إصلاح العمل الإنساني: المطروح وغير المطروح على الطاولة

مع تزايد الضغط من أجل التوصل إلى مقترحات محددة حول مستقبل المساعدات الإنسانية، بدأت المساومات والمفاوضات بشكل جدي وراء الكواليس في الفترة التي تسبق انعقاد أول قمة عالمية للعمل الإنساني (WHS) في اسطنبول في شهر مايو القادم.
 
ويمثل إطلاق رؤية الأمين العام للأمم المتحدة لإصلاح العمل الإنساني الأسبوع الماضي واحدة من المراحل الأخيرة في عملية متعددة السنوات شهدت إجراء مشاورات مع حوالي 23,000 شخص في مختلف أنحاء العالم حول كيفية تحسين الاستجابة للأزمات.
 
 
وقد تم طرح المئات من الأفكار؛ فما هي الأفكار التي ترتفع الآن إلى القمة؟ وما هي الأفكار التي يتم تهميشها؟ نقدم لكم فيما يلي وجهة نظرنا بشأن الاتجاهات الناشئة:
 

الأفكار المطروحة

سد الفجوة بين العمل الإنساني والإنمائي: يتم تقديم الغالبية العظمى من الإغاثة الإنسانية الآن في إطار ما تسمى بالأزمات التي طال أمدها، التي تستمر لسنوات عديدة. مع ذلك، يتم التصدي لها من خلال النُهُج القصيرة الأجل، التي غالباً ما تركز على الاحتياجات الأساسية فقط. وإذا كان هناك شيء واحد يمكن أن تسفر عنه القمة العالمية للعمل الإنساني، فهو إعادة النظر في الفجوة بين العمل الإنساني والإنمائي. إن التعامل مع الأهداف الإنسانية والإنمائية كتحد عالمي واحد هي الرسالة الرئيسية في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. لقد أعاد الأمين العام التأكيد على هذا الأمر أثناء تدشين التقرير في نيويورك، عندما قال أن القمة العالمية للعمل الإنساني ستكون "أول مناسبة كبيرة لضمان نجاح [أهداف التنمية المستدامة]". ويهدف هذا "النهج المشترك" بشكل خاص إلى معالجة نماذج التمويل، وأيضاً جمع وتحليل البيانات عن المخاطر، وتقييم الاحتياجات، والتسليم الواضح والمترابط للمساعدات مع نتائج جماعية متفق عليها في غضون أفق ممتد لعدة سنوات (هذا يجعل بعض المتخصصين في حالات الطوارئ، الذين يشعرون بالحاجة إلى أن يكونوا مستقلين، شديدي الانزعاج). يقترح بان إنشاء منصة تمويل دولية مخصصة للأزمات الممتدة، تتصدى لكل شيء من أموال الابتكار إلى التأمين ضد المخاطر. وقد أسفرت المشاورة النهائية للقمة العالمية للعمل الإنساني، التي عُقدت في جنيف في شهر أكتوبر الماضي، عن الدعوة إلى "أُطر إدارة أزمة شاملة" تجمع كل أولئك الذين يعملون على الأبعاد المختلفة للأزمة، وأوصت بالتركيز بشكل خاص على القدرات المحلية على الصمود. كما صدرت توصية واسعة النطاق باللجوء إلى التمويل المتعدد السنوات.
 
