الذهاب أبعد من الحرب على المخدرات

من غير المرجح حدوث إصلاح خلال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن لا يزال هناك أمل في التغيير

من المعروف على نطاق واسع أن "الحرب على المخدرات" قد فشلت. فقد أشعل النهج الذي يأخذ بُعداً عسكريا، باعتماده على الحظر والسجن، مستويات صادمة من العنف والبؤس، ووصلت تكلفته إلى مليارات الدولارات، وأخفق في الحد من العرض والطلب على حد سواء.

 

ومن المقرر أن تتبنى الدورة الاستثنائية للجمعية العامة الأمم المتحدة في شهر أبريل موقفاً موحداً بشأن مكافحة المخدرات، ولكن هناك قليلون ممن يتوقعون حدوث تغيير جذري في إطار العمل العالمي المحافظ المتبع في الوقت الراهن.

ولهذا السبب يتحول بعض الإصلاحيين إلى "أهداف التنمية المستدامة" كمخطط للمستقبل.

وقد طرح نقاد حملة "الحرب على المخدرات" منذ فترة طويلة مصطلح "الحد من الضرر" للضغط من أجل اتباع نهج أكثر إنسانية للتعامل مع الإدمان كمشكلة صحية وليس جريمة.

ويشيرون في هذا الصدد إلى التناقضات الصارخة بين إطار العمل الخاص بسياسة المخدرات الحالية وبرنامج التنمية العالمية الجديد، الذي يحظى بتأييد عالمي.

انظر: الحرب على المخدرات: أضرار جانبيه

والحرب على المخدرات لم تفشل فحسب، بل كدست أيضاً المزيد من العلل التي تسعى أهداف التنمية المستدامة إلى معالجتها كانتهاكات الحقوق، الحبس الجماعي، وتدمير سبل العيش، والعنف، وحرب العصابات، وضعف الدول، والفقر، وانتشار فيروس نقص المناعة البشرية، التمييز بين الجنسين.. والقائمة تطول.

حلم بعيد المنال

واعتبرت أهداف التنمية المستدامة نقطة انطلاق لحل هذه المشاكل من القاعدة إلى القمة وليس من القمة إلى القاعدة. ويرى الخبراء أنه إذا تم تحقيق 50 بالمائة من الأهداف الإنمائية الـ 17، فإن الأفراد والمجتمعات والدول سيكونون أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الدمار الناجم عن إساءة استخدام المخدرات والاتجار بها، وإذا ما تم توجيه الـ 100 مليار دولار التي تنفق سنوياً على إنفاذ القوانين الخاصة بمكافحة المخدرات نحو السياسات الرامية إلى تعزيز التنمية بدلاً من ذلك، فسيكون من السهل أيضاً تحقيق بعض من أهداف التنمية المستدامة.

قد يكون العالم "الخالي من المخدرات" الذي تتوخاه السياسة الحالية حلماً بعيد المنال، ولكن العيش في عالم تتم فيه إدارة المخدرات غير المشروعة وإخضاعها للسيطرة بطرق أقل ضرراً يبدو حلماً واقعياً.

وفي هذا الصدد، قال جون كولينز، محرر تقرير "ما بعد حروب المخدرات" الصادر عن كلية لندن للاقتصاد أن "أهداف التنمية المستدامة لا تعالج السياسات المتعلقة بالمخدرات أو تحلها، ولكنها تقدم لنا إطاراً لمعالجة هذه المسائل بطرق أفضل بحيث لا تتسبب ببساطة في وقوع أضرار جديدة".

نهج يستند على الأدلة

وهناك أوراق بحثية أخرى تضع أيضاً التنمية في صميم المناقشات الخاصة بصياغة سياسة جديدة للمخدرات. وتوصي جامعة الأمم المتحدة في تقريرها الصادر بعنون "ماذا بعد الحرب على المخدرات"، بتشكيل فريق عمل يعكف على وضع أهداف عالمية لمكافحة المخدرات، بنفس الطريقة التي مهدت الطريق لصياغة أهداف التنمية المستدامة.

