حاكموا من يقصفون المستشفيات، وإلا سيستمر القصف

جاريد فيري
محرر شؤون آسيا

بعد قرار مجلس الأمن الأخير الذي يُجرّم الهجمات على مرافق الرعاية الصحية في مناطق الحرب، ينبغي على الأمم المتحدة التأكد من الامتثال عن طريق إحالة الجناة إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهم.

 

 

هذه هي إحدى التوصيات التي تضمنها تقرير صدر الإثنين عن منظمة انتراهيلث الدولية (Intrahealth International)، والذي استعرض الهجمات على مرافق الرعاية الصحية في 19 دولة في عام 2015، وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام. وتشمل "الإجراءات العاجلة المطلوبة" الأخرى إنشاء نظام للإبلاغ عن أعمال العنف، وتأسيس هيئة دولية للتحقيق في الهجمات.

من دون هذه التدابير، سيكون القرار الذي صدر بالإجماع عن مجلس الأمن يوم 3 مايو، محكوماً عليه بالفشل.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت لورا هومكه من منظمة انتراهيلث أن "القرار نفسه لن يوقف الهجمات، ما لم تأخذ الحكومات الوطنية والهيئات الدولية واجبها في حماية مرافق الرعاية الصحية على محمل الجد وتلاحق مجرمي الحرب الذين يستهدفون العاملين في المجال الطبي".

وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات تضمنت غارات جوية وعمليات إعدام، فضلاً عن نهب وحرق المرافق، وقد نفذتها الجماعات المسلحة من جميع المشارب، بما في ذلك جيوش الدول.

ونتيجة لذلك، أُغلقت المرافق الصحية وهرب العاملون بها، مما حرم ملايين الناس من فرص الحصول على الرعاية الصحية. في اليمن، على سبيل المثال، لا يستطيع 14.1 مليون شخص الحصول على علاج طبي، وقد هاجر نحو نصف الأطباء من كل من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من أن القانون الدولي يحظر الهجمات على مرافق الرعاية الصحية، فإن الحوادث آخذة في الارتفاع. ويشير التقرير إلى أن:

"أحداث عام 2015 وأوائل عام 2016 مثيرة للقلق بوجه خاص: قصفت أطراف النزاع المستشفيات في خمسة بلدان، وقتلت العاملين في مجال الصحة بسبب سعيهم لتوفير رعاية محايدة، وشنت اعتداءات على المستشفيات والمرضى والموظفين، واستخدمت العنف لعرقلة الحصول على الرعاية الصحية".

وقد دفعت الزيادة الهائلة في عدد الهجمات الأمم المتحدة إلى اعتماد هذا القرار الذي يحث الدول على التحقيق في الهجمات على مرافق الرعاية الصحية وتقديم مقترفيها للعدالة. ولكن مجرد دعوة الدول إلى اتخاذ إجراءات من غير المرجح أن تنجح.

وفي هذا الشأن قالت هومكه: "ليس هناك شك في أن فشل المجتمع الدولي في وقف مثل هذه الهجمات قد أثار سلسلة من ردود الفعل المتعلقة بالإفلات من العقاب. من الواضح أن الجناة يعتقدون أنهم لن يعانوا من أي عواقب في حالة تعمد مهاجمة المرضى والأطباء والممرضين والعاملين في المستشفيات".

عقد النية على عدم اتخاذ أي تدابير؟

لقي القرار ترحيباً في الدوائر الإنسانية، حيث ينظر إليه على أنه خطوة أولى جيدة، ولكنه لن يحقق شيئاً ما لم يتم اتخاذ مزيد من الخطوات لتنفيذه.

وفي السياق نفسه، قالت هيلين دورهام، رئيسة قسم السياسات القانونية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن القرار يرسل "رسالة سياسية قوية"، مضيفة أن "هذه الإرادة يجب أن تُترجم الآن إلى تدابير عملية".

على سبيل المثال، ينبغي تدريب الجنود على حماية مرافق الرعاية الصحية قبل العمليات العسكرية، كما أفادت، مضيفة أن "هذا سيسهم في ترسيخ السلوك الذي يؤدي إلى الحد من تعطيل مرافق الرعاية الصحية في خضم المعارك".

