الانهيار الاقتصادي المتوقع في أفغانستان

جاريد فيري
محرر شؤون آسيا

الانهيار الاقتصادي في أفغانستان كان مفاجئاً ومثيراً للدهشة ويمكن التنبؤ به تماماً.

 

 

عندما سحبت الولايات المتحدة قرابة 60,000 جندي منذ أكثر من سنة، خرجت معهم أيضاً الكثير من الأموال التي تدعم الاقتصاد المضطرب. كان رحيلهم جزءاً من نهاية مهمة حلف الناتو التي شملت 100,000 جندي أمريكي و30,000 جندي من دول أخرى.

وعلى الرغم من أن عملية الانسحاب الجماعي كانت مقررة منذ سنوات، إلا أنه لم يقم أحد – سواء الحكومة الأفغانية السابقة ولا الجهات المانحة الدولية – بوضع خطة شاملة لتخفيف قوة الصدمة الاقتصادية التي سوف تلي عملية الانسحاب بالتأكيد.

وفي هذا الصدد، قال جون سوبكو، المفتش العام المكلف بإعادة إعمار أفغانستان، الذي يقدم تقارير إلى الكونغرس حول سبل صرف المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أنا لم آر أي شيء يشير إلى أننا قمنا بتطوير برامج تستبق هذا الأثر السلبي الهائل على الاقتصاد".

وأضاف "هذا عار علينا".

وبالمثل، يبدو أن المسؤولين الأفغان في إدارة الرئيس السابق حامد قرضاي كانوا يغفلون الكارثة الاقتصادية التي كانت على وشك أن تحل بهم.

وقال عمر صمد، مستشار الحكومة الحالية وسفير سابق لدى كندا وفرنسا: "لا يكفي أن يستوعب الناس معناها ويبحثوا الآثار المترتبة على الاقتصاد الكلي والجزئي التي قد تحل بأفغانستان".

"افترض الناس أن الأمور ستسير كالمعتاد". 

لكن الأمر لم يكن كذلك. فقد غادر الكثير من رجال الأعمال مع الأمريكيين.

وفي تعليقات مدرجة في تقرير صدر في يناير عن مكتب سوبكو، قال الرئيس الأفغاني أشرف غني أن الدولة فقدت ما لا يقل عن 100,000 فرصة عمل في قطاع النقل وحده، ما كان يساهم بحوالي 22 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان. وكان قطاع البناء والخدمات المتصل به يعتمد إلى حد كبير على العقود العسكرية الأمريكية ويمثل 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد كان للخسائر في الأموال التي كانت تتدفق على الاقتصاد من الوظائف والعقود المتصلة بالجيش الأمريكي أثر فوري، إذ تراجع النمو الاقتصادي، وفقاً للبنك الدولي، بنسبة 1.3 بالمائة في عام 2014، من متوسط قدرة 6.9 بالمائة من عام 2007 إلى عام 2012. وانخفض متوسط الدخل السنوي للشخص الواحد من 730 دولاراً في عام 2013 إلى 680 دولاراً في السنة التالية.

Afghanistan economic growth rates
البنك الدولي
معدلات النمو الاقتصادي في أفغانستان

من المسؤول؟

طلبت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) تعليقاً من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع حول الأزمة الاقتصادية الراهنة، وعدم الاستعداد لها، والفشل الذي كشفه مكتب المفتش العام المكلف بإعادة إعمار أفغانستان فيما يتعلق بمشروعات المعونة الأمريكية. ولم ترد على هذا الطلب سوى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فقط.

وقال لاري سامبلر، الذي يعمل مع الوكالة فيما يختص بالشؤون الأفغانية والباكستانية: "قبيل الخفض التدريجي للقوات الدولية والانتخابات التي أجريت عام 2014، وضعت الوكالة خطة انتقالية لتوجيه الدعم للنمو الاقتصادي القائم على الزراعة، مع التركيز بوجه خاص على دعم قدرة الحكومة الأفغانية على توليد الإيرادات اللازمة لدعم القطاع الخاص الأفغاني".

وكمثال على ذلك، استشهد سامبلر بتطوير الوكالة لنظام الدفع الإلكتروني للرسوم الجمركية على الواردات. في السابق، كان يتم تحصيل المدفوعات نقداً، ثم يتم إرسالها إلى البنك في سيارة مصفحة. لكن المدفوعات الإلكترونية أسرع وأكثر أماناً وتتيح للحكومة جمع الرسوم الجمركية، التي تُعد مصدراً رئيسياً للإيرادات، بطريقة أكثر كفاءة.

