الهجرة في الدول النامية: اذهبوا إلى الجنوب أيها الشباب

أوبينا أنياديكي

محرر متجول ومحرر شؤون أفريقيا

في الوقت الذي نجد فيه الغرب مسكون بهاجس الهجرة من دول العالم النامي إلى أوروبا، نرى أشخاصاً يبحثون عن فرص عمل جديدة وحياة أفضل عبر الهجرة بين الجنوب والجنوب.

 

 

وعلى الرغم من أن المسافات قد تكون أقصر- إذ أن معظم الرحلات تتم بين الدول الإقليمية المتجاورة – إلا أن التنقل عبر القيود الرسمية قد يكون بنفس القدر من الصعوبة.

فخلال هذا الأسبوع، تم القبض على أكثر من 40 شاباً إثيوبياً، من منزلين في العاصمة الكينية نيروبي، يُعتقد أنهم كانوا يسعون للحصول على فرص عمل في جنوب أفريقيا، ووجهت لهم اتهامات بالتواجد في الدولة بصورة غير مشروعة.

وفي الشهر الماضي، اضطرت قوات الشرطة الكينية للتدخل لإنقاذ 23 إثيوبياً آخر من منزل في ضاحية كاهاوا التي تقع غرب المدينة إثر قيام مجموعة من السكان الغاضبين، عقب واقعة مقتل سائق سيارة أجرة، بمحاصرة العقار.

وقال أحد الإثيوبيين الذين تمت مقابلتهم إنهم وصلوا بحافلة قبل بضعة أيام وأن الكينيين الذين يستضيفونهم وعدوهم بتوفير وظائف لهم وأخذوا جوازات سفرهم.

وتعليقاً على ذلك، قال برام فروس من الأمانة الإقليمية للهجرة المختلطة أن هذه ليست حالات فردية: "يحدث ذلك بشكل أسبوعي تقريباً ... وهذا يُظهر أن كينيا أضحت مركزاً للأشخاص الذين يريدون الانتقال إلى جنوب أفريقيا أو يقصدون كينيا ذاتها".

البحث عن وظائف

والسبب الرئيسي وراء الهجرة في أفريقيا هو البحث عن فرص عمل. وفي هذا الصدد، ذكر تقرير صدر عن الأمانة الإقليمية للهجرة المختلطة، بهدف استكشاف الهجرة المختلطة والنقاش المتعلق بالتنمية: "يبدو أن هناك العديد من الفوائد الاقتصادية (للمهاجرين أنفسهم ودول المنشأ)، ولدول المقصد أيضاً".

ويضيف التقرير أن "التدابير الرامية إلى تقييد الهجرة قد تجلب آثاراً سلبية، لأنها ترفع تكاليف الهجرة ومخاطرها بالنسبة للفقراء وتقلص الفوائد عبر حصرهم في الوظائف المنخفضة الأجر في الأسواق غير الرسمية".

وفي السياق ذاته، تشير دراسة أجراها البنك الدولي مؤخراً إلى أن المهاجرين بين الجنوب والجنوب "يقدمون مساهمات كبيرة عبر التحويلات المالية". وبناءً على سيناريو افتراضي للتقييد الشديد للهجرة، خلصت الدراسة إلى أن "فقدان الدخل الذي قد يأتي في صورة تحويلات مالية يؤدي إلى انخفاض كبير في الرفاه الاجتماعي في البلدان النامية".

وتُعد إثيوبيا واحدة من الاقتصادات الأسرع نمواً في أفريقيا. ولكن نظراً لكبر عدد سكانها – الذي يصل إلى قرابة 100 مليون نسمة – فإن سعي نسبة مئوية صغيرة من سكانها إلى التماس اللجوء أو الانتقال إلى مراع أكثر اخضراراً يعني هجرة أعداد ضخمة من سكانها.

تقليدياً، لطالما كانت بلدان المقصد هي أوروبا ودول الخليج، ولكن هناك طريقاً في الجنوب لا يحظى بقدر كاف من البحث والتحليل: من كينيا وصولاً إلى جنوب أفريقيا، ثاني أكبر اقتصاد في القارة.

وتوضيحاً لذلك، قال فروس: "إن أداء الاقتصادي الإثيوبي جيد جداً، ولكن لكي يستطيع استيعاب مثل هذا العدد الضخم فإنه بحاجة إلى أن ينمو بمعدل أسرع بكثير... ولذلك، سوف يستمر الإثيوبيون في مغادرة الدولة. ونظراً لأنه لا توجد فرص عمل كثيرة هنا [في كينيا]، فسوف يواصلون الانتقال جنوباً".

وفي واحدة من الدراسات الفريدة من نوعها، قدرت المنظمة الدولية للهجرة في عام 2009 أن ما بين 17,000 و20,000 من الذكور اللاجئين والمهاجرين من منطقة القرن الأفريقي – الأغلبية الساحقة من إثيوبيا والصومال- يحاولون الوصول إلى جنوب أفريقيا كل عام. وقال فروس أن الاعتقالات الدورية التي تستهدف المهاجرين في نيروبي توحي بأن هذه الأرقام ربما لا تزال ذات مغزى.