الصفقة الكبرى: هذه هي الحصيلة الرئيسية لتوصيات لجنة رفيعة المستوى تشكلت بتكليف من الأمين العام للنظر في كيفية سد الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة. "الصفقة الكبرى" هي فكرة أن كل جزء من أجزاء مختلفة من نظام المعونة - لا سيما وكالات الأمم المتحدة والحكومات المانحة - يمكن أن ينفذ بعض التغييرات داخلياً، والتي من شأنها معاً أن تجعل إيصال المساعدات أكثر كفاءة. "وكجزء من هذا الاتفاق، لن تقوم الجهات المانحة ببساطة بمنح أموال أكثر، بل ستمنحها على نحو أفضل، بأن تكون أكثر مرونة، وستوفر المنظمات الإنسانية بدورها قدراً أكبر من الشفافية والوعي بالتكلفة،" كما يقول تقرير اللجنة. ستقوم الجهات المانحة بتنسيق قوائمها المرجعية المزدوجة ومتطلبات التقارير الخاصة بها في مقابل تنازلات مماثلة في السلوك المباشر من قبل مجموعة كبيرة من المنظمات الإنسانية. ولعل هذه هي الفكرة الوحيدة التي بدأت الحكومات تحتشد حولها. وتدرس النرويج والولايات المتحدة، من بين دول أخرى، بالفعل كيفية البدء في تنفيذ ذلك. وفي هذا الشأن، قال المفوض الأوروبي لشؤون المساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات، كريستوس ستايليانيدس، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "بوصفنا واحدة من الجهات المانحة الرائدة في العالم، يُعتبر تنفيذ إصلاحات على نطاق المنظومة من أجل تحقيق فعالية العمل الإنساني أولوية مطلقة. ولذلك، بطبيعة الحال، فإن قضايا مثل تقييم الاحتياجات المشترك، وتحديد أولويات الاحتياجات، والنداءات المنسقة، والتركيز على الجودة والنتائج ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنا". وقد تعهد الفريق الرفيع المستوى، الذي تقوده نائبة رئيس المفوضية الأوروبية كريستالينا جورجيفا، بمحاولة تحويل الصفقة الكبرى إلى واقع قبل انعقاد القمة. كما تحدث ستيفن أوبراين، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، عن وضع جدول زمني واضح لتطبيقها. وكجزء من حملة لتحسين كفاءة التكاليف والشفافية، طالب بان أيضاً الجهات الفاعلة الإنسانية بتبني مبادئ المبادرة الدولية للشفافية في المعونة.
 
صفقة جديدة للاجئين (ومضيفيهم): نظراً لوصول النزوح العالمي إلى أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، وتصدّر اللاجئين لجدول الأعمال السياسي في أوروبا والولايات المتحدة، ليس من المستغرب أن تكون معالجة نظام دعم اللاجئين المتداعي موضوعاً ساخناً خلال القمة العالمية للعمل الإنساني. وتتلاحم الأفكار حول ما وصفه تقرير الأمين العام بأنه "إطار جديد للتعاون في مجال تقاسم المسؤولية المنصف الذي يمكن التنبؤ به"، ومجموعة من التدابير - تتراوح بين خلق سبل العيش المستدامة (طلب جريء لا يحظى بشعبية كبيرة لدى الدول المضيفة) وزيادة فرص الحصول على التعليم - التي تركز على إنهاء سنوات النسيان التي يجد خلالها العديد من اللاجئين أنفسهم. لم يذهب بان إلى حد تبني توصية المفوض السامي لشؤون اللاجئين السابق أنطونيو غوتيريس، وهي أن "تأتي الاستجابة الإنسانية - تمويل المساعدات المقدمة للاجئين على وجه التحديد - من الاسهامات التي تم تقييمها (المستحقات التي يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة دفعها) ولكن التقرير التجميعي لعملية التشاور العالمية يوصي بإنشاء "حزمة تمويل عالمية" للبلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين. وقد أعلن البنك الدولي أنه سيعطي مجموعة من المنح الآن للبلدان المتوسطة الدخل، إذا استضافت عدداً كبيراً من اللاجئين. "لقد تخلينا عن حيادنا بطريقة ما،" كما يقول موكيش كابيلا، أستاذ الشؤون الإنسانية في جامعة مانشستر. وأضاف أن "هذا تقدم يضع معاييراً جديدةً".
 
 
Camp seen behind wire
هبة علي/إيرين
في المتوسط، يظل اللاجئون نازحين لمدة 17 عاماً
إصلاح مجلس الأمن (نوعاً ما): على الرغم من عدم إجراء نقاش موثوق يُذكر عن تغيير تركيبة مجلس الأمن، يوصي تقرير بان بإدراج المزاعم بشأن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان ضمن البنود الدائمة في جدول أعمال مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك، يدعو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى الالتزام بحجب حق النقض ضد القرارات التي تهدف إلى إنهاء أو منع الفظائع الجماعية - وهي توصية قائمة منذ فترة طويلة ولكنها نادراً ما تحظى بمناصرة على هذا المستوى الرفيع. لا يفسر بان حقاً كيفية تنفيذ ذلك، وكما قال مسؤول إغاثة رفيع المستوى: "أمر حسن وجيد أن نقول أن 'أعضاء مجلس الأمن سيئون' ولكن أين هو التغيير؟"
 
