكثر بكثير، وتعرف ما الذي سيتطلبه الأمر... أتمنى أن يكون هذا هو الدرس المستفاد من ديسمبر عام 2013".

وقالت ليندسي هامسيك، من منتدى جنوب السودان، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر البريد الإلكتروني: "في ديسمبر 2013، كان الكثير من الموظفين في الدولة يركزون على التنمية. وكان يتعين على المنظمات غير الحكومية توجيه طاقة فرقها للاستجابة الإنسانية". وتجدر الإشارة إلى أن المنتدى يضم 126 منظمة غير حكومية دولية و88 منظمة غير حكومية وطنية. وأضافت هامسيك أن "المنظمات غير الحكومية سوف تبحث خطط خفض عدد الموظفين وتقليص الموظفين غير الأساسيين فقط".

المخاطر

لكن بعدما يتم نقل الموظفين غير الأساسيين الأجانب، ماذا عن أولئك الباقين؟ وجدت مؤسسة "النتائج الإنسانية" أنه في 2014 كان هناك 2,335 موظفاً دولياً و20,538 موظف من جنوب السودان.

وقد شهد جنوب السودان منذ الاستقلال في عام 2009، مقتل 71 من عمال الإغاثة، 64 منهم من مواطني جنوب السودان، وجرح 103 آخرين.

وكان معظم العاملين الأجانب في مجال الإغاثة في جنوب السودان أقل عُرضة للخطر، وفقاً للبحث. كما خلص البحث إلى "أن الموظفين السودانيين في الجنوب أكثر عرضة للاستهداف المباشر بسبب البُعد العرقي للصراع". وقد ازداد الضغط لتوجيه مزيد من المعونة الإنسانية إلى المنظمات غير الحكومية الوطنية ذلك أن معرفتها بالأوضاع المحلية والثقة التي تتمتع بها في المجتمع، وشبكات العلاقات، يمكن أن تجعلها في بعض الأحيان أقل عرضة للخطر في الصراع. مع ذلك، قال المحلل الأمني أنه يلزم بذل مزيد من الجهود بغية مساعدة المنظمات غير الحكومية الوطنية في جنوب السودان وفي أماكن أخرى من أجل "بناء قدرتها على إدارة المخاطر التي تواجهها".

والموظفون من أوغندا المجاورة أقل أمناً، حسبما ذكر بحث مؤسسة النتائج الإنسانية حيث "واجه الموظفون الدوليون من المنطقة قيوداً تتعلق بالمناطق التي يمكن أن يعملوا فيها بسبب الدور الذي يقوم به بلدهم في الصراع ... ففي الغالب لا يتم إرسال الموظفين الأوغنديين، على سبيل المثال، إلى المواقع الميدانية، وعلى وجه التحديد إلى مناطق المعارضة". وقالت هارمر أن المدنيين الذين جرى استطلاع رأيهم من جنوب السودان يعتبرون أن المخاطر التي يتعرض لها عمال الإغاثة الأجانب طفيفة جداً.

في السياق ذاته، أصدرت منظمة أطباء بلا حدود بياناً على موقع تويتر يفيد أنها من المرجح أن تخفض وجودها في جوبا. ويُذكر أن جود وكالات المعونة في البيئات الشديدة الخطورة في الآونة الأخيرة كان موضوع كتاب بعنوان "إنقاذ الأرواح والبقاء على قيد الحياة" صدر عن "CRASH" المركز البحثي لمنظمة أطباء بلا حدود. ويقدم الكتاب نظرة نقدية للآليات الأمنية "الاحترافية" التي تنطلق من مقرات وكالات المعونة المعاصرة. ومن ناحية أخرى ينتقد "تمجيد الذات" فيما يتعلق بالمخاطرة بالنفس التي يُقدم عليها العاملون في وكالات المعونة. ويشكك في النهج الكمي، الذي يستخلص الاستنتاجات من سرد الحوادث في قواعد بيانات لا تأخذ في الاعتبار خصوصيات وسياق كل حدث.

وختاماً، ترى هارمر أنه يجب على المنظمات غير الحكومية أن تكون أكثر صراحة حول الأهداف التي تسعى لتحقيقها والمخاطر التي يمكن أن تتقبلها. وينبغي عليها أن تركز على "فهم حساسية التدخل فيما يتعلق بالمخاطر... بدلاً من مجرد النظر في طبيعة المخاطر ذاتها".

"الشيء الذي نأمل أن نخرج به من هذا البحث، هو أن نكون أكثر صدقاً بشأن الأشياء التي يمكننا القيام بها وتلك التي لا يمكننا القيام بها".

bp/ag-kab/dvh

الصورة في الأعلى: اريك كارلشتاين/ بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنوب السودان