لاجئو مخيم داداب بين المطرقة والسندان

محاصرون بين حركة الشباب وحملة القمع في كينيا

مولد هوجالي

صحفي صومالي مهتم بتغطية الأخبار الإنسانية وشؤون منطقة القرن الإفريقي

بعد مرور تسع سنوات على إكمال المدرسة الثانوية في مخيم داداب للاجئين في كينيا، حصل محمد عبد الله أخيراً على منحة للدراسة في نيروبي. ولكن الحملة الأمنية التي تقوم بها السلطات الكينية بشأن تحركات اللاجئين تعني تعرّض حلمه منذ زمن بعيد بالحصول على التعليم الجامعي للخطر.

 

يقع مخيم داداب في شمال شرق كينيا، وهو بمثابة مخيم مغلق حيث تصدر إدارة شؤون اللاجئين في الدولة أذونات تحرك خاصة للاجئين الذين يرغبون في الانتقال لخارج المخيم. ولكن السلطات الكينية قلّصت من إصدار هذه التصاريح في أعقاب الهجوم الذي نفذته حركة الشباب الصومالية الجهادية في شهر أبريل من العام الماضي على جامعة غاريسا، مما أسفر عن مقتل 147 طالباً.

شكل هذا الهجوم صدمة للكينيين. وأدرك اللاجئون في مخيم داداب، الذي يقع على بعد نحو ساعتين براً من غاريسا، أن ثمة حملة أمنية قادمة لا محالة، وذلك عندما حذر وليام روتو، نائب الرئيس الكيني بقوله: "كما تغيرت أمريكا عقب 11 سبتمبر فسوف تتغير كينيا عقب [هجوم] غاريسا".

وقد توقفت إدارة شؤون اللاجئين عن إصدار وثائق السفر في أعقاب الهجوم مباشرة، ما أدى إلى تغيب عبد الله عن امتحاناته ما يزيد على فصلين دراسيين. وتعليقاً على ذلك، قال عبدالله: "لقد حاولت إقناعهم بجميع الوسائل لكي يسمحوا لي بأداء الامتحانات ولكن من دون جدوى". وقد تقدمت المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون اللاجئين بالتماس بالنيابة عنه، لكنه قوبل بالرفض أيضاً.

ولكن عملية التجميد هذه ليست مطلقة، الأمر الذي قد يكون أكثر مدعاة للإحباط. وأضاف عبد الله أن "آخر مرة اعطونا فيها وثيقة، كانت واحدة فقط لمجموعة من 14 طالباً للذهاب إلى الجامعات المختلفة في غاريسا وثيكا ونيروبي".

"كان يتعين علينا أن نقوم بتصوير نسخة لكل طالب ولكن قوات الشرطة اعتقلتنا في الطريق وطالبتنا بضرورة إحضار الوثائق الأصلية لكل طالب".

التعليم حق، إلا إذا كنت في داداب

أي طالب في داداب ينجح في الوصول إلى المدرسة الثانوية يكون محظوظاً. وعلى الرغم من أن هناك 350,000 لاجئ في هذا المجمع المترامي الأطراف الذي يضم خمسة مخيمات – ما يشكل ثالث أكبر مدينة في كينيا – إلا أنه لا يحتوي سوى على سبع مدارس ثانوية. كما أن التعليم لا يحصل على القدر الكافي من التمويل من الجهات المانحة الدولية، مما يجعل فرص الوصول والالتحاق بالمدارس محدودة للغاية.

انظر أيضاً: مخيم اللاجئين الذي أصبح مدينة

والعلاقة بين سكان المخيم والسلطات الكينية علاقة متوترة، إذ يتهم السياسيون الكينيون حركة الشباب باستخدام المخيمات كقاعدة لهم، وهناك دعوات تصدر من حين لآخر لإغلاق داداب، وطرد اللاجئين – كان آخرها من قبل روتو، لكن الضغوط الدولية أجبرته على التراجع.

وفي عام 2011، تدخل الجيش الكيني في جنوب الصومال، في البداية بدعم من الحكومة في مقديشو، لوضع حد للهجمات التي تقوم بها حركة الشباب عبر الحدود. لكنها لم تؤت النتيجة المرجوة.

كبش فداء

وبدلاً من احتواء الجهاديين، حدث تصاعد في أعمال العنف في كينيا، بما في ذلك هجوم على مركز ويستجيت للتسوق في عام 2013 الذي أسفر عن مقتل 67 شخصاً، وعدة هجمات بالقنابل اليدوية في نيروبي.

وجاء رد الحكومة في عام 2014 عبر شن حملة لاعتقال الصوماليين الذين يقيمون بصورة غير مشروعة في نيروبي. من جانبها، قالت جماعات حقوق الإنسان أن الحملة الأمنية هي ذريعة للابتزاز، وأن استخدام جميع الصوماليين ككبش فداء سوف يثبت في نهاية المطاف عدم جدواه.

وتوضيحاً لذلك، قالت حليمة أحمد، إحدى اللاجئات في المخيم: "لقد شعرنا بالضغوط هنا داخل المخيمات. عندما كان رفاقنا اللاجئون يتعرضون للمضايقات في نيروبي، كنا نحن أيضاً نتعرض لحملة مماثلة".