احترام قواعد الحرب: أعطت التفجيرات الكبيرة الأخيرة التي استهدفت مستشفيات في أفغانستان وسوريا واليمن وسائل الإعلام صورة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني من قبل الأطراف المتحاربة، وعدم إخضاع المسؤولين عنها للمساءلة. وقد وردت كيفية ضمان احترام قواعد الحرب، التي تعتبر أساسية لقدرة المنظمات الإنسانية على العمل في بيئات الصراع وكذلك إطاراً حيوياً للحد من المعاناة، مراراً وتكراراً في المشاورات والتقارير المختلفة المرتبطة بعملية القمة العالمية للعمل الإنساني. في تقريره، يدعو بان الدول إلى تقديم المزيد من الدعم السياسي والمالي للمحكمة الجنائية الدولية، ويقترح حتى تأسيس "وكالة مراقبة مخصصة" لتتبع اتجاهات انتهاكات القانون الدولي الإنساني بشكل منهجي، وجمع البيانات، وتقديم تقارير عنها، وعن الثغرات في الامتثال، والمساءلة. ولكن لا تتحمسوا كثيراً: في مؤتمر لحركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي عُقد في شهر ديسمبر الماضي، فشلت الدول في الاتفاق على آلية إبلاغ طوعية عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني. مع ذلك، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحكومة السويسرية، اللتين كانتا تقودان المبادرة، تعهدتا بمواصلة الضغط على الدول حول هذا الموضوع.
 
لا يمكن أن ندور في حلقة مفرغة من التنافس بين الوكالات والعمل أساساً بمنطق جمع التبرعات، بدلاً من المنطق القائم على تقييم محايد للاحتياجات الحقيقية للسكان المستفيدين
تمويل المنظمات المحلية: أسفرت الدعوات المعترف بها على نطاق واسع "لتوطين" الاستجابة للكوارث عن صدور بعض التوصيات الرئيسية، أبرزها التمويل. ويعد نقص الأموال السائلة المقدمة حالياً بشكل مباشر إلى المنظمات المحلية أحد مظاهر الظلم الواضحة وضوح الشمس في النظام الإنساني، وهو أمر يتفق الجميع تقريباً على الحاجة إلى التصدي له. ودعت منظمة غير حكومية تتخذ من نيروبي مقراً لها وتُسمى المنظمة الأفريقية للحلول الإنمائية (ADESO) والموقعون على الميثاق من أجل التغيير (Charter4Change) بمنح 20 بالمائة من التمويل الإنساني مباشرة إلى المنظمات غير الحكومية المحلية. ودعت التوصيات المنبثقة عن المشاورة النهائية للقمة العالمية للعمل الإنساني، التي عُقدت في جنيف، إلى التنفيذ الكامل للميثاق من أجل التغيير. وبينما لم يشر بان إلى الميثاق، فقد دعا إلى توجيه 15 بالمائة من الأموال المقدمة للمناشدات التي تقودها الأمم المتحدة من خلال الصناديق القطرية المشتركة، وهي أكبر مصدر للتمويل المباشر للمنظمات غير الحكومية الوطنية*. ويقول على وجه الخصوص أنه لا بد من ترتيب المنظمات المحلية حسب الأولويات عندما يتعلق الأمر بتمويل التأهب. مع ذلك، فإن هناك مخاوف من أن بان يركز على الحكومات الوطنية أكثر من منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية التي غالباً ما تكون على الخطوط الأمامية للاستجابة. "[إن الاتجاه ] انتقل من المستوى الدولي إلى الوطني، ولكنه لا يتعمق بالقدر الكافي للوصول إلى نظام إنساني أكثر ديمقراطية، لاسيما على المستوى الشعبي. ولكن هذا اتجاه جيد،" كما يقول كابيلا. وعلى أية حال، فإن الحكومات المانحة لديها قدرة إدارية أقل على تقديم منح صغيرة لعدد أكبر من الشركاء، والسيطرة على الأموال المجمعة هي أمر متنازع عليه بالفعل، ولذلك فليس من الواضح حتى الآن كيف سيتم تنفيذ التمويل المحلي على أرض الواقع.
 