وفي ورقة حظيت بإشادة واسعة النطاق، تحت عنوان "معالجة الأبعاد الإنمائية لسياسة المخدرات"، يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سلسلة ضحايا الحرب على المخدرات. ويقتبس بطريقة دبلوماسية اعترافات يوري فيدوتوف، رئيس مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بشأن بعض النتائج السلبية لهذه الاستراتيجية، ويقدم بعض المؤشرات حول سبل توجيه سياسة مكافحة المخدرات لتصبح أكثر "مراعاة للأبعاد التنموية".

ويحث مؤلفو التقرير على أن يلعب برنامج الأمم المتحدة دوراً أكبر في المساعدة في تطوير نهج أكثر اعتماداً على الأدلة، ومراعاة للناس وتركيزاً على التنمية في سياسة مكافحة المخدرات".

وفي ورقة بحثية أعدتها كلية لندن للاقتصاد، يقول مارك شو، مدير "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود"، أنه ينبغي تطبيق نهج موجه نحو التنمية والحد من الضرر على طول سلسلة إمداد المخدرات، وعلى تجار المخدرات خاصة وعلى الجريمة المنظمة بشكل عام. 

وتوضيحاً لذلك، قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "مع وصول أهداف التنمية المستدامة، لدينا أكبر فرصة في جيل واحد للنظر إلى المرحلة الختامية لسلسلة إمداد المخدرات ومعالجتها بشكل مختلف".

تجميل الممارسات

وفي الوقت الحالي، لا يتم ذكر سياسة المخدرات في أهداف التنمية المستدامة إلا في الهدف رقم 3.5 المتعلق بالوقاية والعلاج من إساءة استخدام المخدرات، في إطار الهدف الخاص بالصحة والرفاه.

وفي إطار العمل الخاص بسياسة المخدرات الحالية، يتم تعريف التنمية تعريفاً ضيقاً باعتبار أنها "التنمية البديلة"، مشيراً على سبيل المثال إلى إيجاد سبل كسب الرزق لمزارعي الخشخاش والكاكاو الذين أصبحوا فقراء جراء حملات تدمير المحاصيل. ولأسباب مختلفة أخفقت هذه البرامج إلى حد كبير، التي انتقدها البعض باعتبارها ممارسات رمزية لتجميل الوضع.

لكن أي إغراء حول ما يمكن أن يتمخض عنه اتباع نهج أكثر تماسكاً "للتنمية أولاً" يفقد أثره بسبب المشكلة الواضحة التي لا يريد أحد أن يعالجها وهي: القائمة الطويلة من البلدان التي ليس لديها أية نية للتزحزح عن النظام الحالي الموجه نحو إنفاذ القانون.

وتشمل هذه الدول إيران وروسيا والصين والهند واليابان ومجموعة من الدول الأخرى في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

ولهذا السبب ليس هناك تفاؤل كبير من أن يسفر الحدث الذي يستمر لثلاثة أيام في شهر أبريل – الذي سيشارك فيه مسؤولون حكوميون وسياسيون ونشطاء من المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم في نيويورك –عن تغييرات ملموسة.

وليس هناك أيضاً أي احتمال حقيقي لإجراء إصلاح شامل للمعاهدات الثلاث المعنية بالمخدرات لعام 1961 و1971 و1988 التي تحكم الإطار الحالي عندما يحين وقت المراجعة الرسمية لها في عام 2019، أو الهياكل الرئيسية التي تحكم هذه السياسة: لجنة مكافحة المخدرات والهيئة الدولية لمراقبة المخدرات.

المرونة

ومن المرجح أن تسفر الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة عن وثيقة توافق آراء تتمسك بالإطار القائم لمكافحة المخدرات ولكن تتيح في الوقت ذاته للدول الأعضاء المرونة اللازمة لمواصلة السياسات الخاصة بها وتجربة سياسات جديدة.