قد يفرض القرار ضغطاً على بعض الدول الأعضاء لاتخاذ إجراءات مماثلة، ولكن من غير المرجح أن يقنع دولاً أخرى أو جماعات مسلحة بعمل ذلك. وينص القانون الدولي على ضرورة السماح للعمال في مجال الصحة بتوفير الرعاية لجميع أطراف النزاع، وأن المقاتلين لا يصبحون مقاتلين بمجرد إصابتهم بجروح. ولكن يبدو أن بعض الجهات الفاعلة في مسرح الحرب تختلف مع هذه المبادئ أو على الأقل تتجاهلها.

من جانبه، قال برونو يوكم من منظمة أطباء بلا حدود في سويسرا: "يُظهر تحليلنا أن هناك تطوراً في طبيعة الحرب. يُنظر إلى مجرد توفير الرعاية الطبية دون تمييز في بعض المذاهب أو التطورات على أنه عمل من أعمال الحرب يتمثل في تقديم المساعدة المادية للعدو".

وعلى الرغم من أن منظمة أطباء بلا حدود واللجنة الدولية قد دعمتا قرار الأمم المتحدة كوسيلة لتغيير هذا السلوك، فمن غير المرجح أن تفعل ذلك حقاً لأنه يؤكد بالأساس القوانين القائمة التي تُنتهك على نحو متزايد وبشكل صارخ.

المساءلة

إن إقناع الجماعات المسلحة بتطبيق القانون الدولي الإنساني يعتمد على المساءلة. ففي نهاية المطاف، إذا لم يكن هناك أي قلق بشأن التداعيات، قد يجد قائد جيش أو جماعة مسلحة أخرى حافزاً إضافياً لانتهاك القانون الدولي الإنساني بدلاً من الإقرار به.

وترى دورهام أن المساءلة تعتمد إلى حد كبير على إدراج التوثيق في العمليات العسكرية، وتدابير الرقابة مثل التحقيقات. علاوة على ذلك، يجب على الدول التمسك بالتزاماتها بموجب اتفاقية جنيف من خلال دمج "العقوبات الجنائية" في القانون المحلي.

"يجب على الدول أن تكفل التطبيق الفعال للعقوبات وأن يكون لها تأثير رادع، وأن تتسم التحقيقات بالنزاهة والفعالية. ويمكن للهيئات الدولية، حيثما تكون مختصة، أن تكمل بشكل مفيد عمل المؤسسات الوطنية في هذا الصدد،" كما أضافت.

من جهته، أشار داستن لويس، أحد كبار الباحثين في برنامج القانون الدولي والصراعات المسلحة التابع لكلية الحقوق في جامعة هارفارد، إلى أن بعض المؤسسات الدولية موجودة بالفعل، وأن المسألة تتعلق باستخدامها فقط.

وفي أعقاب غارة جوية أمريكية على مستشفى في مدينة قندوز بأفغانستان العام الماضي، حثت منظمة أطباء بلا حدود على إجراء تحقيق من قبل لجنة تقصي الحقائق الإنسانية الدولية، على الرغم من أنها لم تتشكل على الإطلاق. كما يحق للمحكمة الجنائية الدولية ملاحقة مرتكبي الاعتداءات على الأماكن التي يتجمع فيها الجرحى والمرضى.

"مع ذلك، فطوال العقود التي مرت منذ إنشائها، لم يتم تفعيل تلك اللجنة قط، ولا تملك المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على جميع النزاعات المسلحة،" كما أشار لويس.

لقد بُنيت المساءلة على أساس الحقائق، ولكن من دون آلية مثل اللجنة التي يمكن أن تعمل بشكل مستقل، توجد حوافز كثيرة جداً لطمس الحقائق، وهذا غالباً ما يحدث عندما يتم استدعاء الجيوش للتحقيق مع أنفسها.

انظر: تحقيقات حلف الناتو حول الغارة على عيادة أفغانية: شهود قليلون ومعلومات أقل

وأكد يوكم من منظمة أطباء بلا حدود أنه "لا يوجد إجراء فعال اليوم يسمح لنا بإثبات الحقائق، بل يمكن إعاقته، وعادة ما تتم إعاقته بشكل ممنهج".

ويبدو أنه من غير المرجح أن يتغير هذا النمط ما لم تطبق الأمم المتحدة بعض التوصيات الواردة في تقرير منظمة انتراهيلث الدولية على الأقل.

jf/as/ag - ais/dvh

)المزيد من التغطية من آني سليمرود(