النازحون داخلياً: على الصعيد العالمي، بلغ عدد النازحين داخل بلادهم (38.2 مليون شخص) ضعف عدد الأشخاص الذين أُجبروا على عبور الحدود (19.5 مليون شخص). وغالباً ما يواجه النازحون صعوبات أكثر من اللاجئين: لأنهم لا يحظون بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني الملزم على الصعيد العالمي، وعادة ما يتوقف مدى قدرة الإغاثة الخارجية على الوصول إليهم على استعداد حكومتهم للسماح بدخول المساعدات الدولية. ويعكس التقرير التجميعي عن مشاورات القمة العالمية للعمل الإنساني - الذي لخص عملية التشاور الرسمية - النداءات التي صدرت أثناء المشاورات حول اتفاقات إقليمية على غرار اتفاقية الاتحاد الأفريقي لحماية ومساعدة النازحين المعروفة باسم اتفاقية كمبالا. وقد ذهبت العديد من المشاورات في أفريقيا إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن التصديق على مثل هذه الاتفاقيات لن يكون كافياً: ستكون أدوات السياسة القانونية على المستوى الوطني ضرورية أيضاً. ينقل التقرير الصادر عن المشاورة العالمية النهائية فكرة التكرار الإقليمي لاتفاقية كمبالا، بينما يذهب تقرير الأمين العام إلى أبعد من ذلك، داعياً الدول إلى الالتزام بالأهداف المحددة لخفض النزوح الداخلي بنسبة 50 بالمائة على الأقل بحلول عام 2030 (على الرغم من أنه لا يقترح أي إطار يمكن من خلاله حدوث ذلك) - وإنهاء انعدام الجنسية تماماً في غضون العقد المقبل.
 
A woman and her baby take shelter at Don Bosco Orphanage in Goma, Democratic Republic of Congo
كيت هولت/إيرين
نزح نحو 2.7 مليون شخص داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية بسبب الصراع
 
زيادة الإنفاق على التأهب: على الرغم من إدراك ذلك منذ سنوات طويلة، فقد لوحظ منذ فترة طويلة أن عدم وجود استثمارات جادة في بناء القدرة على الصمود والتأهب للأزمات يمثل مشكلة رئيسية. ففي عام 2014، تم إنفاق 0.4 بالمائة فقط من المساعدة الإنمائية الخارجية على التأهب، وفقاً للأمين العام. ويرى تقريره أن التأهب يشمل تحولاً جوهرياً بعيداً عن النهج القائم على العرض إلى نهج يوجه السؤال التالي: "ماذا يمكننا أن نفعل لإضافة قيمة إلى ما يقوم به الناس والمجتمعات بالفعل؟" ويضع معياراً يتمثل في إنفاق واحد بالمائة من المساعدات الإنمائية الرسمية على الحد من مخاطر الكوارث والتأهب لها بحلول عام 2020 (يرى البعض أن هذا هدف متواضع جداً). كما ورد ذكر الاستثمار في إدارة المخاطر ورصد تدهور الأوضاع، وتمويل القدرة الوطنية على الاستجابة، وضخ المزيد من الموارد في تنميط المخاطر - بما في ذلك الشراكات مع القطاع الخاص - في مختلف التقارير المتعلقة بالقمة العالمية للعمل الإنساني.
 