والجدير بالذكر أن هذه المرونة بدأت تحدث بالفعل في ظل قيام بعض الدول بإلغاء تجريم حيازة القنب وزراعته، بل جعلت ذلك أمراً مشروعاً.

2.27 tons of seized marijuana and cocaine are analysed and inventoried before being transferred by armed convoy to Ganthier for destruction. There, the Haitian National Police will destroy the illegal drugs with the support of the United Nations Stabiliza
الأمم المتحدة/فكتوريا هزو
كميات من الماريجوانا والكوكايين التي ضبطتها الشرطة الهايتية

وفي حين بدأت العديد من الدول الأوروبية (سويسرا والبرتغال وهولندا على سبيل المثال) منذ سنوات في تطبيق تجارب "الحد من الضرر" – مثل برامج تبادل الإبر التي تعالج إساءة تعاطي المخدرات كمشكلة صحية أكثر من كونها جريمة – فقد دعت دول أمريكا اللاتينية صراحة إلى ضرورة التخلي عن الحرب على المخدرات التي تتم بقيادة الولايات المتحدة.

تتحمل هذه الدول العبء الأكبر من عنف العصابات والنزوح الجماعي الذي تنتجه هذه الاستراتيجية عن غير قصد. وقد دعت المكسيك وغواتيمالا وكولومبيا في عام 2012 لعقد الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة أملاً في تغيير الوضع الراهن قبل مراجعة السياسة الخاصة بمكافحة المخدرات في عام 2019.

مع ذلك، لم يترجم بعد هذا التغيير في اللهجة إلى ممارسات أكثر مرونة في إنفاذ القانون في بلدان أمريكا اللاتينية، كما تشير كاتالينا بيريز وآخرون في ورقة بحثية ضمن تقرير كلية لندن للاقتصاد. 

وقد جاءت الدفعة الحقيقية تجاه تبني مزيد من المرونة عندما اختارت الولايات المتحدة نفسها اتباع هذا المسار، في ظل تحركات لوقف سجن الأشخاص بسبب جرائم المخدرات الطفيفة وإقدام بعض ولاياتها على عدم تجريم بل وحتى إضفاء الصبغة القانونية الماريجوانا.

في السياق ذاته، تتوقع سمر ووكر، التي ترأس مشروع السياسات المعنية بمكافحة المخدرات في جامعة الأمم المتحدة، أن تتمخض الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة عن "وثيقة توافق آراء بين عدد من الأطراف الفاعلة التي تريد أشياء مختلفة". ولكن من غير المحتمل أن تدفع الدورة، حسبما تقول "أي من الدول نحو سياسية جديدة".

وحدة بشأن حقوق الإنسان

ويشير تقرير جامعة الأمم المتحدة إلى أن وثيقة الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة سوف تحقق توافقاً في الآراء حول مفاهيم مثل احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وتحديداً بسبب طبيعة هذه المصطلحات الغامضة.

ولدى الدول الأعضاء المختلفة مواقف مختلفة جداً بشأن كيفية التعامل على سبيل المثال، مع مدمني وتجار المخدرات. ففي عام 2011، أعدمت إيران 540 شخصاً على خلفية جرائم تتعلق بالمخدرات (أي قرابة 80 بالمائة من جميع الذين أعدمتهم في ذلك العام). وذكرت منظمة العفو الدولية أنها، أي إيران، أعدمت ما يقرب من 700 شخص في النصف الأول من عام 2015، معظمهم بسبب جرائم المخدرات. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات، على الرغم من أن معدلات الإدانات المتعلقة بالاتجار في المخدرات شهدت استقراراً على مستوى العالم، إلا أن جرائم حيازة المخدرات ازدادت بنسبة 13 بالمائة منذ عام 2003.