هل يتم الترحيب بالمهاجرين؟

بصفة عامة، ترحب كينيا بجيرانها. وفي الواقع توجد سلسلة من الاتفاقات الإقليمية التي تدعم نظرياً حرية الحركة – وإن كان تطبيقها من قبل معظم الحكومات ضعيف. ولكن تعد فرص العمل قضية سياسية، وتميل الحكومات إلى عدم الخوض في النقاش المعقد حول كيفية جعل الهجرة مفيدة للجميع.

وعلى الرغم من أن إثيوبيا ليست جزءً من مجموعة شرق أفريقيا، إلا أنه يُسمح لمواطنيها بالسفر إلى كينيا من دون تأشيرة. لكن مصادرة جوازات سفر المواطنين الاثيوبيين من قبل الوكلاء الذين يسهلون السفر جنوباً يجعلهم عُرضة للاعتقال من قبل الشرطة الكينية. ويمكن أن يكون الحصول على جوازات السفر في أفريقيا أمراً شاقاً وباهظ التكلفة مما يشكل في الواقع عائقاً آخر أمام حرية الحركة.

من ناحية أخرى، أصبحت الهجرة وحماية اللاجئين ترتبط على نحو متزايد بالمخاوف الأمنية في كينيا نتيجة لسلسلة الهجمات الخطيرة التي تشنها حركة الشباب الصومالية الجهادية. ومن المعروف أن الجهاديين الصوماليين يرون في هذه الهجمات انتقاماً للتدخل العسكري الكيني في الصومال المجاورة، التي شهدت حرباً أهلية لأكثر من عقدين.

وفي هذا الإطار، يشير تقرير أمانة الهجرة المختلطة إلى أنه "رداً على التهديدات الأمنية/الإرهابية، فقد لجأت كينيا إلى تشديد سياساتها الخاصة بالهجرة واللاجئين ... وتقوم كينيا بشكل دوري بعمليات اعتقال واحتجاز للاجئين والمهاجرين، وكثيراً ما يحدث ذلك بعد وقت قصير من تدهور الوضع الأمني في البلاد".

Horn to South Africa migration map
الهجرة من القرن الإفريقي إلى جنوب أفريقيا

والجدير بالذكر أن كينيا تستضيف أكثر من 462,000 لاجئ صومالي. ولكن سياسة حصار اللاجئين التي تتبعها كينيا – المتمثلة في حرمانهم من الحق في العمل – تضر بالاقتصاد الكيني، كونها تحرمه من المهارات وخلق فرص العمل، بينما تجلب لها عمليات القبض على المهاجرين غير الشرعيين انتقادات شديدة من جماعات حقوق الإنسان.

جنوب أفريقيا الخطرة

من ناحية أخرى، لدى جنوب أفريقيا تاريخ من أعمال العنف المعادية للأجانب. فهناك ما بين 2 إلى 5 مليون مهاجر في جنوب أفريقيا، معظمهم من البلدان المجاورة، ذهبوا إليها بحثاً عن العمل أو اللجوء. وغالباً ما ينظر العاملون المحليون ذوو المهارات المتدنية في بلد يعاني من مشكلة ارتفاع معدل بطالة مزمنة إلى هؤلاء المهاجرين على أنهم يمثلون تهديداً لهم.

ويعد الصوماليون من بين المجموعات التي يُنظر إليها بازدراء بشكل خاص (إضافة إلى النيجيريين والكونغوليين)، وفقاً للمؤشر الذي أعده مشروع الهجرة في جنوب أفريقيا. ويتم استهداف أصحاب المتاجر الصوماليين بشكل خاص بعمليات إطلاق النار في الأحياء الفقيرة، وغالباً ما يتم اتهام رجال الأعمال المحليين بتأجيج أعمال العنف للتخلص من المنافسين.

مع ذلك، تُعد الهجرة بين الجنوب والجنوب استراتيجية مهمة لكسب الرزق أيضاً. وفي هذا السياق، تشير الدراسة التي أعدتها أمانة الهجرة المختلطة إلى "أنها تساعد على تنويع مصادر الدخل والمخاطر التي تواجهها الأسر، كما أنها تُعد وسيلة لضمان تعليم أفضل للجيل القادم".

في مثل هذا النوع من الهجرة، يعود المهاجرون إلى أوطانهم أكثر مما لو كانوا يقيمون في الشمال، و"يجلبون الخبرة والمهارات إلى أوطانهم عندما يعودون ويستثمرون في بلدانهم الأصلية، ويشكلون شبكات (تجارية)".

للهجرة المحلية، وليس العالمية، مزاياها.

oa/ag-kab/dvh


تم نشر النسخة العربية في 27 أبريل 2016