الأفكار غير المطروحة

إصلاح الأمم المتحدة: إذا كان الإصلاح الشامل للنظام الإنساني يندرج ضمن ولاية القمة العالمية للعمل الإنساني، فإن العديد من الناس يتساءلون: أين فحص نظام وكالات الأمم المتحدة المعقد والمتداخل في بعض الأحيان؟ في شهر يونيو الماضي، خلال اجتماع نظمته شبكة التعلم الإيجابي للمساءلة والأداء في مجال العمل الإنساني (ALNAP)، وهي منتدى يركز على تحسين العمل الإنساني، كانت التوصية الأكثر شعبية بفارق كبير لدى أهم 200 منظمة إنسانية هي أن يتولى الأمين العام "إصلاح ولايات وأدوار وكالات الأمم المتحدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان المتضررين على نحو أفضل": أيد 72 بالمائة من المشاركين هذا الاقتراح بشدة، في حين عارضه بشدة خمسة بالمائة فقط. لكن في مقابلة مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في شهر أكتوبر الماضي، قال أوبراين أن تغيير هذه الولايات سيكون "الهاءً غير مسؤول" (وهي وجهة نظر تشاركه فيها العديد من الدول لأن بعضها يخشى أن تكون النتيجة أسوأ من الوضع الحالي) وفي نوفمبر، أخبر الدول الاعضاء أن على الأمم المتحدة "الاضطلاع بدورها في تبني التغيير"، ولكن ضمن "الولايات القائمة". وقال أيضاً أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، سوف يضطلع باستعراض داخلي لعمله، ولكننا لم نسمع الكثير من وكالات الأمم المتحدة الأخرى. من جانبه، أشار السفير هشام يوسف، الذي يشغل منصب الأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي للشؤون الإنسانية، في محاضرة ألقاها العام الماضي، إلى أن كلمة "إصلاح" لا تظهر في أي من بيانات وكالات الأمم المتحدة المتعلقة بالقمة العالمية للعمل الإنساني. ولا يتصدى بان بشكل مباشر لمسائل الإصلاحات الهيكلية للأمم المتحدة في تقريره، بل يشير بشكل أقل تحديداً وبطريقة "مخففة" إلى حقيقة أن تلك الولايات لا يمكن أن تأتي أولاً، ولكن دون أن يوضح بالتفصيل كيفية عمل البديل. ولكنه يعطي تلميحاً واحداً عندما يشير إلى "تمكين القيادة" في الميدان - في إشارة إلى منسقي الشؤون الإنسانية الذين تُعيّنهم الأمم المتحدة والذين كانوا تاريخياً يحظون بصلاحية تنسيق عمل جميع الوكالات أثناء الأزمة، ولكن من دون سلطة فعلية للقيام بذلك. ويقترح أن جزءاً من طريقة تغيير ذلك هو منحهم سلطة التحكم في الموارد، مع القدرة على توجيههم نحو تحقيق الأهداف المشتركة.
 
إصلاح اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات: اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات هي الهيئة العليا لتنسيق المساعدات الإنسانية، وتجمع بين وكالات الأمم المتحدة الرئيسية، واتحادات تمثل المنظمات غير الحكومية الغربية غالبية أعضائها، وحركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر. واللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات هي أساس البنية الإنسانية، ولكن لا يتم تمثيل المانحين أو المنظمات غير الحكومية غير الغربية فيها. "لا يمكن أن تكون لدينا ثلاث منظمات فقط تمثل أغنى المنظمات غير الحكومية الدولية،" كما أفاد أحد ممثلي المجتمع المدني من الشرق الأوسط في واحدة من مشاورات القمة العالمية للعمل الإنساني، داعياً إلى تمثيل محلي أكبر في اللجنة. وفي رسالة إلى أوبراين وأعضاء اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات، وقع عليها في ديسمبر الماضي العديد من أهم الإدارات الحكومية المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية في العالم واطلعت عليها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، دعت الجهات المانحة إلى "إصلاح وإعادة تنشيط اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات". وقالوا أن اللجنة يجب أن تكون استباقية أكثر في وضع جدول الأعمال، وأكثر استجابة للحالات الناشئة، وأكثر قدرة على الوصول إلى مختلف أصحاب المصلحة، وأكثر شمولية في صنع سياساتها. ودعوا إلى "منتدى حوار شامل رفيع المستوى يُكمل عمل المجالس التنفيذية للوكالات من خلال التركيز على الاستراتيجيات المشتركة بين الوكالات والاحتياجات والتحديات على نطاق المنظومة. وينبغي أن يوفر ذلك قدراً أكبر من الرقابة للدول الأعضاء حتى تتمكن من مساءلة النظام ككل". هذه دراسة متفحصة للسياسات والممارسات بالنسبة لأي قارئ عادي: المانحون يريدون هيئة عليا يمكن تمثيلهم فيها، كما هو الحال في المجالس التنفيذية لوكالات الأمم المتحدة. لقد طرأت مسألة استبعاد الجهات المانحة من اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات من قبل، ويبدو أنهم يقذفون الكرة في ملعب أوبراين مع تهديد ضمني بتدخل أقوى إذا لم يحصلوا على ما يريدون. لم يرد ذكر اللجنة ولو مرة واحدة في تقرير الأمين العام.
 