وبينما لا تبدي العديد من الدول الأخرى "أي شهية" لتغيير سياساتها القاسية في مكافحة المخدرات، إلا أننا نأمل في أن تصبح سياسات هذه الدول أقل جاذبية عندما تثبت سياسات "الحد من الضرر" نجاحها، حسبما يرى كولينز الذي يقول: "لا يمكننا الحصول على توافق في الآراء على الصعيد الدولي، ولكن هناك الآن مجال لأن تمضي دول أخرى قدماً في انتهاج سياسات أكثر تحرراً".

من جهة أخرى، يحذر مارك شو من أن زيادة القبول باستراتيجيات الحد من الضرر فيما يتعلق بجانب العرض يمكن أن يؤدي إلى "تنازل طفيف للمتشددين: حديث أكثر عن نُهج الصحة ينبغي أن تقابله ممارسات إنفاذ القانون أكثر صرامة".

ويرى أنها سوف تكون بمثابة فرصة ضائعة إذا لم يتم تطبيق "إطار متعدد الأبعاد للحد من الضرر" فيما يختص كذلك بسلسلة إمداد المخدرات والجريمة المنظمة بشكل عام.

ويمكن أن يعني هذا تركيز أقل على عدد الأشخاص الذين يتم القبض عليهم ومصادرة المخدرات التي بحوزتهم وتركيز أكثر على الحد من معدلات جرائم القتل ومؤسسات الرعاية مثل وجود وسائل إعلام حرة تساعد الدول في مقاومة الفساد الناجم عن أموال المخدرات.

ماذا عن المستقبل؟

يحذر جيمس كوكين، رئيس جامعة الأمم المتحدة من أن المرونة يمكن أن تؤدي إلى تجزؤ السياسات.

ويمكن أن تشهد مع مرور الوقت استقطاباً أكثر في المواقف وتوفر غطاء للدول، التي لا ترغب في الالتزام بحقوق الإنسان، لتجاهل تلك الحقوق في حملاتها المستمر على المخدرات.

ويشير أيضاً إلى أنه من الصعب اعتماد نظام صحة عالمي عندما تكون السياسات الوطنية بشأن كيفية التعامل مع متعاطي المخدرات عن طريق الحقن الوريدي، على سبيل المثال، مختلفة بشكل كبير. ويستشهد هو وآخرون بالدخول الممكن لكاليفورنيا، خامس أكبر اقتصاد في العالم، إلى تجارة القنب المشروع كمغير محتمل لقواعد هذه التجارة، ولكن بطرق يستحيل التنبؤ بها.

ويوصي تقرير جامعة الأمم المتحدة بأن تجرى مناقشة لوضع سياسة جديدة لمكافحة المخدرات خارج لجنة المخدرات، "التي ترى فيها دول كثيرة جداً أنها لا تمثلها بشكل كاف وأنها أسيرة لخطاب مكافحة مخدرات ثبت فشله في تحقيق الاتساق مع أهداف السياسات العامة الأخرى للأمم المتحدة، مثل تعزيز السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان".

وترى الورقة البحثية أنه ينبغي إنشاء منتدى مؤقت جديد بغية العمل من أجل وضع "سياسة عالمية أكثر تماسكاً لمكافحة المخدرات" في الفترة من عام 2016 إلى 2019.

والخبر السار هو أن هناك بالفعل الكثير من التحولات الملحوظة. وحتى إذا كان مصطلح "الحد من الضرر" ما زال غير مقبول لدى العديد من الدول ولن يدرج في وثيقة الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن الخبراء يرون أن مبادئه أصبحت تحظى بقبول أوسع.

ومثلما أن تحقيق الأهداف الشاملة للتنمية المستدامة يجذب كل دولة من الدول الأعضاء وجميع مستويات المجتمع، فإن سياسة المخدرات أيضاً ستجذب مجموعة أوسع نطاقاً من الأصوات – من منظمات المجتمع المدني التي أصبحت ذات نفوذ متزايد في الحوار العالمي، إلى العديد من وكالات الأمم المتحدة الأخرى التي تنضم الآن إلى الحوار، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، ومنظمة الصحة العالمية، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.

pg/oa/ag-kab-dvh