"كانت تلك واحدة من أصعب الأوقات بالنسبة لنا. لم نكن نجرؤ حتى على نقل المرضى إلى نيروبي للعلاج. كنا نخشى أن يجبرونا على مغادرة داداب، والصومال ليست آمنة".

بين المطرقة والسندان

ويشعر اللاجئون في المخيمات بأنهم محاصرون بين مطرقة قوات الأمن الكينية التي لا تثق بهم، وسندان عناصر حركة الشباب الذين يعاقبون من يعتبرونهم خونة.

وقال حسن عبدي، وهو متطوع ضمن عناصر تأمين المخيم: "دعمنا قوة الدفاع الكينية في دخول الصومال لأننا كنا نظن أنها ستسهم في إحلال الاستقرار في المنطقة ومن ثم نحصل على فرصة للعودة إلى بلدنا للمرة الأولى خلال عقدين من الزمن".

وقد تعرّض عمال الإغاثة في داداب للاختطاف، كما يقيد انعدام الأمن حركتهم. وعلى الرغم من أن قادة المجتمعات المحلية يقومون بدور مهم في هذا الشأن، بما في ذلك تنظيم دوريات أمنية من المتطوعين لكن حركة الشباب تعتبرهم متواطئين وقتلت بعض قادة اللاجئين.

اضطر عبدي إلى عدم الاستمرار في العمل التطوعي، وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لم أستطع الاستمرار في المخاطرة بحياتي. عندما قتل زملائي، أدركت أنني سأكون الضحية التالية فاضطررت إلى التوقف والفرار خوفاً على سلامتي".

"حتى لو اضطررت للتضحية بحياتي للتعاون مع الشرطة وخدمة مجتمعي، كانت الشرطة تعاملنا مثل أعضاء حركة الشباب وتقوم بتضييق الخناق على اللاجئين الأبرياء، لذا شعرت بالإحباط".

ومن المفترض أن توفر سياسة الحكومة الكينية في المخيمات مستوى أفضل من الأمن. وعلى الرغم من أنه يتعين على اللاجئين حمل بطاقات الهوية الصادرة عن إدارة شؤون اللاجئين في جميع الأوقات، إلا أن الفساد الذي يتورط فيه بعض صغار الموظفين يقوض جهود الحكومة، ويحظى ببعض التأييد من جانب اللاجئين.

وتوضيحاً لذلك، قالت فاطمة إبراهيم، وهي أم لخمسة أطفال تعيش في مخيم داغاهالي: "تم احتجازي عند نقطة تفتيش عشوائية بين مخيم إيفو وداغاهالي في الأسبوع الماضي. أظهرت للشرطة بطاقة هويتي كلاجئة لكنهم قالوا أنها غير سارية المفعول. وأفرج عني في وقت لاحق بعدما دفعت بعض المال".

ولا يمتلك كل شخص بطاقة الهوية البالغة الأهمية. وتوضيحاً لذلك، قال أحد قادة اللاجئين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد أصبحت الآن واحدة من أكبر التحديات التي تواجه اللاجئين في داداب. سواء كنت تريد بطاقة جديدة أو استخراج بطاقة بديلة، يجب أن تدفع المال للحصول عليها".

"من المفترض أن تكون هذه الخدمة مجانية لكنها أصبحت الآن للأسف عملية تجارية، بحسب الشكاوى التي نتلقاها من أفراد المجتمع".

وضع بائس

والحياة في مخيم داداب لم تكن يوماً مريحة، إذ ينتهي اليوم في المخيم عند الساعة 06:00 مساءً، وعندما يحل الظلام، يذهب الناس إلى خيامهم. يتوفر لدى عدد قليل فقط من السكان طاقة كهربائية قاموا بتوصيلها على نفقتهم الخاصة، يتم تشغيلها حتى الساعة 10:00 مساءً، كأقصى حد.

وتعليقاً على ذلك، قال هادي حاشي، أحد اللاجئين الذين يقيمون في داداب: "عندما تغرب الشمس، يمكث العاملون في وكالات المعونة في مجمعاتهم المحصنة جيداً، والتي تخضع لحراسة مشددة، في حين يترك اللاجئون وحدهم في الخيام".

"ويشكل الإبلاغ عن أي شيء مثل السرقة أو الاغتصاب إلى قسم الشرطة في الليل مخاطرة كبيرة جداً لأن الأمر قد ينتهي بإلقاء القبض على الشخص المُبلِّغ. ولا يتعامل أفراد الشرطة بشكل ودود خلال الليل لأنهم يخشون التعرض لهجوم".

عبد الله فرح من بين الطلبة الذين لم يتمكنوا من حضور امتحاناتهم في العام الماضي، فاضطر لدفع بعض المال للتسجيل في امتحانات خاصة لتعويض ما فاته، وهو الآن في الفصل الدراسي النهائي.

وعبد الله عازم على استكمال الدراسة الجامعية مهما كانت التكلفة. "يمثل ذلك بالنسبة لي استراتيجية وجود. أريد أن أعود واستخدم ما تعلمته لإعادة بناء الصومال"، حسبما قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

"العودة تستحق المخاطرة لأنني سأعيش على الأقل حراً...لا أريد أن أضيّع مهاراتي ومواهبي في المخيمات، لأنني سأظل لاجئاً مهما كانت الدرجة الجامعية التي أحصل عليها".

* ليس اسمه الحقيقي

mh/oa/ag-kab/dvh