تقييمات الاحتياجات المستقلة: في معظم القطاعات، لا تقوم نفس المنظمة بإجراء تقييمات الاحتياجات والاستجابة لتلك الاحتياجات وضمان جودة الاستجابات. ولكن في القطاع الإنساني، يحدث ذلك طوال الوقت. ومن شأن تقييمات الاحتياجات المستقلة أو المحايدة أن تضمن أن وكالات الأمم المتحدة لا تتخذ قرارات تخدم مصالحها الخاصة. "لا يمكن أن ندور في حلقة مفرغة من التنافس بين الوكالات والعمل أساساً بمنطق جمع التبرعات، بدلاً من المنطق القائم على تقييم محايد للاحتياجات الحقيقية للسكان المستفيدين،" كما أكد كلاوس سورنسن، الذي كان يرأس دائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (ECHO)، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). وقالت الجهات المانحة في الرسالة الموجهة إلى اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات أن الاحتياجات يجب "تحديدها بطريقة موضوعية ... وشفافة"، وأن "التقييمات يجب التحقق منها بشكل منهجي مع المجتمعات المحلية". وكجزء من "النهج المشترك"، يدعو تقرير الأمين العام إلى إجراء "تقييمات احتياجات مشتركة مفتوحة وشفافة" تشارك فيها السلطات الوطنية والمحلية، والمجتمعات الإنسانية والإنمائية والبيئية والمعنية بتحقيق الأمن والسلام (والتي من المؤكد أن تواجه مقاومة من "الأصوليين" في المجال الإنساني)، ولكنه لا يذكر شيئاً عن الفصل بين من يقومون بتقييم الاحتياجات وأولئك الذين يستجيبون لها.
 
تأثير مكافحة الإرهاب: أشارت أربع مشاورات إقليمية للقمة العالمية للعمل الإنساني على الأقل بشكل خاص إلى تأثير تدابير مكافحة الإرهاب على العمل الإنساني. يجعل هذا التشريع نقل الأموال أكثر صعوبة، ويزيد تعقيد المفاوضات (سواء فيما يتعلق بتسوية النزاعات أو إيصال المساعدات) ويعرض المنظمات الإنسانية التي تعمل مع جماعات تُصنف بأنها "إرهابية" لخطر شديد يتمثل في اتهامها بارتكاب جرائم لمجرد قيامها بعملها. وقد حدد اجتماع شبكة التعلم الإيجابي للمساءلة والأداء في مجال العمل الإنساني في الصيف الماضي بالفعل قوانين مكافحة الإرهاب باعتبارها واحدة من أهم ثلاث عقبات تعوق الاستجابة للأزمات. وعادة ما يتم الاستشهاد بالصومال، حيث يعتمد أكثر من 40 بالمائة من السكان على التحويلات المالية لتلبية الاحتياجات اليومية، باعتبارها دراسة حالة للتأثير المدمر عندما تضطر البنوك لحجب خدماتها من أجل الامتثال لهذه التشريعات، ويصبح العمل بشكل مباشر مع منظمات المجتمع المدني المحلي أكثر صعوبة. ويقترح التقرير التجميعي للقمة العالمية للعمل الإنساني إجراء حوار دولي حول ضمان تحويل الأموال لأغراض إنسانية واستثناءات صريحة في التشريعات الوطنية. ولكن لم يرد ذكر هذه المسألة على الإطلاق في خطاب أوبراين الذي ألقاه أمام الدول الأعضاء في شهر نوفمبر، وذُكرت بشكل عابر في سياق الإصلاح المالي في التقرير النهائي للمشاورة العالمية النهائية في أكتوبر الماضي. لم يناد تقرير الأمين العام باستثناءات للسماح للمنظمات الإنسانية بالدخول في حوار والتنسيق مع جميع أطراف النزاعات المسلحة. ولكن بالنسبة للبعض، لا تزال هذه القضية "على هامش مناقشات القمة".
 