وتعليقاً على ذلك، قال سوبكو أن العديد من البرامج الممولة من الولايات المتحدة كانت ناجحة، ولكن عملية إعادة الإعمار بشكل عام اتسمت بسوء الإدارة والإهدار. وهذا النهج العشوائي أدى مباشرة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية. وفي حين أنه ربما يكون لدى وكالة التنمية الدولية وغيرها من الوكالات استراتيجياتها الخاصة للتخفيف من حدة الأمور الاقتصادية في أفغانستان خلال الفترة الانتقالية، إلا أنها كانت تفتقر للتنسيق القوي، كما لم تكن هناك خطة شاملة.

وقد رفضت وزارة المالية الأفغانية التعليق.

ما الخطأ؟

لقد ضخت الولايات المتحدة وحدها ما لا يقل عن 113 مليار دولار من المساعدات في إعادة إعمار أفغانستان منذ المساعدة على الإطاحة بحركة طالبان في نهاية عام 2001، وفقاً لمكتب المفتش العام المكلف بإعادة إعمار أفغانستان. وهذا لا يشمل العمليات القتالية التي تقوم بها القوات الأمريكية على الأرض، ومن ثم قد تصل التكلفة إلى ما يقرب من 1 تريليون دولار، وهذا المبلغ يفوق ما أنفقته الولايات المتحدة على خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من هذا الاستثمار المذهل، فلا يوجد أي وجه للشبه بين أفغانستان في عام 2016 وألمانيا الغربية بعد 14 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية. إذاً، ما الخطأ؟

هناك الكثير جداً من الأخطاء، كما سيتبين لنا.

نشر مكتب المفتش العام المكلف بإعادة إعمار أفغانستان سلسلة من التقارير تكشف الإهدار والفساد وسوء الإدارة للبرامج التي تقودها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية. وتشمل التقارير تحقيقاً في إنفاق وزارة الدفاع مبلغ 486 مليون دولار على طائرات شحن للقوات الجوية الأفغانية، واكتشف لاحقاً أن "هذه الطائرات لا تفي حتى بمتطلبات العمل في البيئة الأفغانية". وفي نهاية المطاف، تم بيع 16 من تلك الطائرات كخردة معدنية بستة سنتات للرطل، أي بمبلغ 32,000 دولار.

وأظهر تحقيق آخر أن فريق العمل في وزارة الدفاع المعني بالأعمال وعمليات الاستقرار أنفق نحو 150 مليون دولار على توفير السكن للموظفين الذين أشرفوا على "مشاريع لم تنته، وتعاني من سوء التخطيط وسوء التقدير". كما تضمنت خطة بمبلغ 6 ملايين دولار لاستيراد تسعة رؤوس ماعز إيطالية لتحفيز صناعة الكشمير. وقد تم حل فريق العمل ولم يعرف بعد مصير الماعز.

وبطبيعة الحال، لم تكن كافة المشاريع فاشلة، ولا شك في أن الاقتصاد الأفغاني أفضل حالاً الآن مما كان عليه تحت حكم طالبان. ولكن النهج العام لإعادة بناء أفغانستان كان عشوائياً، كما يقول المطلعون.

وقال بيل بيرد، الذي عمل مديراً قطرياً ومستشاراً اقتصادياً في البنك الدولي في أفغانستان من عام 2002 إلى 2006، وهو الآن يعمل مع معهد الولايات المتحدة للسلام: "لقد كانت هناك مشكلات مع المعونة التي طُلب أن يتم إنفاقها بسرعة كبيرة جداً، والكثير منها لم يكن موجهاً للتنمية على المدى الأطول".

وقال بيرد وآخرون، من بينهم صمد، أن الجهات المانحة أهملت قطاع الزراعة المهم، فضلاً عن مجالات أخرى ذات أهمية مثل إدارة المياه وتطوير البنية التحتية. وقال صمد لقد انصب التركيز الرئيسي على الأمن، بينما سار التخطيط الإنمائي بشكل "خاطئ".

وأضاف قائلاً: "كل عام أو اثنين، يجتمع الجميع معاً ويغيرون المسار، ويغيرون الأولويات...لم نكن متسقين جداً فيما يتعلق بالمتابعة والتنفيذ".

وعدم التركيز جعل بعض قطاعات الاقتصاد، بل وبعض الأفراد يستفيدون بشكل كبير، في حين تُرِك آخرون من دون مساعدة. ويظهر تقرير للبنك الدولي أن معدل الفقر ظل عند 36 بالمائة بين عامي 2007 و2012 حتى وإن كان هناك نمو اقتصادي قوي، بما في ذلك نسبة 21 بالمائة المدهشة التي تم تسجيلها في عام 2009. وبدلاً من أن تساهم تلك الخطط في رفع مستويات المعيشة لغالبية الأفغان، فقد زادت من التفاوت بينهم.