دور الشتات: نوقشت شبكات الشتات كثيراً في السنوات الأخيرة. وقد أكد الدور الاستباقي للغاية الذي قامت به مجموعات الشتات الفلبينية والنيبالية في الاستجابة لإعصار هايان وزلزال كاتماندو في عام 2015 على التوالي نفوذها المالي والتنظيمي المتزايد، والذي اعترفت به وزارة التنمية الدولية بالمملكة المتحدة من خلال تواصلها الاستباقي مع جماعات من سيراليون خلال الاستجابة لتفشي فيروس الإيبولا. طرحت المشاورات المبكرة حول القمة العالمية للعمل الإنساني بعض الأفكار، مثل العمل مع مجموعات الشتات في مجال الحد من الصراعات والاستفادة من دور الشتات في اجتثاث التطرف، وركزت كثيراً على أهمية العلاقات والشراكة. ولكن تقرير المشاورة العالمية النهائية طرح فقط توصية بشأن التحويلات النقدية وبذل جهود المناصرة مع البنوك. وفي المشاورة العالمية النهائية في جنيف، قال آدي دارامي، أحد أعضاء شتات سيراليون، أنه شعر بأن صوت الشتات لم يُسمع في عملية القمة وذكّر الحضور بأننا "لسنا مجرد محفظة نقود".
 
International aid workers take pictures as volunteers help arriving refugees from the boat
ماريينا بوب-ويدمان/إيرين
كان المتطوعون أسرع استجابة لأزمة اللاجئين في أوروبا من المنظمات الإنسانية التقليدية
 
الجهات الفاعلة الإنسانية الناشئة: طفا دور المتطوعين ومنظمات المجتمع المدني المخصصة في الاستجابة للأزمات على السطح خلال العام الماضي بسبب الاستجابة الشعبية الواسعة النطاق لتدفق اللاجئين إلى أوروبا. وفي حين أن الأفراد دائماً ما يحتشدون أثناء الكوارث، فقد أدت أدوات تكنولوجيا المعلومات إلى زيادة كبيرة في قدرتهم على التنظيم والاتصال الشبكي وجمع التبرعات. ولم يقتصر ذلك على أوروبا وحدها: كما أثبتت البحوث التي أُجريت مؤخراً من قبل معهد التنمية الخارجية، فإن الكثير من المساعدات التي تصل على الأرض في سوريا تأتي من خلال مجموعات وشبكات لم تكن موجودة قبل بضع سنوات. مع ذلك، يبدو أن مسألة كيفية العمل مع مثل هذه المجموعات، التي تتكون في كثير من الأحيان من أشخاص ليست لديهم خلفية أو تدريب في مجال العمل الإنساني، أو كثير من الفهم لمبدأ "عدم إلحاق الضرر"، قد غابت عن القمة العالمية للعمل الإنساني. لقد أصدرت الدول المشاركة في مؤتمر الصليب الأحمر والهلال الأحمر في شهر ديسمبر الماضي قراراً لتوفير حماية أفضل للمتطوعين، ولكن يبدو أنه قد تم التخلي عن توصيات مثل "تطوير التشريعات والسياسات لدعم شبكات المتطوعين والشبكات المجتمعية" (التي تم تقديمها خلال المشاورات في منطقتي شرق وجنوب أفريقيا)، أو فكرة إيجاد آليات تسمح للمتطوعين بتبادل المعلومات مع المنظمات الإنسانية المهنية، لأن القطاع يركز على الأفكار والتوصيات المدرجة بالفعل.
 
المجموعات القطاعية: إذا تحقق للأمين العام ما يريد، سيتم استبدال نظام تنسيق المجموعات القطاعية الشهير، الذي اُنشئ في عام 2005 كجزء من عملية إصلاح العمل الإنساني، بنظام "النتائج الجماعية". يسمح نظام المجموعات القطاعية بوجود وكالات رائدة في كل مجموعة - ترأس منظمة اليونيسف مجموعة المياه والصرف الصحي، وترأس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مجموعة شؤون النازحين داخلياً، وما إلى ذلك - تكون مسؤولة وخاضعة للمساءلة في نهاية المطاف. وقد قوبل الابتعاد عن نهج المجموعات العنقودية بالقلق من جانب العديد من المراقبين. ويرى أحد الدبلوماسيين ذلك على أنه خطوة قام بها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) للحصول على المزيد من السلطة المركزية، في حين شعر مراقب آخر أن "من الخطر التخلص من شيء قبل أن نفهم حقاً ما سيحل محله".
 
iw-ha/bp/ag-ais/dv
 

* تم تصحيح هذه النسخة في 21 فبراير. أفادت النسخة السابقة أن بان كي مون دعا إلى تخصيص 15 بالمائة من الأموال المجمعة التابعة للأمم المتحدة للشركاء المحليين، وهو هدف قد تم تحقيقه بالفعل.