A shoeshine boy in Kabul
جيم هيليبرك/إيرين
العديد من الأسر الفقيرة ترسل أطفالها للعمل مثل هذا الصبي لتلميع الأحذية في كابول.
ماذا الآن؟

ليست جميع الأخبار سيئة، إذ يتوقع البنك الدولي أن يرتفع النمو الاقتصادي بشكل مطرد في السنوات القليلة القادمة. وكانت هناك نجاحات كبيرة في مجالي الصحة والتعليم، فضلاً عن تدريب وتجهيز الجيش الأفغاني، الذي يواجه الآن تمرداً متصاعد ليس من قبل حركة طالبان فحسب، بل من مجموعات أخرى بما في ذلك ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية كذلك.

وفي السياق ذاته، قال بيريد أن تدهور الوضع الأمني يشعل الأزمة الاقتصادية، وأن الانقسامات في أوساط الحكومة تساعد في ذلك.

والجدير بالذكر أنه قد تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في أفغانستان كوسيلة للخروج من الأزمة السياسية، بعد أن كادت نتائج انتخابات 2014 المتنازع عليها تزج بالبلد في صراع مسلح آخر. وأشرفت الأمم المتحدة على مراجعة واسعة النطاق، ولكن النتائج لم تعلن. وفي نهاية المطاف، تم تعيين غني رئيساً للدولة، وتم استحداث منصب جديد باسم كبير الموظفين التنفيذيين لمنافسة عبد الله عبد الله.

وقال بيرد "يبدو تقريباً أن الاتفاق لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية كان بمثابة وصفة للتقاعس عن العمل، وهذا الأمر يمثل مشكلة...تحتاج حكومة الوحدة الوطنية أن تعمل كحكومة موحدة تستجيب لما تتوافق عليه الآراء على أنه يمثل طوارئ وطنية".

وهناك دلائل على أن حكومة الوحدة الوطنية يمكن أن تكون حاسمة. فقد أشار بيرد إلى نجاح الحكومة في الحصول على موافقة البرلمان على الزيادات الضريبية، وتحسين جمع الضرائب، وزيادة إيرادات الحكومة بأكثر من 20 بالمائة في العام الماضي.

وأضاف "أعتقد أنه مثال على أنه ليس من المستحيل على الحكومة العمل، فقد حققت نجاحاً موثوقاً ومهماً... كان الوضع سيزداد سوء إذا استمر نزيف الإيرادات بحلول عام 2015".

وقال صمد أنه من المستحيل استبعاد ضعف الأمن والحكم من الأزمة الاقتصادية، والحل يكمن في إدخال تحسينات في هذه المجالات. وقلل صمد من شأن الانقسامات في حكومة الوحدة الوطنية، وأشار إلى التزامات غني التي تحظى بإشادة واسعة النطاق بمكافحة الفساد، فضلاً عن الجهود التي تبذلها الحكومة لخلق مجال سياسي لعقد مفاوضات سلام مع حركة طالبان.

وحتى إذا كانت استراتيجيات الحكومة لمكافحة الفساد ومفاوضات السلام ستنجح، فإن ذلك لن يحدث في وقت قريب.

وقال صمد "لا أحد يعقد أماله على حدوث السلام غداً".

الأفغان يرحلون

سئم كثير من الأفغان الانتظار حتى تتحسن الأمور. وبدلاً من ذلك، يغادرون البلد بأعداد أكبر مما كانت عليه في أي وقت منذ أن كانوا تحت حركة طالبان. ويشكل الأفغان ثاني أكبر عدد من الوافدين في أوروبا بعد سوريا، حيث يمثلون ما يقرب من ربع طلبات اللجوء، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

فعلى سبيل المثال، تستعد أسرة طاهري، لغلق متجرها والتوجه إلى أوروبا –أي مكان في أوروبا- على الرغم من التكاليف والمخاطر الكبيرة.

وأوضح أحمد طاهري (ليس اسمه الحقيقي)، وهو يقف خارج مكتب الجوازات المركزي في العاصمة كابول، أن المبيعات في متجر الأقمشة الذي يمتلكه كانت بطيئة جداً خلال العام الماضي لدرجة أنها بالكاد تمكنه من إعالة زوجته وأطفاله الثلاثة.

وقال شقيقة الأصغر، عبد الله: "لقد وصلنا الآن إلى خلاصة مفادها أنه إذا انتظرنا فسوف تزداد الأمور سوءاً ... هذا هو السبب الذي يجعلنا ننفق كل ما لدينا للوصول إلى مكان أفضل – إذا لم يكن لنا فسيكون على الأقل للجيل القادم".

(ساهم نزار أحمد في إعداد التقرير من كابول. صورة الغلاف: مواطنون أفغان يصطفون أمام مكتب الجوازات المركزي في كابول في أغسطس عام 2015)

jf/ag-kab/dvh


تم نشر النسخة العربية في 17 مارس 2016